سأعطس في وجوه أهل الريب بأنف شامخ
عبد الله على إبراهيم

استعرضنا في حديثنا السابق "المذكرات المضادة" للسيد إسماعيل الأزهري، أول رئيس لوزراء السودان المستقل وزعيم الحزب الوطني الاتحادي، كما نشرتها جريدة الناس، لسان حال منافسه اللدود السيد عبد الله خليل البيه الذي خلفه في رئاسة الوزارة في 1956 وسكرتير عام حزب الأمة. وهي مذكرات جاءت متزامنة مع سيرة الأزهري الحقة التي أملاها على السيد بشير محمد سعيد ونشرها تباعاً في عام 1957 بجريدة الأيام التي ترأس تحريرها. وجاءت المذكرات المضادة موغلة في سوء وبهتان لا مبرر لهما بالغاً ما بلغت الخصومة بين الرجلين. وصبت الجريدة فيها على الأزهري جام الاستعلاء العرقي لود العرب النيلي من رمي للآخرين بالعجمة والدين الظنين . فقد رمت الجريدة الأزهري بالنقص في السودانية، في تعريف ود العرب، لنسبه القوي في الفلاتة أهل نيجريا ومن لف لفها. وقد استعانت جريدة الناس في هذا اللؤم حيال رجل ذي سابقة وطنية تأسيسية، وحيال شعب الفلاتة (وهم قوم من كرام أهل الأرض انتسب لهم الأزهري أو لم ينتسب)، بنص من كتابات هارولد ماكمايكل، السكرتير الإداري للحاكم العام الإنجليزي لعام 1926، قال فيه إن قوم الأزهري يدَّعون نسباً للبديرية الدهمشية من سكان شمال السودان وبادية كرفان ولكنهم في حقيقة الأمر لا بديرية ولا دهمشية. وللعبارة إيقاع بليغ في إنجليزيتها مما تطرب له الصفوة. وهكذا تغذى عرق استعلاء أهل البحر العرب أو (المستعربة كما يصفهم المرتابون في عروبتهم) بتطفل هذا المستعمر على أنساب اهل السودان.   
 حين نشرت جريدة الناس سخفها هذا كان السيد منصور خالد المحامي الشاب محرراً بالجريدة بل ربما كان محررها الأول بحكم وظيفته كسكرتير للبيه رئيس الوزراء أو المسئول عن اتصالاته. ولا نريد بالطبع حساب منصور على هذه الترهة من زمن الصبا الأول. فقد مرت مياه غزيرة من تحت كبري منصور وأصبح الفتي الذي قبل ذلك الفحش العرقي بحق الأزهري (أو ربما ساهم فيه) صوتاً مسموعاً في إدانة الميز العرقي حبر به الكتب الغلاظ الشداد. وانضم بعد انتفاضة 1985 إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة العقيد جون قرنق وأصبح من مستشاريه. وكان رده على من استنكر هذا النقلة المفاجئة أن دافعه كان زكاة يؤديها لينقذ أولاد العرب والبلد، ممن كان واسطة عقدهم في جريدة الناس وغيرها، من أنفسهم الأمّارة بالاستعلاء العرقي. وزاد منصور بإنفعاله البلاغي الأشم المعروف بأنه سيؤدي فريضة هذه الزكاة وهو "ناهض إلى صعدائي، أعطس في وجوه أهل الريب بأنف شامخ" (جنوب السودان في المخيلة العربية، صفحة 194). ونسب ترحله من العنصرية الى السماحة إلى ملابسة أنه "قضى عمره الراشد" بين مؤسسات عالمية تدين سياسات الميز العرقي والنوعي ولمس عن كثب في أسفاره مضاضة التميز العرقي على من يقع عليهم.    
    ولا تثريب بالطبع في إفاقة منصور المتأخرة جداً لسوءة عرقية ود العرب أو البلد التي امتزج بفكرها وأذاعه في جريدة الناس أو أعان على ترويجه. فإن تأتي متأخراً خيراً من أن لا تأتي قط. ففي الفكر مكان رحيب للأوابين إلى الحق. بل قيل لا يخدم الحق مثل عائد إليه لائذ به. وهذا مما نستفيده مما كتبه ناثان قليزر الكاتب الأمريكي. فقد ناهض قليزر حركة التنوع الثقافي التي تأذن بها الجامعات الأمريكية وغيرها بتدريس كتب ومنتجات ثقافية من غير إرث الغرب. وكتب في إفاقته لضرورة المطلب ونفعه كتاباً عنونه: كلنا في صف التنوع الثقافي الآن. وقال فيه كلمة غراء عما يعتلج المرء من طاقة وشفافية يوم يَطّرح الضلال ويستبين الحق: "ليس هناك ما يعبيء الذهن ويركزه على مسألة أشد مضاء من اكتشافه أن الصواب قد جانبه فيها".
  للعودة للحق نصاب مستحق للزكاة. ويكتمل هذا النصاب عبر وسائط التربية والثقافة. ولم يبلغ منصور عندنا هذا النصاب لأسباب نتناولها في حديثنا القادم. ولهذا شابت الأوهام ما زعم أنه توبة نصوحة للحق. واصطفينا أن نطلع القارئ على عينات مما كتبه منصور بعد إثابته المزعومة للحق لم يبرح فيها امتيازه العرقي ك"ود عرب" قيد أنملة. ورأينا في تشبث منصور بمِيَزه العرقية نقصاً في نصاب الحق يجعل زكاته، التي خرج يؤديها عنا، حشفاً وسوء كيل. وسنرى متى وقفنا على أسباب هذا النقص أن هجرة منصور ل "عناق الآخر" العرقي لم تكن لله وإنما لنفسه. ولذا لم تمس منه الشغاف فتزلزل دفين محفوظاته العرقية الأولية وتنقيه منها ليخلص للإلفة العرقية في الوطن وغيره. ولما لم تكن هجرته للحق كانت  مضمضة سياسية.        
من أوجب الأمور على مثل الأواب إلى الحق مثل منصور أن يستوثق أنه قد نقى لغته من مصطلح الميزة العرقية الذي نفرت نفسه منه. فهذا مصطلح خبيء دسّاس مثل العرق، لو استلفنا من قاموس للعرق بغيض. وهو باق في مطاوي الثقافة المستعلية لا يزول بمحض تحول حامل اللغة من عقيدة عوراء إلى أخرى عيناء. فمن أراد بعد تحوله من البغضاء إلى السماحة التعبير عن نفسه بلغته ذاتها وجب عليه أن يوسعها نظراً ويقتحمها بالفحص ويكسر قاموسها المستعلي ويعيد تركيبه على نور الحق الذي استبانه. وهذا من شغل الثقافة الذي قال قرامشي إنه شغل طويل . . . سلبة. وهذه تقوى مدنية لها مشابه في تقوى الدين. فقد نبه الإمام أحمد بن عبد الوهاب أن المسلم متى استقام على التوحيد ونفى الشرك عن نفسه استردف ذلك بتنقية لغته عن أوهام الشرك وعلى محجة التوحيد. فمتى وحدت بالله لا تقول للفرد من رقيقك "عبدي" بل "فتاي" لتحقيق التوحيد في الألفاظ. ومع مجافاة المثل مع معلوم عصرنا بالضرورة إلا إنه دال على عناية الشيخ بتقوى في اللغة قصر عنها شغل منصور في تنقية نفسه من نتن العرقية. ولفساد هذا الشغل صح عليه مصطلحه هو نفسه عن الأشغال من شاكلته: لهوجة.
فستجد منصور يستخدم صيغاً من مصطلح التميز العرقي لم تمر بمصفاة الحق الذي استبانه (ضحى الغد). فلو احتكم لتلك المصفاة كان إمّا أجاز هذه الصيغ أو عدلها أو إطرحها. والأمثلة كثيرة. فهو حشد في رثائه للمرحوم محمود محمد طه المشهور طائفة نكراء من هذه الصيغ ذم بها الرئيس نميري وزمانه. فقد صور منصور محموداً بمنزلة أبي شجاع فاتك الذي قتله "كافورنا" الأخشيدي أي النميري. وأضاف إن زمان نميري فينا "زمان عقيم عقم الخصي الأوكع تسرح فيه إماء لكع". وها أنت ترى هنا أن منصوراً استدعى مصطلح الرق العربي كله لحجته. فأورد الخصي وكافور والمتنبئ والإماء بغير أن يطرف له جفن من شفافية. بل ذهب إلى تبخيس العجم قاطبة بقوله إن مقتل محمود هو بدع لم يعرفها المسلمون."إلا في عهود الانحطاط التتري والشعوذة الأيوبية والطغيان اللملوكي". وخلص له تاريخ الإسلام من بعد نفي العجم عنه عربياً عربياً.    
ولا يطيق منصور مزاعم بعضنا عن عروبيته أو سياساتهم حولها لا لأنها مما يخرق عقيدته المستجدة في التنوع الثقافي بل لأن العرب قوم أشراف لن نطالهم. فلم يكن أبو سفيان مشلخاً مثل دكتور الشوش مثلاً. قالها منصور ليخزي الدكتور ومزاعمه العربية. واستنكر منصور تعريب نظام الإنقاذ للتعليم العالي. ولا تثريب فهو أمر خلافي حتى في تلك الأحوال التي لم يٌفرض فيها الأمر فرضا. ونقول للتذكرة فقط هنا أن منصوراً كان من عتاة دعاة التعريب في كتابه "حوار مع الصفوة" مثلاً. ولم يبدر منه، وقد تولي مسئوليات التربية والإرشاد في مغيب سنينه المايوية، ما يؤشر لمراجعته عقيدة التعريب حتى انضم للحركة الشعبية. أنكى من هذا كله الحيثيات التي جاء بها منصور لشجب نظام البشير لاستحداثه التعريب بغتة ومن عل. فقد صدر منصور فيها عن مصطلح "ود العرب" ومزاجه وهما ما نسب منصور إليهما فشلنا وإدمان صفوتنا هذا الفشل. فقد استفظع منصور أن يحاول قطر كالسودان، لا هو في العير ولا في النفير، التعريب في حين تحاشته دول عربية يشار إليها بالبنان. وسنتجاوز عقدة قلة القيمة عربياً هذه إلى ما هو أكدر للخاطر. فالأدهى أن منصور احتج على إتمام التعريب في ظل حكومة يقودها حاكم السودان "المستعرب"، الذي هو البشير، ورئيس مجلس تعليمه العالي وهو المرحوم اللواء الزبير محمد صالح. ووصف الأخير بأنه: "ما زال يتحدث العربية برطيني(رطانة) يكاد لا يفهمها الأعاريب" (النخبة وإدمان الفشل، الجزء الثاني ، صفحات 344-346).
ولم يقف منصور، هذا الثور في مستودع الخزف، عند هذا الحد من التبكيت. ويبدو واضحاً أن منصور لا يطيق عبد الإخشيد كافوراً بالمرة مثل صفيه المتنبيء. فاستقدم عزته كملكي (في مقابل جهادي أي عسكري)  إلى دائرة تبخيس الزبير العسكري. فواصل قائلاً إن الزبير غير مستأهل أن يكون رئيساً لمجلس التعليم العالي أو الخوض في تعريبه لأنه "عسكري"  يٌضحك عِيَه (عدم إبانته) وحصره (نفس الشيء) "ربات الحجول البواكيا". والمقطع مأخوذ من المتنبيء العربي يهحو كافوراً الأخشيدي الأسود. أقبض! بل أنظر ربات الحجول مما لا شغل لهن سوى صب الدمع الهتون. أقبض!
 وأساء منصور هنا من وجهين. فقد خاض في شأن علم العسكر أو جهلهم لا يعتوره حرج أن يمضهم هذا التبخيس وهو الذي قال إن أوبته إلى توقير الآخر قد بدأت بأسفار وقف فيها على مضاضة الآخرين من الميز العرقي وغير العرقي. أما من الجهة الأخر فقد كان منصور يٌنَظر طويلاً للدور التقدمي للجيوش في الدول النامية بإطلاق. فكيف بالله لجيش تقدمي أن ينهض بالتبعة الملقاة على عاتقه وضباطه مصابون بحصر يٌضحك ربات الخدور. ومن الغريب أن يصدر مثل هذا القول عنه وهو مستشار حركة يغلب عليها العسكر. ولا يصدر مثل قول منصور عن الزبير والعسكر والنساء إلا ممن استبدت به وعثاء العنصرية والصفوية الملكية والذكورية بينما يظن أنه قد خرج ليقضي عليها وعلى نتنها.
يزعم منصور أنه قد تربي في عمره الراشد على الحساسية تجاه مضاضة الآخر من شرور الميز العرقي من عنف لفظي وزراية. ولكننا نشك مما نقرأ له إن كان منصور قد تطهر فمه من وعثاء العرق على حد قوله أو أن ذلك التطهر ما يزال مشروعاً ينتظر التنفيذ. فقد أسقم منصوراً أداء القوات المسلحة على عهد الرئيس نميري التي كان يصحب قادتها الرئيس و"فكيه" الرسمي، بعد اندلاع الحرب الأهلية في 1983، ليذروا الرمل المبارك في طول الجنوب وعرضه حماية لنميري من عوادي الكفار. فقارن منصور هذه الشعبذة برجال الجيش الشداد البواسل على عهد الفريق عبود قائلاً: "وعلم الله إن ذلك لعوج كبير يتململ له في القبر أبطال بنوا للسودان جيشاً فاخر به أمة العرب في الكويت وفاخر به أفريقيا في الكنغو . . تململ له الصنديدان أحمد عبد الوهاب وحسن بشير نصر" (النخبة وإدمان الفشل، الجزء الأول، صفحة 674) . وتجاهل هنا منصور، الذي بوسعه عقد هذه المقارنة بالنظر لإرثه الشمالي الذي يبيح له المفاضلة بين "وحوش" قومه، أن حكم عبد الوهاب ونصر هو الذي استن أسلمة وتعريب الجنوب التي انقدحت منها شرارة الحرب الأهلية التي انكوينا منها طويلاً أو ما نزال. وقد اشتهر عن نصر سخيمة ذاعت بين الناس أنه قال، بعد انقضاء عهدهم بضربة جاءتهم نتيجة سياستهم في الجنوب، إنه لو تركه رفاقه ولم يحولوا دونه ودون خططه لحرق غابات الجنوب عن بكرة أبيها لا يبقي فيها من المتمردين ديارا. ومنصور متفق معنا على جريرة نظام عبود في الجنوب. ولكنه عطل حكمه هذا في العبارة التي سلفت مواتاة حتى ينال من نميري وجنده. فمنصور هو القائل في صحوته الفكرية الحالية لمسألة التنوع الثقافي إن قهر الجنوب بواسطة نظام عبود وقع بالعمل العسكري والأسلمة  القهرية. وإنه هو النظام الأول الذي اختط هذين السبيلين لحكم الجنوب ( جريدة الفجر، الأسبوع الثالث من ديسمبر 1996).ولكنه عاد مرة في حديث مع عادل الباز ليخفف من وطء هذه السياسة ووصفها بالأسلمة القهرية الساذجة (الصحافي الدولي  22 يناير 2000). ولم يخطر لمنصور أن إشادته بشدة جند عبود وخيبة جند النميري (او البشير سيان) هي بعض امتيازه كشمالي. فلن نتوقع جنوبياً يقيم مثل هذا التمييز بين قتلته. وكذا لن تجد جنوبياً يفرق بين السذج والدهاة ممن أزروا بثقافته وخياراته.         
ومع جزالة عبارة منصور في كراهة العنف اللفظي والزراية بالآخر عرقياً إلا أنه احتفظ لنفسه وحده ربما بحق ممارسة هذا المكروه عمداً من موقع ود العرب متى شاء. فإن ظن أنه اشتفى من داء العنف اللفظي بالجنوبيين أو النوبة والزراية بهم خلال صحوته الثقافية نجد أنه لم يبرأ بعد من تعنيف الفلاتة وأهل غرب أفريقيا بعامة. فقد استغربت لإفتتان معجبي منصور من الأوابين بعبارة تنضح بالعرقية حيال الفلاتة وجمهرة غرب أفريقيا. وهي عبارة لم أجد لها موضعاً من كتب منصور ولكنها شاعت حتى أضحت من الحكم السائرة. وهذه العبارة هي: "أولئك الذين جاءوا مستردفين على ظهور أمهاتهم، من سفوح كانم، وتمبكتو وسهول نهر النيجر، يدعون العروبة أكثر من أهل تهامة والإسلام أكثر من أهل بكة." ومفاد هذه الجملة في عربية بسيطة هو :"ألزم محلك يا فلاتي". وقالها منصور في لجاج السياسة يبكت ناشطاً من دولة الإنقاذ أصوله من برنو دارفور. واستهوت العبارة كاتب مجيد على منبر سوداتيزأونلاين حتى قال إنها تشخص "أس البلاء في بلادنا" تشخيصاً ما حصل. ولا يعدل إعجاب طائفة منصور بعبارته هذه سوى إعجابهم بأخريتين هما "القلوب الغلفاء والفكر الأصلع" و"ألص من فأرة وأزنى من قرد" . وأخرى عن الفسو. فتأمل
وبلغ من شيوع عبارة المستردفين أن خطب ودها كل مضطغن على من انتسب إلى الفلاتة حقاً أو بالحدس اللئيم. وقد دنت العبارة بقطافها على رجل رشيد في معركة اشتهرت حول أمر ما بينه وبين رجل أصوله القديمة من نيجريا. فقال الرجل الرشيد إن هذا "الفلاتي" لا يستطيع سلبه من حق ما "ولو بأمر من سلطان مايرنو". ومايرنو هي مواطن للهوسا والفلاني ممن هاجروا بعد ضربة الإنجليز القاضية لخلافة صكتو الإسلامية ببلدهم في 1898.  وأكد الرجل ل"لفلاتي" واقعة ما وقال إنها تأسست قبل دخول ذلك "الفلاتي" جامعة الخرطوم وقبل أن يعرف أين تكون جامعة الخرطوم أو أين الخرطوم ذاتها في خريطة السودان. وافتخر الرجل الرشيد بسودانيته  قائلاً إنه "لم يعبر حدوده (السودان) محمولاً على ظهر أمه" مستعيداً نمطية عن الفلاتة للزراية مما تلقاه عن منصور . . .  عن ثقافته.
ويعرف منصور عن الفلاتة وأهل غرب أفريقيا غير هذه الزراية متى أراد دفع الزكاة عنا يطهرنا ويزكينا بها من سئيات عرقنا. فقد أخذ بشدة على السيد خضر حمد، الزعيم بالحزب الوطني الاتحادي وعضو مجلس السيادة السابق، نصاً ورد في مذكراته. جاء في النص أن خضر انشغل جداً خلال حجة له يوم كان وزيراً بحكومة الحكم الذاتي في نحو 1954 بإقناع السعوديين بالتمييز بين السودانيين الشماليين العرب الخلص والتكارنة الذين ينبيء قوله عنهم إنهم فئة مستحقرة. وساء الوزير أن السعوديين لم يأبهوا لتفرقته بين كرام القوم ولئامهم. وأطنب منصور في سرد فضل التكارين أو أهل غرب أفريقيا كمثل قيام الشيخ عثمان دان فوديو فيهم وغير ذلك (جنوب السودان في المخيلة العربية، صفحة 384) وربما لاحظ القاريء أن مقالة خضر في الفلاتة أقدم بثلاث سنوات من مقالة جريدة الناس عن القوم نفسهم في شخص الأزهري زعيم خضر. ويٌشَهِر منصور بخطئية خضر الأقدم ويعف عن التشهير بخطئية جريدة الناس الأفحش والأقرب. وهذه اصطفائية من منصور (وهذه من لغته يذم فيها المصطفين) ينهي فيها عن فعل وقع في 1954 ويأتي مثله في تسعينات القرن. وهذا عتو شديد لا يقبله منصور إلا . . . من منصور.
وسنحاول في كلمتنا القادمة فهم لماذا ظل منصور يتورط في الوعثاء العرقية ومصطلحها في حين تأبط قلمه لحربها مذ انضم للحركة الشعبية. وبعبارة أخرى لماذا يصلي بلسان ويلحد بنفس اللسان؟