قال السيد الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة السوداني، إن علينا أن نقتدي بكوديسا جنوب افريقيا في الوفاق الوطني إن أردنا الفرج من الكربة السودانية. والكوديسا هي الأحرف الإنجليزية الأولى ل"لمؤتمر لأجل جنوب أفريقيا ديمقراطية" الذي اجتمعت فيه أحزاب البلد لوضع لبنة المساومة التاريخية المعروفة التي أنهت نظام الفصل العنصري، الأبارثايد
أخشي أن يظن كثيرون أن الكوديسا هي بعض تلاعب السيد الصادق بالمصطلح الأعجمي. فهو متهم عند هؤلاء بأنه ممن يكتفي بالعبارة دون العمل منذ استحدث في قاموسنا السياسي مصطلح "السندكالية" في الستينات. وربما شجع على انصراف الناس من دعوة السيد أن فكرنا السياسي ضيق واسع تجربة جنوب أفريقيا في مفهومين حين قارب أوضاع السودان منها. وأول المفهومين هو "الفصل العنصري" والثاني هو "العدالة الانتقالية" وهي الترتيبات التي اتفقت لجنوب أفريقيا لتتعاطى مع تاريخ ظلم بيضها التاريخي الشديد لسودها. وقل من نظر إلى آليات التفاوض مثل الكوديسا التي اثمرت صلح البلد القومي. ومما يحسب للسيد الصادق أنه دفع بالمفهوم ليوسع ضيقاً.
ومن المؤسف مع ذلك أننا لم نحسن فهم الواقعتين. فالفكر المعارض لنظام الإنقاذ ظل يصف إجراءات التفرقة الثقافية المتهم بها النظام بأنها ابارتايد. وكأن كل تفرقة بين الناس أبارتايد. فحتى العقيد قرنق أذاع هذه العقيدة عن النظام. ولكن الأبارتايد غير. فهو تفرقة نص الدستور عليها لفصل جنوب أفريقيا إلى بلدين منفصلين للبيض والسود. ووخلافاً لذلك فالإنقاذ، برغم صنوف التفرقة بين عناصر الأمة، قاتلت بالظفر والناب ليكون السودان، على نقصه، واحداً. وهي بهذا أشبه بالحركات الوطنية في سائر أفريقيا التي تمسكت بالوطن الواحد الموروث عن الاستعمار وأذاقت من ضاقوا بها من مهمشيها الويلات.
أما سوء فهم المعارضين للعدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا فهو أوعر. فحديثهم عنها، متى حانت في السودان، غبين وانتقامي ولا موضع له في إعرابها. ومع أن مقاصد العدالة الإنتقالية محاسبة من اعتدوا على الناس وأسرفوا إلا أنها محاسبة لا تمت للقصاص بٌغية معارضي الإنقاذ. فالقصاص لم يكن مطلب لجنة الحقيقة والتعافي في جنوب أفريقيا التي قامت بأمر العدالة الإنتقالية. فلم تطلب محاكمها الحقيقة الجنائية الحقوقية كما تطلبه محاكم القانون لتقدير الجرم فالعقوبة. خلافاً لذلك كانت تلك محاكم تطلب الحقيقة السردية بمعني أن يروى مرتكب الجريمة تفاصيلها، فتدون، ثم يَحصُل على العفو. ولذا وصفت اللجنة بأنها مقايضة: العفو مقابل القصة. ومن جهة أخرى لم يقتصر العدل الإنتقالي على مساءلة شياطين الأبارتايد على جرائمهم بل شمل المقاومين الأشاوس لهم.  فمثلت السيدة ويلي ماندلا، على علو كعبها في جهاد الأبارتايد، أمام المحكمة لتبريء ساحتها بحكاية شاب أمرت بقتله للريبة أنه غواصة للبيض. ولن يصدق مناضلون أشاوس ضد الإنقاذ، متى قبلوا بالعدالة الإنتقالية جنوب أفريقية، أنهم ربما استدعتهم لجنة الحقيقة السودانية ليطلبوا العفو عن تفجير خط البترول في شرق السودان أو الاعتداء على الدكتور حسن الترابي في كندا في 1993.
من شأن استصحاب خبرة كوديسا في المفاوضة السودانية للوفاق القومي أن نقف بها على الجغرافيا العسيرة للمساومة التاريخية. فنجاح تلك المساومة، التي استظلت بنجومها الزواهر مثل ولسون ماندلا، قد يغرى بالظن، وقد انقضى عقدان على تمامها، بأنها كانت رحلة سهلة. ولكنها في حقيقة الأمر كانت مخاضاً وعراً. وبلغت من ذلك أنها انعقدت في حلقتين، كودسا الأولى (ديسمبر 1991) وانتهت إلى لاشيء لتتلوها كودسا 2 ( مايو 1992) لتلقى نفس المصير. وعلى صيت كودسا بإبرام الصلح القومي فالاتفاق النهائي لم يقع فيها بل من منبر آخر أعقب فشلها الذي تداركه أولو العزم من قادة البلد وتمسكوا بالوفاق وحملوا الناس عليه حملا. وهذه نافذة لنرى كيف تسهر القيادة، وقد نضجت المساومة، علي إنفاذها بإرادة لا تفل. وكثير منا، من الجانب الآخر ، يعتقد أن مفاوضات المساومة التاريخية كانت جدلاً صعباً بين سود وبيض والحق أبلج. وحقيقة الأمر أنها كانت مساومة عسيرة بين بيض وسود من جهة في مقابل بيض وسود آخرين من الجهة الأخرى. وكانت هذه التحالفات عبر الحاجز العرقي  هي التي عسّرت التفاوض وضرجته بالدم.
كانت كودسا الأولى ساحة لمظالم مختلفة ولمواقف متباينة. فغاب عنها مؤتمر شعوب أفريقيا (باك) الذي توجس من البيض فطلب أن ينعقد الاجتماع خارج البلاد. وغاب حزب أزابو الأفريقي وحزب المحافظين البيض. ثم انسحب خلال المفاوضات حزب إنكاتا، الذي غالبه من شعب الزولو التاريخي، واستهجن زعيمه بوتوليزي رفض كودسا وجود مندوبين عن ملك الزولو. وأقشعر الحزب الوطني الأبيض الحاكم، وزعيمه دي كليرك، من مآل التفاوض لخوفه من ضياع دولتهم. ولم يقبلوا بتطمئنات زعيمهم المسنود بالصفوة البيضاء التي عقدت العزم على الوفاق لأن المقاطعة الغربية المطردة لبلدهم هدت الحيل. ولجأ دي كليرك إلى الشعب الأبيض لكي يفحم معارضيه منهم. فاستفتاهم حول مدى قبولهم لاستمراره في المساومة التاريخية. وفاز. وكان حزب المؤتمر الأفريقي، بزعامة ماندلا، عارض ذلك الاستفتاء الذكي. وتفرقت كوديسا الأولى على لا شيء.
وانعقدت كوديسا الثانية في مايو 1992. وجاء كل فريق بمطلب رأى الآخر فيه شططاً. فدي كليرك طلب أن يحل المؤتمر الأفريقي جناحه العسكري "حربة الأمة" بينما طلب الأخير بتفكيك قبضة البيض على أجهزة الإعلام الرسمي. ولم يختلفا حول قيام حكومة مؤقتة حتى الانتخابات ولكن كان الخلاف حول أدائها. فالمؤتمر الأفريقي أرادها من كل الأحزاب وتنتهي مهمتها بالإنتخابات. ولكن الحزب الوطني كان يريد لأحزاب الأقلية حق الفيتو في الحكومة متى ضامها حزب الأغلبية. ثم  جرى النزاع حول الأغلبية البرلمانية التي تكفل تعديل لائحة الحقوق الأساسية أو تمرير أي قرارات أخرى بما فيها الدستورية. وكان البيض يعلون الزانة والسود يرخونها. فاقترح البيض 75% من الأصوات لتعديل لائحة الحقوق الأساسية و70% لإجازة أي قرار تعلق بالدستور أو غيره. وتمسك المؤتمر الأفريقي بالثلثين في حال التعديل الدستوري وما عدا ذلك فبالأغلبية البسيطة. ثم تنازل المؤتمر الأفريقي ليجعلها 75% لتعديل لائحة الحقوق الأساسية و 70% لأي تعديلات دستورية أخرى. وانفضت كوديسا الثانية بغير اتفاق.
وعليه لا يمكننا القول، إذا أردنا الدقة، إن المساومة التاريخية انعقدت على ناصية  الكوديسا لفشلها مرتين في التوفيق بين الأطراف. بل إن حلف البيض والسود المقاوم للمساومة بشروط الحزبين الغالبين لا يدين إلى يومنا هذا للكودسا بعرفان لأنهم هجروا ساحتها باكراً. فمتى نسبوا المصالحة  إلى منبر كان ذلك ما سموه "عملية التفاوض متعدد الأحزاب" التي أعقبت سقوط الكوديسا الثانية. وصدقوا حرفياً
وكان يمكن لكوديسا أن تكون نهاية المفاوضات موضوع النظر لولا الزعامة السياسية ممن تقمصتهم روح الوفاق فأحيوه بعد موات الكوديسا. فتدخل ماندلا ودي كليرك بعد تهافت الكوديسا وحملا رفاقهم المفاوضين حملاً ليواصلوا مساعي الصلح بلا كلل. فأدخلوا "التكنوقراط" بصورة نادرة لينصحوا المفاوضين بالقواسم المشتركة التي تضيع في وعثاء الخصومة. فأعقب انحلال كوديسا عنف أشفق الناس منه على البلد. فتبادل ماندلا ودي كليرك، الرسائل وأنتهيا بتكوين لجنة للحوار المشترك بين الحزبين. فاتفقت على قيام حكومات مؤقتة في المركز والأقاليم والمحليات وهو ما لم يقبل به المؤتمر الأفريقي الوحدوي من قبل. ثم أتفقا على وضع دستور مؤقت وبرلمان يعكف على إنشاء دستور إنتقالي بما تواضعا عليه. ولمنع تعدد الأصوات والشتات اتفق الزعيمان أن يدرسا معاً  كل مشروع قبل عرضه على الأحزاب الأخرى. ثم رتبا في أبريل 1993 لآلية ترعى هذا الاتفاق وتفصله تفصيلا لما بعد كوديسا. وهي التي عرفت ب"منبر عملية التفاوض متعدد الأحزاب".     فرتبا لقيام هيئة شبه برلمانية من 26 حزباً و205 عضواً. ولكن دينمو التفاوض كان مجلساً منها يسهر على تسييل الآراء وتطويرها وصقلها لتجيزها الهيئة البرلمانية. وتكون المجلس من مندوبين لكل حزب مشروط عليه أن تكون بينهما امرأة واحدة على الأقل ولكل حزب مستشاران. ولا ينظر المجلس الآراء إلا مكتوبة من الأحزاب منعاً للمشافهة. وقبل نظر المجلس فيها تعكف عليها جماعة من الفنيين غير الحزبيين معينة من قبله وظيفتها لم الشمل بتحرير الآراء لمنع العثرات وإزالة الأذى عن طريق التصالح. ثم تتلقى تقارير هذه اللجنة الفنية لجنة أخرى للتخطيط وظيفتها كتابة مشروع المسودات لحصيلة التدوال. ثم تحملها للمجلس لينظر فيها ثم يرفعها للهيئة البرلمانية. وهكذا لم يكن اتفاق جنوب أفريقيا شغلاً حزبياً بحتاً بل لعب فيه التكنوقراط والذمة المهنية دوراً لحم النسيج السياسي من شعواء الخلاف.
كان النزاع حول مفردات مفاوضات المساومة التاريخية في جنوب أفريقيا سياسيا بوجه ما  أكثر منه عرقياً بين بيض وسود وكفى. فقد تحالف إنكاتا الزولو والمحافظين البيض في جماعة سموها "المهجسون" لخوفهما من مغبة الاتفاق حول قيام جنوب أفريقيا موحدة تلغي هوياتهم التاريخية. وهدد إنكاتا الأفريقي باعتزال التفاوض ولكن خشي العزلة وغضبة الغرب. وأطرد في الحزب الوطني في الجانب الآخر صعود نجم من جنحوا للمساومة وشجعهم على ذلك قبول المؤتمر الأفريقي قيام حكومة إنتقالية مؤتلفة بعد الانتخابات أمنت لحزبهم وزناً  في ما بعد الأبارتايد. ولما تقوى تناصر الوطني والأفريقي خشي المهجسون من العزلة فعادوا لمسار المناقشات مشترطين قيام منبر مستقل لهم دعا إلى جنوب أفريقيا فدرالية تحفظ للكيانات جمعاء هويتها واستقلال إدارتها. ورفض ماندلا ودي كليرك الفدرالية فغادر المهجسون ساحة التفاوض. وعاد منهم من عاد لها إلا إنكاتا والمحافظون البيض. وشددوا النكير على الاتفاق الموقع في ابريل 1993 بين الأحزاب. وتناصروا في جبهة جديدة هي "التحالف من أجل الحرية" وطالبوا بقمة لزعماء الأحزاب تخضع الدستور الوحدوي المؤقت المجاز لنظر جديد قبل الإنتخابات المقررة. ولم يكف ذلك التحالف عن العنف لتعكير الصفو وفرض إرادته.
لم يمر اتفاق جنوب أفريقيا هيناً تحت وهج سحر ماندلا كما قد نتصور. فقد ضرج العنف مراحله كلها. ومن ذلك اغتيال خصوم الوفاق لكريس هاني زعيم الحزب الشيوعي ممن هفت له قلوب الشباب الرديكالي ممن عرفوه زعيماً للجناح العسكري للمؤتمر الأفريقي. وأختار الأعداء هدفهم بعناية لأن اغتياله كان ينذر بردة فعل وكارثة. ولكن المؤتمر الأفريقي أمتص الصدمة. وفي منعطف ما قامت جماعة شبه نظامية بمهاجمة الصالة التي انعقدت فيها اجتماعات تداول الوفاق الوطني نفسه.  وكان للعنف الذي أراد لجم التفاوض نتيجة عكسية. فكلما اشتد كان أهل المساومة أسرع في تهادي التنازلات ودفع المفاوضات قدماً. 
نستكمل بالعناية بمنزلة  الكودسا جنوب الأفريقية في المساومة التاريخية السودانية ضلعاً من تجربة ذلك البلد الذي سبقنا إلى لم شعثه العصيب. وهي عناية من شأنها أن تحسن فهمنا لبقية أضلاع تلك التجربة مثل نظام الأبارتايد ولجنة الحقيقة والتعافي التي بدا لي أن فكرنا السياسي يتخطفها خطفاً. ولعل أبلغ دروس كودسا أنه حين نضجت ثمرة وفاق جنوب الأفريقيين إنوجد زعماء جعلوا الذي بات ضرورياً ممكناً. وهذا تعريف الإختراق السياسي بإيجاز. وأعانهم على ذلك ميثاق نفسي اسمية "روحانية الوفاق". وهي طمأنينة للتغيير واعتدال فيه بعد أن اتفق للظلمة بوارهم وللمظلومين نصرهم القريب. ولا يفسد هذا الميثاق مثل أن يواصل الظلمة محاججة التاريخ فيسرفوا ولا يعرف المظلومون أنهم ظفروا فلا تهدأ لهم ثائرة. وكانت هذه الروحانية سمة وفاق جنوب أفريقيا حتى بدا ا أقرب إلى الدين منه إلى السياسة. فكان رموزه سياسيين قديسين مثل ماندلا وقديسين سياسيين مثل ديسموند توتو والآن بوساك. وبلغ "تديين" الصلح حداً وصف بعضهم جلسات محكمة الحقيقة والمصارحة بأنها قداس لا "محكمة!" يتهادي فيه المذنبون ومن أذنبوا بحقه أنخاب التعافي.


Ibrahim, Abdullahi A. [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]