(12 من 30)


ربيع ثورة 1964



في مثل هذا اليوم قبل 49 عاماً تجرأت قيادة الجيش السوداني في أعلى مستوياتها، و بعد عامين لاغير من استقلال السودان، على أخذ زمام الحكم عنوة من نظام ديمقراطي. ولا تزال ملابسات هذا الخرق البين للدستور غير واضحة. واكتفينا من غنيمة ذلك الوضوح بتخرصات مثل مضغنا من غير ملل القول بأن الانقلاب كان "تسليماً" من رئيس الوزراء عبد الله بيه خليل و"تسلماً" من الفريق عبوده وصحبه. وكانت يا عرب. وهناك من اتهم الأمريكيين بأنهم كانوا من وراء الانقلاب واكتفى من ذلك بالبينات الظرفية. وصهين. ولعل أكثر القول مجاجة هو نظرية "الجزاء الوفاق" التي ظل يروج لها الدكتور منصور خالد. فمن رأيه أن الانقلاب كان العقوبة المناسبة لأننا أخترنا النهج الديمقراطي ونحن "بببح" من ثقافته ففشلنا وأدمنا الفشل. فهو كمن يقول إننا لم نكن نستحق الديمقراطية. ومن وقف على وقائع تلك الأيام بقسط  ومنهج ووجدان سليم لرأى أن الديمقراطية كانت بخير لسبب بسيط هو أن الناس أختلفوا فيها اختلافاً بيناً كما ينبغي لهم في الديمقراطية.

من سخرية القدر أن أكثرنا ظل يحاكم نظام 17 نوفمبر لا بما عمل كما طلب منا بشعاره الشهير: "حاكمونا بأعمالنا" بل بأعمال النظم العسكرية التي تلته في 1969 و1989. ولذا غلبت في حديثنا عنه صيغة "أفعل التفضيل". فأكثرنا لا يقول عنه إنه نظام جيد بل نقول إنه نظام أجود مما نحن فيه سواء في عهد نميري أو البشير. وهذه هي الصيغة التي استخدمتها الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم في حديثها عن نظام عبود في لقاء صحفي بمناسة ذكرى ثورة أكتوبر القريبة.

وبدا النظام من فرط استخدامنا الاعتباطي لأفعل الفضيل في تقويمه وكأنه جنة بلال. وأتعس ما نروجه عنه قاطبة أنه حافظ على كفاءة وحيدة الخدمة المدنية دون النظم العسكرية اللاحقة. وهذا "كلام ساكت" بشكل لأن صاحبه لا يؤسسه علي درس ممحص لا للقوانين التي سنها النظام للحفاظ على كفاءة الخدمة المدنية أو لهدمها ولا لممارساته على ضوء تلك القوانين. ويقع هذا الكلام الساكت من جماعة مستنيرة حسنة التدريب في النظر الدقيق في تلك السنن والممارسات في أصولها أو في المصادر الثانوية.

ومن المصادر الأخيرة التي لا يلق لها النفر في صفوتنا السياسية بالاً كتاب بالإنجليزية عنوانه "مائة عام على نشأة جامعة الخرطوم، 1902-2002" للأستاذ الزين على إبراهيم. فقد خصص الفصل السادس منه لسياسة نظام الفريق عبود حيال الجامعة. والصورة التي رسمها لتلك السياسة تسقم الخاطر. فقد رجع نظام عبود بالجامعة إلى ما قبل عام  1956 من عهد الإنجليز الذي مكنوا فيه للحاكم العام ومدير مصلحة المعارف منها. وانقلب نظام عبود بذلك على النموذج الذي سماه الزين ب "النموذج البريطاني المدني" الذي ترعرع في ظل الاستقلال. وهو نموذج وطده قانون الجامعة لعام 1956 الذي كفل استقلالية الجامعة. فقد عقد لها القوامة على نفسها في اختيار الطلاب وتعيين هئية التدريس والموظفين ووضع المناهج ورسم خطة البحث وتحديد أوجه صرف ميزانيتها. وحرص القانون على تمكين مجلس الأساتذة في هذه القوامة على حساب مجلس الجامعة، وبه أعضاء معينون من قبل الحكومة، لخشية أن يتطفل المجلس على باطن الجامعة.

من المعلوم أن نظام 17 نوفمبر لقي الأمرين من طلاب جامعة الخرطوم. وبدلاً من أن يواجه النظام مصيره مع خصوم ذوي خلاف سياسي معه قرر أن يجفف تلك الخصومة  باقحام نفسه في إدارة الجامعة بتعديل لقانونها في 1960. فجعل التعديل الفريق عبود راعياً للجامعة بحكم منصبه كرئيس للدولة. وهذه عودة بالجامعة إلى أيام كان الحاكم العام راعياً لكلية غردون بحكم المنصب إلى ما قبل 1955. وكان قانون 1956  قد نزع رعاية الجامعة عن رئيس الدولة بالكلية في حين أعطاه حق اختيار الراعي لسنوات ست.

وجعل تعديل قانون الجامعة لسنة 1960 تعيين المدير من سلطة راعي الجامعة. ولمجلس الجامعة حق أن يستشار في الأمر (ويٌخالف). وهذا عكس لآية قانون 1956 الذي يٌعين فيه مجلس الجامعة مديرها مستشيراً راعي الجامعة. وهكذا جرد نظام عبود المجلس من صلاحية أساسية وجعل منصب المدير أدخل بالدولة منه بالجامعة. وبوسع رأس الدولة بالطبع أن لايستشير المجلس. ومن رأي الزين أن نظام عبود أبعد النجعة في التحكم في الجامعة بما لم يقع للإنجليز أنفسهم. كما أعاد النظام تشكيل مجلس الجامعة لتكون للحكومة فيه الغلبة في الأعضاء. وأعطي القانون المجلس حق اختيار مندوبي الخريجين فيه علماً بأن المجلس حكومي الهوى. ومحصلة كل هذا أن ضرب النظام حكم الجامعة لنفسها بنفسها، كما أراد لها قانون 1956، في الصميم. وما اكتمل هذه التطفل الحكومي على الجامعة حتى صدر عن مجلسها القانون رقم 9 في 1960 يحجر على اتحاد الطلاب أن يدلي بدلوه في المسائل القومية. ولم يقبل به الطلاب فحلت الجامعة الاتحاد الذي عاش في السرية حتى عام 1963.

أما عن سلطات وزير المعارف في الجامعة فقد ظلت غامضة قياساً بالوضع في الجامعة المصرية سوى أنه يزكي لراعي الجامعة من سيكون مديراً لها. وزج النظام بوزير المعارف في شأن الجامعة عودة إلى عام 1944 حين كان مدير مصلحة المعارف عميداً لكلية غردون. وغموض وظيفة الوزير ربما كانت مقصودة أراد بها النظام تنفيذ مشروعه للهيمنه على الجامعة بالقطاعي اعتماداً على أن وزير المعارف كان عسكرياً وتكفيه حاسته للضبط والربط ليتصرف في الجامعة بما يحيدها في الصراع السياسي.

ارتد نظام نوفمبر بالجامعة إلى نمط إداري إستعماري كانت قد تركته من ورائها وهي تتدرج في درب تطورين دراميين: تحولها من كلية جامعية إلى جامعة وتنسمها عبير الاستقلال الذي سيفسح لها ويمكنها من إدارة نفسها بنفسها. وارتكب النظام هذه الأذية للجامعة لا لشيء سوى استبداد هاجس الأمن به لا غير. فقد تورط في إدارة الجامعة بينما لم يكن يطلب أكثر من كف أذى الطلاب السياسي عنه. فلم يٌعرف عنه أنه تدخل في تعيين الأساتذة ولا وضع المناهج ولا تصريف ميزانية الجامعة. ولما تفجرت ثورة أكتوبر من جامعة الخرطوم كان استقلالها شاغلاً  ثورياً كبيراً جرت به أنهر ميثاقها وعكفت بهديه اللجان لتخرج بقانون 1965 الذي منح الجامعة استقلالاً ما حصل. وما كادت اللجان تفرغ منه حتى قام انقلاب مايو 1969.

قل لي بربك يا صاح أين حيدة الخدمة المدنية وحفاظ نظام عبود عليها؟ فسوءة النظام الكبرى خلال استيلاء هاجس الأمن عليه أنه أشعل فتيل الفتنة بين الطلاب وإدارة الجامعة (وهي من خيار الأساتذة) حول أشياء ليست في أصل وظيفة الجامعة. وكنت شاهداً على ذلك خلال عملي باتحاد الطلاب في تلك السنوات العجفاء. وأكثر من شقي بهذه المواجهة الرجل الفاضل العذب الدكتور النذير دفع الله مدير الجامعة خلال ثورة اكتوبر. رحمه الله. وتلك قصة أخرى.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.