12- فقه عناق الآخر: الشبال بشرو
 عبد الله علي إبراهيم

توفيت في سبتمبر 2000 السيدة قريس هالسل الكاتبة الأمريكية المعروفة عن عمر ناهز السبعة وسبعين عاماً. وبحسب نعي جريدة النيويورك تايمز لها إشتهرت هالسل بكتابات رائجة عن محن الأمريكيين غير البيض من سود وهنود ومكسيكيين أو جيكانو من ذوي الأصول اللآتينية. و سمت كتاباتها ب "عناق الآخر" لأنها كانت بيضاء رفلت في امتيازات قبيلها ورزحت تحتها.  
بدأت هالسل هذا العناق مع الآخر المستضعف في الولايات المتحدة عام 1968. وهو عام أراد فيه الأشقياء البيض إطفاء نور حق هؤلاء المستضعفين بإغتيال القس مارتن لوثر كنق، زعيم حركة الحقوق السوداء. وأقشعرت هالسل للجريمة لا عن مجرد عاطفة أو سمو خلق بل عن علم ويقين. فقد اكتشفت أنها والأشقياء البيض القتلة في مركب واحد. فقد لا يجمعهما جامع في حياتهم العادية ولكنهم شركاء في امتياز البياض وحلفاء في الدفاع عنه ضد الآخر الأسود المتمرد. فقد كانت هي لحينها موظفة بالبيت الأبيض كاتبة بالديوان الجمهوري تصوغ خطابات الرئيس لندون جونسون وبياناته. وبذلك كانت شريكاً في التواطؤ على الحق وترويج الترهات: رباً من أرباب القلم المدافعين عن سؤدد البيض وسيادتهم وحليفاً مع أشقياء السيف شاءت أم أبت.   
 زلزل إغتيال القس مارتن لوثر كنج هالسل وقلب دواخل روحها رأساً علي عقب فاستدبرت امتيازها العرقي وبدأت هذه الرحلة العجيبة المثيرة الخصبة التي أطلقت عليها "عناق الآخر". وأرادت من هذه الرحلة أن تنفذ من سطح الاستضعاف واستنكاره، الذي يقدر عليه كل أحد، إلي مطاويه لتقف على الوجع. . . ذلك الوجع. فعمدت هالسل، وهي السيدة البيضاء، إلي التخفي في سحنة وطرائق ولغة من تكتب عنهم من هؤلاء الأقوام حتي تقف عن كثب علي استضعافهم في أمريكا. فقد إشتغلت خادمة بحي هارلم في نيويورك والجنوب الأمريكي لكي تكتب عن متاعب المرأة السوداء. وقد أمالت سحنتها للسواد للقيام بهذه المهن بتأثير حبوب مخصوصة وبالتشميس حتي استحالت سوداء "لا تسر الناظرين". وحكت هالسل تجاربها كخادمة في تلك المواضع في كتابها المعنون "أخوات الروح" الصادر في 1973 الذي باع فوق مليون نسخة وترجموه في 6 لغات. وتكررت كتابات هالسل التنكرية فأخذت هئية إمرأة هندية حمراء تارة وصورة مكسيكية تارة أخري وصورة إمراة من الإصوليات المسيحيات تارة ثالثة لتكتب كتباً مأثورة عن حيوات هؤلاء المعذبين في الهامش.
ويبدو أن منصور خالد ) المعروف عنه أنه اختار في وقت مـتأخر من عمره أن يلتحق بالحركة الشعبية لزعيمها العقيد قرنق التي هي حلف "للآخرين" في السودان(، قد أراد شيئاً من طلب "عناق الآخر" حين زكي نفسه لنا بقوله إنه ما انتمي للحركة الشعبية إلا لينقذ الشماليين من أنفسهم (الصحافي الدولي 22 يناير 2000). وكثيراً ما استعنت بسيرة هالسل وإسترايجيتها الموصوفة لتوثيق معايب أخذتها مراراً علي منصور خالد وجماعته الليبرالية واليسارية الشمالية في منهجها في عناقها المزعوم  للأخر. فهي تظن أن إنشغالها بمعارضة حكومة شمالية ما (إلي حد الانضمام لجيش التحرير الشعبي والقتال في صفوفه) من رهطها مما يعفيها من النفاذ القوي برقائق الروح وسهر الثقافة الي خبايا الإستضعاف المؤسسي الإجتماعي والتاريخي لأقوام الهامش السوداني.
يظن أكثر الشماليين الذين انخرطوا في الحركة الشعبية أن يوم خروجهم إليها هو يوم اغتسالهم من ضغائنهم الشمالية التي زينتها لهم أعراقهم العربية العاربة وعقائدهم الإسلامية الحنفاء. ووجدوا في بعض شعر المجذوب ميثاقاً لهذا التحرر: ياعرب السودان انضموا للعقيد قرنق فلن تخسروا غير أغلال النسب القرشي:
وليتي في الزنوج ولي رباب تميد به خطاي وتستقيم
طليق لا تقيدني قريش بأحساب الكرام ولا تنيم

ولكن سيبقى عناق شماليّ الحركة الشعبية (في مصطلح الأستاذ ضياء البلال) للآخر هو هجرة أقدام (جمباز في قول واعظ فطن عن الصلاة الخالية من الروح) طالما اكتفوا بلهوجة الشعار السياسي ولم يطهروا أنفسهم من نتن جاهلية العرق وامتيازه. فهو عرق دساس كما بينا في الحلقة الماضية. فقد رأينا منصوراً يسود الكتب الطوال العراض عن خبائث العرق الشمالي وخيلائه الثقافي ولكنه، متى اٌستثير أو اٌستفز، لاك تلك الخبائث نفسها. فقد رأيناه متى استفزه أمر جلل واحتاج إلى مجاز دقيق من اللغة العربية رمى بالتحوط السياسي عرض الحائط وسمى الفلاتي فلاتياً في عينه وسمى الدنقلاوي رطانياً عديل كده. ولعل الآخر المستضعف، الذي خرج منصور لنصرته، يرث من بعد غضبة منصور المضرية حجراً:  زبداً يذهب جفاء.
وهذه نكسة كبرى لعناق الآخر تحيله إلى مجرد "قنجرة". والأخير ممارسة سياسية تقليدية تترحل بها عن قومك وتقيم على ناحية ناجية بعيدة منهم متى أساءوا  إليك:
إذا تركنا ضٌميراً عن ميامننا    ليحدثن لمن ودعتهم ألم
أو
 إذا ترحلت عن قوم   وقد قدروا  ألا تفارقهم فالراحلون همو
والقنجرة هجرة بالأرجل إلى الحق لا بالفؤاد الحديد والنظر الرشيد. فهجرة الفؤاد هي هجرة الثقافة وهي مشروع طويل المدى كما قال قرامشي نفصل فيه في هذه الحلقة وما يليها .
 والهجرة إلى النفس لا للرب قصور معيب يجعل هذه الجماعة الشمالية المعارضة عبئاً علي حركة المستضعفين لا إضافة لها. فبغير "عناق الآخر" علي طريقة هالسل الشقية المسوؤلة (ليس بالضرورة التنكر بل الاستعداد لدفع ثمن ما باهظ) لا ينفذ الشمالي المدجج بامتيازاته التاريخية الي مشاهدة نفسه في مرايا تلك الامتيازات الظالمة. وبغير هذا الوعي بامتيازه لن تقع للشمالي فرصة ابتكار حساسية إنسانية وسياسية غراء تتسرب الي الأفئدة والعقول، ويرهف بها الذوق، وتتلطف بها العبارة واللغة. ففوق هذه الخصوبة الإنسانية والزمالة تنزرع قوانين مستدامة للدولة لديمقراطية.
وكثيرون من بين المهاجرين إلى الآخر كانت هجرتهم لأنفسهم. ومنصور عندي سيد هؤلاء. بل أن هجرته إلى حركة قرنق أقرب في الدلالة إلى اللجوء السياسي منها إلى عناق الآخر. وهذا هو المعنى الذي استفدناه من قول قرامام توماس عنه في كتابه (السودان: موت حلم 1950-1985) الصادر في 1990. وكان الخواجة عمل إدارياً بالسودان في سنوات أصيل الاستعمار الإنجليزي الذي طلب فيه الإنجليز مودة المتعلمين وحسن ظنهم بعد مدابرة وخيبة أمل فيهم بعد ثورة 1924. وما أسقم الإنجليز في المتعلمين تمردهم بتلك الثورة وعضهم اليد التي أحسنت إليهم وبوأتهم المراكز الحسان. وكان منصور، صغير السن، يغشى دار توماس بشاطيء نيل أم درمان في صحبة من يكبرونه سناً من الخريجين من أمثال السادة خضر حمد ومحمد توفيق ومبارك زروق وغيرهم. وصور توماس، ذوو الراي الحسن في منصور، رحلة صفيه بمصطلح هجرة الأقدام لا العقول. فقد استشاره منصور عما يفعل بعد سقوط النميري في 1985. وكان الخواجة يعلم أن منصوراً كان شديد الابتئاس لأنه لم يبلغ مقصوده بعد تركه لنظام مايو في آخر الثمانين من القرن الماضي.  فلم يتول وظيفة عليا بالأمم المتحدة التي طمع في سكرتاريتها العامة. واكتفى من الغنيمة بوظائف " دنيا ومفيدة". وقال إن منصوراً وجد نفسه بعد انتفاضة 1985 بلا سند شعبي بين الناس العاديين كما خسر مودة حلفائه الطبيعيين في حزب الأمة بسبب التصاقه الوثيق بالنميري. وزاد بأن الفترة الإنتقالية بعد نميري لم تكن مهيأة لقبوله بالنظر إلى مقدرته الفكرية الفائقة وشعوره العام بالتعالي والتفوق علاوة على خلطته بالنظام المباد بصورة أو أخرى. وقال إن حرب الساسة الإنتقاليين له كانت مأساة له وللبلاد. فقد كان بوسعه أن يقدم الكثير. وتأسيساً على هذا نصح توماس صفيه منصوراً بالبقاء في الخارج حتى تلتئم الجراح بهدوء وبصورة طبيعية. واضاف أن منصوراً، الذي كان متمتعاً بصغر سن نسبي آنذاك، تعجل الأمر والتحق بالحركة الشعبية. وزاد الطين بلة أنه أدلى بتصريحات غير حكيمة تفاقمت في سياق السريان فبات منصور غير مقبول لمعظم السودانيين الشماليين. وتوقف الخواجة الداهية عند هذا الحد ولم يستنبط بعد هذه الحيثيات البليغة، كما ينبغي لباحث أن يفعل، بأن هجرة منصور إلى الحركة الشعبية إنما كانت لنفسه: لا جئاً مقنجراً.  
من غير اللائق أن يكون عناق الآخر بمثابة لجوء السياسي. فهذا ابتذال. بل لربما لم يحتج الآخر لتعانقه بالرحيل بقدميك إليه. بلاش زحمة. فلربما احتاج الآخر لك حيث أنت تدعو قومك للتي هي أقوم عن معرفة بدلاً أن تلوذ به عن جهل أو إنتهازية. ونبهني الي هذا المعني الشهيد إستيف بيكو، قائد حركة الوعي بالسواد في جنوب أفريقيا، الذي اغتاله نظام الفصل العنصري في السجن عام 1977 وهو لم يتخرج من كلية الطب بعد. فقد كان بيكو يقول لليبراليين واليساريين البيض إنكم لن تبلغوا من فهم إضطهادنا قلامة ظفر ما لم تنفضوا أيديكم عن امتيازاتكم كبيض علي الملأ. فيقول في كتابه "أكتب على كيفي" إن العاطفين علي السود، في قول بيكو، بيض في نظر دولة الفصل العنصري (الأبارتهايد) التي تبوب الناس: إما أبيض سيد أو أسود مهان. كلام زولين والثالث بره. فتلك الدولة تغدق نعماءها علي البيض بقرينة البياض بلا نظر دقيق حريص في الانتماء السياسي للأبيض. وهذا إرث البياض او أجره كما يجري المصطلح الآن. فالأبيض عزيز الجانب حتي لو كره الدولة وعارض سياساتها بضراوة. فهي، كآلة حدباء مصابة بأرق البياض والسواد، ستدخله سجناً مخصصاً للبيض حرصاً على ذيلها الأبيض لا شفقة عليه. وكان بيكو يقول لليساريين والليبراليين البيض إنكم إذا لم تحرروا أنفسكم بأنفسكم وبمعزل عنا أصبحتم عبئاً علينا لأنكم مجرد "وجوه بيضاء ذات ضمير أسود".
يستسهل اليساريون الشماليون وشيعتهم جداً الطريق الي عناق الآخر الجنوبي: لهج سياسي من الطقوق ولي فوق أو شهادة شاهد من أهله. وهم كمثل قول بيكو في نظائرهم في جنوب أفريقيا أقرب الي إنتهاز معاناة المستضعفين من الشماليين والجنوبيين معاً لأغراض لا تزيد عن معارضة نظام من بني جلدتهم حاكم ومكنكنش منهم الي اجتراح الرحلات الصعبة خارج جلدة امتيازاتهم المضاعفة مثل ما فعلت هالسل أو بمثل ما اقترح بيكو. وقد رأينا كيف يتنكب المستعجل الأمر مثل منصور جادة هذا العناق. فهو يظن "القنجرة" إلى الآخر عناقاً له. وهذا إفساد عظيم لمهمة ثقافية بعيدة المأتي تتعمق جدل الامتياز والاستضعاف وتخصب الفؤاد بالخير والبركة. وهي شرط عناق الآخر. وكل لهوجة له ابتذال قصير المأرب . . .  كالكذب. وموعدنا الحديث القادم لنستعرض استحقاقات عناق الآخر، أي فقهه.