خبرك خبر يا مذكرة الشفيع أحمد الشيخ عن الإدارة الأهلية (1965)! (15 من 30)

انتهزت سانحة حديث الدكتور أبو شوك عن مذكرة رفيقنا المرحوم الشفيع أحمد الشيخ عن الإدارة الأهلية (1965) في مقالاته الأخيرة عن تاريخ الانتخابات في السودان فطلبت منه أن يبعث لي بنصها. وفعلها الرجل الأرباب الورّاق الذي لم يقل "لا" قط إلا في تشهده. ومذكرة الشفيع سارت بها الركبان وأصبحت مثلاً في الإسراف السياسي حذارى أن نقول الطيش السياسي. فمحنتنا السياسة في أرياف السودان وهامشه المزمنة مما تنسبه الصفوة السياسية إلى تلك المذكرة التي ذاع أنها أمرت بحل الإدارة الأهلية. ووقع الحل الفعلي في 1970 في طور نظام نميري اليساري. وهكذا أصبح اليسار ملعوناً في نظر النادي الصفوي لأنه حل


1الإدارة الأهلية "غفيرة" الريف وترك الحبل على الغارب. وعينك ما تشوف!

وأصبح النظر في "عنف البادية" السودانية يبدأ عند لعن اليسار والمطالبة بإصلاح خطئه بعودة الإدارة الأهلية عودة ناجزة. كم مرة سمعت هذا القول ايها القاريء الكريم؟ ربما أخطأ اليسار ولكن أليس من حيلة العاجر أن تكون مؤسسة جرى حلها عن طريق الخطأ (ونقول بهذا جدلا) ستنزل برداً وسلاماً على بلدنا متى عادت بعد 40 عاماً؟ دا حصل وين يا جماعة الخير! هذه مجرد أضغاث استغنت عن التحليل العياني للمؤسسة (باستقلال عن تذنيب من حلها) لتتيقن بصورة جديدة عن نفعها متى عادت. ولأننا لم نقم بهذا "الجرد" الفكري ظللنا نعيد هذه المؤسسة أو نخترعها مرة بعد مرة والحال في حالو.

أردت أن أحصل على نص مذكرة الشفيع لأنني لا أذكر أنني قرأتها نصاً. ولي ذكريات بالطبع عنها مما دار من جدل حولها وحول ما تفعله ثورة أكتوبر للإدارة الأهلية في سعيها لديمقرطة الريف. وهذه الدمقرطة هي عصب تجديد الوطن على نهج وطني ديمقراطي. وسأتطرق لهذه الذكريات متى عدت لصحافة الفترة وقرأت المادة المنشورة في هذا الباب. فلا يكفي أن نقف عند طلبنا معرفة موقف اليسار من الإدارة الأهلية بمذكرة الشفيع. فهي مذكرة خضعت لنقاش طويل في الوسط الحكومي وغير الحكومي. وربما خفف هذا النقاش من غلوائها أو زادها طيشاً كما يزعم خصومها.

واتفق لي أن أبدأ بعرض هذه المذكرة أولاً ثم التعليق عليها وعلى ذيولها السياسية في ما بعد.

كتب الشفيع المذكرة بتاريخ 21 يناير 1965 بصفته وزير شئون الرئاسة لحكومة ثورة أكتوبر الأولى برئاسة السيد سر الختم الخليفة. وجاء الشفيع لموقعه الوزاري منتخباً من نقابات العمال لتمثيلها في جهاز الحكم بعد نجاخ ثورة أكتوبر. وكان هذا التمثيل بمثابة عرفان لدور العمال المشهود الطويل في القضاء على نظام 17 نوفمبر ودولة الفريق عبود.

تكونت مذكرة الشفيع من خطاب منه إلى سكرتير مجلس الوزراء بتوقيعه هو كوزير لشئون الرئاسة. وكان موضوع الخطاب هو مقترحه لإعادة النظر في الإدارة الأهلية.  وجاء الموضوع في 5 أبواب هي 1) مقدمة تاريخية عن نشأة الإدارة الأهلية، 2) وضع الإدارة الأهلية الحالي، 3) سلطات وواجبات الإدارة الأهلية، 4) نظرة إلى فساد الإدارة الأهلية بجمعها السلطات القضائية والإدارية (أي أن يكون الناظر مثلاً إدارياً يجمع الطلبة وقاضياً يحكم بالسجن والغرامة)، 5) ثم التوصيات بما ينبغي فعله بالإدارة الأهلية.

شمل خطاب الشفيع لسكرتير مجلس الوزراء عرضاً موجزاً لسيل الشكاو من جور الإدارة الأهلية التي وصلته من جماعات عديدة.. فقبيلة البني عامر تطالب بإقصاء ناظرها مكرراً وقد سعت إلى ذلك قبل قيام ثورة أكتوبر. وشكوى من قبيلة الرزيقات يطلبون حق اخيتار زعاماتهم وتعيين قاض للفصل في النزاعات. وشكوى أخري من كنانة أبي جبيهة بالجبال الشرقية بالنوبة ضد عمدتهم المفروض عليهم بواسطة نظام الفريق عبود المباد. ومطالبة من عمودية ود راوه لينفصلوا عن مجلس ريفي رفاعة الشكرية. وتلغرافات من أبناء دنقلا يطالبون بإقصاء ناظرهم القبلي. وكذلك تلغرافات من القضارف تطالب بإزالة نظارة ود بكر. كما طالبت جماعة المعاليا بالانفصال من إدارة الرزيقات. كما تعرض الخطاب ل "ثورة ودحامد" ضد شيخ خطها بما أقنع القاضي المقيم بشندي بإغلاق محكمته. ثم شكوى من عمودية حمدنا الله بمركز سنار تستنكر إبعاد عمدتهم المنتخب وتعيين عمدة عليهم. وكانت هذه المادة وغيرها في الاحتجاج ضد الإدارة الأهلية نصب عين مذكرة الشفيع لتغيير نظامها.

ونستعرض فصول المذكرة "الملعونة" في حديث قادم
Ibrahim, Abdullahi A. [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]