أنست مع بعض الأصدقاء ممن احتكوا بأستاذنا عبد الخالق محجوب في مناسبة مرور 85 عاماً على ميلاده. واسترعى هؤلاء الأصدقاء فيه حرصه الشديد على التربية. فهو يعتقد أن هناك أدباً سياسياً ومسلكياً يزين الشيوعي. ولا يتحرج من لفت النظر إلى وجوب التحلي به بقوة. فكان حدثني الأستاذ عبد الماجد بوب عن زيارة له لبراغ حيث كان بوب طالباً جامعياً. وقال إنهم أعدوا له استقبالاً سياسياً منقطع النظير قبيل إلقاء كلمته على الطلاب السودانيين بالمدينة. ولكنه كان من شاكلة ملصقات على الجدران وشعارات من مثل "عاش نضال الحزب الشيوعي، أو "عاش نضال الطبقة العاملة". فلما دخل أستاذنا الصالة ونظر إلى الملصقات اكفهر وجهه وقال لهم بحزم أن يزيلوا تلك الشعارت وبسرعة. وأضاف أن الحزب لم يرسلهم ليعيدوا إنتاج ما مارسوه في السودان من تعبئة وتحريض وكتابة جدران بل ليكتسبوا علماً ومعرفة لا تقع لهم في السودان بيسر. وقال: "إحصلوا على أرقى الشهادات وعودوا للوطن". وزيطة وإتفرتقت. ومن أطرف ما حدثني به بوب أنه حكى الواقعة لرفيق عراقي. فعلق العراقي بأنهم منفيون عن بلدهم وإذا طبقوا شعار عبد الخالق لكان كالآتي: "إحصلوا على أرقى الشهادات وعودوا لليمن". وكانت اليمن ملاذ العراقيين المشردين عن بلدهم.
حدثني الصديق كمال الجزولي أنه في ريعان شبابه عمل كباحث مساعد لأستاذنا. وجاء يوم طرق بابه الرفيق حسن شمت من حي بانت بأم درمان وقال له: "أب كاكومة دايرك". وعرف كمال أن الذي طلبه هو أستاذنا. ومن أسماء الفخر به كذلك "كلنق أب صلعة". وكلها من اختراع أولاد ام درمان المساخيط. واستغرب كمال وتوكل. وحين بلغ دار أستاذنا بالشهداء علم أنه يريده ان يشاركه منصة الحديث في ندوة سياسية ما. وذهل كمال. ولا يُعصى لأب كاكومة أمر. وسهر ليله يعد لكلمته التي اختار لها موضوع الماركسية والإلحاد. ووقف خطيباً قبل الأستاذ وظل يسمعه من وراء ظهره يقول بين الفينة والأخرى: "إكسلنت" أي أحسنت. وأجتاز كمال التجربة بنجاح ولعل قوة حنك كمال المعروفة راجعة إلى نجاحه في امتحان نصبه له الأستاذ. ومن أسفي أنني لم أنجح في امتحان مماثل بندوة بالمدرسة الأهلية بأم درمان. فاضطربت. ولم يخف استاذنا خيبة أمله فيّ.
أما القصة الأمتع فهي ما رواه لي الأستاذ محمد سليمان بالدوحة. قال إنه على عهد الطلب ببحري الثانوية نفذوا برنامجاً لمحو أمية العمال. وسعوا لأستاذنا وجلين في بيته ليشرفهم بتوزيع شهادات تخرج طلابهم العمال. وقبل التكليف بغير لكنة. وجاءهم في الوقت المضروب. وقال محمد إنه جاء أمام باب المدرسة في الساعة والدقيقة بعربته الفولكسواقن الرمادية. وترجل وجلس في مقعده. فقدم مسؤول الطلاب الشيوعيين السياسي للحفل بعرض لخطة حلقة الأمية ومنجزاتها. وقال إنهم خرّجوا فئة من العمال بوسعها الآن قراءة المنشور (الشيوعي بالطبع). ثم جاء دور أستاذنا فأثنى على الحلقة وأسعدته نتائجها. ولكنه استدرك كلمة الطالب قائلاً: إنكم فككتم أمية هؤلاء العمال ليقرأوا ما شاءوا: كتاب الله والخطابات من الأهل أو المخدم والصحف والمنشور لو رغبوا في ذلك.
بعد 35 عاماً على مصرعه يجد من عرفوا أب كاكومة أنه أحسن إلى عقلهم وعاطفتهم وأنشأهم على خدمة الشعب بتجرد وفوق تربية غراء.

Ibrahim, Abdullahi A. [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]