عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(سألتني أبحاث تلفزيون الجزيرة أن اكتب لهم عن ذيول تهافت الاتحاد السوفيتي وماركسيته على الحزب الشيوعي السوداني في سياق محاولتهم تفهم مأزق اليسار العربي. وقد نشروه منذ حين. وفيها تطوير لكتابي "اصيل الماركسية". وأعيده هنا في مناسبة تنويه الحزب ببلوغه الخامس والستين من السنين)

المنطلقات المبدئية
ربما احتجنا إلى شيء من الحيطة في القول بأن أحزابنا الشيوعية إرتج عليها بعد تهافت السوفيات. فهذا القول لا ينطبق بحذافيره على الحزب الشيوعي السوداني على الأقل. فهو شديد الإعتزاز بمشأه الوطني قبل الشيوعي. وكثيراً ما قال أهله إنهم كونوا حزبهم أولاً في 1946 ولم يلجوا المحفل الشيوعي العالمي إلا في اوائل الخمسينات. والحق أن اليسار الوطني الذي تجمع في الحركة الوطنية السودانية للتحرر الوطني (حستو) في النصف الثاني من الأربعينات كان قد هجر حركة الأشقاء الوطنية للزعيم إسماعيل الأزهري.
ولم يساوم الحزب حتى السوفيات في وطنيته. فقد رفض أن يهادن نظام عبود (1958-1964) في سياق العلاقات الوثيقة التي ربطت الدولة السوفياتية بالنظام السوداني. وتمسك الحزب بأن تحليل الوضع الطبقي في البلد حق للشيوعيين الوطنيين لا معقب عليه. بل بات معروفاً أن الحزب الشيوعي السوفيتي لم يكن راضياً عن خصومة  الشيوعيين من جناح الأستاذ عبد الخالق محجوب (1927-1971) لإنقلاب جعفر نميري الذي قامت به "البرجوازية الصغيرة" المشوشة.  وتوسط السوفيات بين جناحيّ الحزب اللذين اختلفت تقديراتهما وتكتيكاتهما حيال "ثورية البرجوازية الصغيرة" ولم يوفقوا. وانتهت مناجزة جناح عبد الخالق كما هو معروف إلى الضربة الماحقة التي تعرضوا لها بعد فشل انقلاب يوليو 1971. ولم يخف منظرون سوفيت غضبهم على الحزب الذي تجاوز "الوصفة" السوفيتية للجائز للأحزب الشيوعية ببلدان العالم الثالث والمستحيل. وهي الوصفة التي توصيهم بأن يتأخروا ويقبلوا بقيادة الديمقراطيين الثوريين مثل نميري لتطور بلدانهم علي نهج التطور غير الرأسمالي. ومع ذلك اتفق الحزب مع السوفيات في انحراف الصين عن الماركسية، وانجر الحزب معهم في إدانة ربيع براغ (1968) ومناصرتهم في غزوهم لأفغانستان. ولكن وطنية الحزب لا خلاف عليها. ولعل أدل دلائلها أن الحزب،الذي انهكته ضربة 1971 وسنوات السرية الطويلة، ما يزال لاعباً مرموقاً في الساحة السياسية السودانية مقبولاً بها ومؤثراً فيها.
النظر السوى للعلاقة موضوع عنايتنا هنا، وهي موقف الحزب الشيوعي السوداني من الإمبريالية، ربما بدأ بتدقيقنا في لو ما كان الحزب، قبل فحص معاداته للإمبريالية، ما يزال ماركسياً. فأنت لن تجده يدلي بعبارة واحدة في مدح الإمبريالية. فزعماء حماس ضيوف مكرمون عند زعيمه. وحتى تعلقهم بالديمقراطية الليبرالية هي قناعة قديمة وثمرة شغل برلماني لحزب غير طرفي في السياسة السودانية. فالإمبريالية عند الحزب مقيتة وإن مال رفاقهم، ممن لجأوا إلى الغرب هرباً من عصبة الإنقاذ ودولتها، غض الطرف عنها انزلاقاً إلى إعجاب غير مسئول بنظام الحياة في مهاجرهم الجديدة.
وقد عدلَّت مأزق اليسار من بغض الإمبريالية إلى ترك الماركسية قصداً لأنها الزاوية الأدني إلى فهم ذلك المأزق. فالشيوعيون، متى حللوا وقائع السياسة السودانية منذ حلول نظام الإنقاذ للرئيس عمر البشير في 1989 ، تجدهم انتهوا إلى صب جام غضبهم السياسي  على ظلامية النظام وطفيلية الطبقة التي تسهر عليه وتعتاش منه. وقل أن يسوقهم تحليلهم الماركسي، فرضاً، إلى توطين هذا النظام في سياق عالمي يكتنفه، شاء أم أبى، وهو الرأسمالية والإمبريالية. وخفَّضت معاداة الإنقاذ وحدها " من قامة الشيوعيين فصاروا مقاومين لا نهضويين. فهم يعرفون ما لايريدون وهو هدم الإنقاذ التي أشبعهم إسلاميوها مكراًً من لدن حل حزبهم في 1965 إلى فرضهم جزافاً نظماً إسلامية في 1983 ثم في 1989. ومتى أصبحت مجرد مقاوم لا نهضوياً قلت حاجتك للنظرية لأن الشجاعة وحدها تكفي.

ماركسية المناطق الحارة
وجوه محنة الشيوعيين السودانيين الراهنة مع الماركسية عديدة. منها ما يصدق على ماركسية المناطق الحارة عامة ومنها ما يخصهم تحديداً. فمن وجوه أزمة الماركسية العامة في مثل بلادنا أنها لم تصبح تقليداً وطنياً مبدعاً محيطاً بحقائق الناس المادية والروحية معاً. وليس السبب في هذا لأنها نظرية "وافدة" كما يروج خصومها الألداء. فما عدا إلهامها الماركسيين وغير الماركسيين جميعاً في النضال الوطني ضد المحتل المستعمر لم تسفر الماركسية عن ذكاء كبير في تحليل حقائق الدولة المستقلة. والاستعمار، أعلى مراحل الرأسمالية، بعد ظاهرة غربية معتدية. وزاد الطين بلة مسارعة البرجوازيين الصغار الماركسيين في أثيوبيا والسودان نفسه وغيرهما للحكم متأبطين النموذج السوفيتي، فاسأوا إساءة كبرى. فعجز الماركسية في الاشتباك مع وقائع الثالثية (العالم الثالث) ليس أصلاً باطناً فيها. ففشلها ترتب على تراخي المعتقدين فيها عن جعلها أداة رافعة للنهضة الثالثية مثلما كانت أداة صائبة في مقاومة الاستعمار. الشاهد أن الماركسية لم تٌجرب أصلاً في الإحاطة بواقع أفريقيا المستقلة ليصدق القول عن غربتها وشذوذها عنه.
واستثني الحزب الشيوعي من هذه النقيصة مع ذلك. فقد تقحم في ظل "راشد"، عبد الخالق محجوب، وقائع السودان بقدر ما استطاع باجتهاد سماه "ماركسية مبدعة مطبقة في ظروف السودان". ولكن خلفاءه انشغلوا عن ذلك بمنازلة قاسية  للنظم المستبدة منذ 1971 وتأخروا في مادة التطبيق المبدع للماركسية. فمعارضتهم لتلك النظم دائرية: تبدأ بالنظام المستبد وتنتهي عنده لا يزينها نظر أبعد إلى منزلة النظام البغيض في العالم. فهم مثلاً متى ناقشوا تردي مشروع الجزيرة، عماد الدخل القومي من القطن لعقود من الزمان، حمَّلوا مغبة ذلك لحكومة الإنقاذ الإسلامية ناسين أن القطن سلعة في سوق تتحكم فيه الرأسمالية الغربية. فالشيوعيون لم يعودوا ينظرون في متاعبنا الوطنية إلى أبعد من أرنبة الإنقاذ. ومع سدادهم في تحميلها وزر تردي المشروع إلا إن قصرهم الأذى عليها هو محض معارضة إثارية لا تنفذ إلى مأزق الإنقاذ نفسها في عالم لا قِبَل لها به. فالقطن منتوج ممحون بفضل دعم أمريكا لزٌراعه عندهم على حساب الغلابة من مزارعي بقية العالم. فمسألة القطن احتلت موقعاً متقدماً علي اجندة مؤتمر التجارة العالمية في المكسيك (2003) فجأرت دول أربع افريقية بالشكوي من سياسة الدعم البذخي لمزارعي القطن التي تتبعها أمريكا. فهي تدعم منتجي القطن الأمريكيين ب 3 بليون دولار سنوياً ثم تبيع قطنها بأقل من سعر التكلفة. وهكذا تٌخرب 10 مليون بيت لمزارعي القطن في أفريقيا. ولا يزيد عدد منتجي القطن في امريكا عن 25,000 وهم من الثراء والنفوذ بحيث لا تريد الحكومة إغضابهم بقرارت ترفع الدعم. وهي تعرف أن رفعه واجب ليقوم نوع العالم الذي تزعم انها قد خرجت لبنائه علي سنة العدل والحداثة. وبلغت كارثة هذا الدعم حداً تبنت منظمة التجارة الخارجية "مبادرة القطن" التي نادت أمريكا وغيرها أن تتوقف عن دعم القطن فيها خلال سنوات ثلاث وأن تعوض مزارعي العالم الثالث علي ما لحق به من ضرر من جراء الدعم.


نهج الجنجويد . . . نهج الحاكورة
ستقتصر هذه الورقة على فحص مقاومة الحزب الشيوعي لدولة الإنقاذ القائمة (1989-) لتخلص إلى أن مقاومتة الحزب المكلفة للنظام حالت دون تطبيق ماركسي خلاق يحيط بمجتمع السودان إحاطة ينفذ بها الحزب إلى عتبة النهضة التي هي البعث الوطني الديمقراطي في مصطلحة. وهي نهضة لا تقوم لها قائمة بغير موقف سياسي وروحي من الإمبريالية والرأسمالية في تنزلهما في الوقائع الوطنية وتشكيلهما للإمم على  خطة الاستضعاف. وتنظر الورقة في معارضة الشيوعيين للبشاعة التي اتصفت بها سياسات الإنقاذ في نزاع ولاية دارفور الغربية وكيف ساقتهم نعرة المعارضة إلى تحاشي الماركسية ومن ثم العلم الأفضل بالإنقاذ كنظام عالمي.
نظر الناس إلى النزاع في دارفور من زاويتين أسميتهما "الجنجويد-الأرومة" و"الحواكير-الاقتصاد السياسي".و أغلبهم إتخذ زاوية "الجنجويد" التي تصور الوضع في دارفور كصراع بين عرب وأفارقة. والجنجويد هم الجماعات المنسوبة إلى "عرب" دارفور وشاد التي أخرجت، بدس من حكومة السودان وبعونها،  أكثر الأفريقيين الفور وغيرهم من أرضهم بسياسة الترويع والتذبيح والأرض المحروقة. وهي مدرسة تنظر للنزاعات كصدام بين الأرومات. فهوية الجماعة تنعقد في نهج الأرومة على معطيات أو مسلّمات في وحدة الدم والثقافة والتاريخ والإقليم. وهي معطيات يٌولد المرء فيها وهي تدمغه فلا فكاك لأنها تؤثر عليه بصورة مستقلة وغلَّابة لا يملك لها رداً. فالصدام بين الأرومات غريزي وسرمدي. من جهة أخرى لم تحظ زاوية "الحواكير-الاقتصاد السياسي" بالذيوع إلا بين قلة.
معلوم أنه تضرر عرب وأفارقة معاً في دارفور من إرث الحاكورة. وهو نظام متوارث في ملكية الأرض قصرها في كل حال على جماعة "قبلية" معلومة وحرم الجماعات الأخرى من الانتفاع الطليق المتساو منها إلا بشروط التباعة المهينة لصاحب الملك ولقاء رسوم معلومة. والحاكورة، كنمط انتاج،  يصطنع مواطنتين: واحدة "قبلية" مميزة بعرف تاريخي في تملك الأرض وأخرى "سودانية" لا تسمن ولا تغني من شيء. فلن ترفعك سودانيتك للتساوي مع صاحب الحاكورة ولن تشفع لك إذا نزحت بفعل الجفاف والتصحر لتأوي إلى قطعة تحسبها من الوطن وهي ليست منه. وامتحن الجفاف والتصحر، الذي ضرب بعض شعب دارفور، وما ترتب عليه من صراع على الموارد المحدودة، عٌرف الحاكورة وعرضه للمساءلة. فقد أراد المحرومون من الحاكورة أن ينعموا برزق في بلدهم كمواطنين سودانيين حظوظهم على قدم وساق مع الآخرين تٌصَرِف معاشهم وموارده دولة وطنية لا جماعة وطنية مخصوصة. 
من بين الزاويتين كان الحزب الشيوعي أقرب، ماركسياً، إلى نظرة الحواكير المادية. وروج مع ذلك في أدبه لزاوية الجنجويد. فرد سياسة النظام إلى خيلائه العرقي العربي الإسلامي. ولما سادت النظرة العرقية الإثنية في تحليل الحزب لمسألة دارفور أهمل اعتبار الأسس المادية التي تَخَلَّقت فيها تلك المنازع العرقية وطموحاتها. وطغت عنده هذه النظرة الثقافية للنزاع السوداني على النظرة المادية التى روج لها منذ نشأته في 1946. فقد نسب الشيوعيون الخلاف الأهلي في باكر عهدهم إلى الحظوظ المتفاوتة التي نالتها أقاليم وشعوب السودان المختلفة بالنظر إلى التطور غير المتساو الذي تركها الاستعمار عليها. فقد نمى الاستعمار من المناطق ما استطاع إليه سبيلا بما خدم غرضه وبتكلفة قليلة وترك المناطق غير الجاذبة بلا تنمية. وهكذا ورثنا تناقضات يستكثر الإقليم بها حظوة الإقليم المميز. وأراد الشيوعيون ألا يجعلوا من هذا الاستكثار سبباً للنزاع والخصام. ولهذه الغاية بثوا وعياً بمنشأ هذه الحظوات المحسودة وكابدوا لإعلاء قضية التنمية والتنمية المٌستدرَكة. فقد تحسبوا أن يتفجر هذا الحسد، وهو تناقض ثانوي في الأمة المرزوءة بإرث الاستعمار وحبائل الاستعمار الجديد، إلى تناقض رئيسي يفسد على الأمة الوعي بمحنتها وتَدَبٌر طرق الخلاص منها.
تعاورت الحزب حالات من المغامرات السياسية زلزلته كما هو معروف. ويمكن تفسير تبنيه للنظرة الجنجودية، خلافاً للمتوقع من الماركسي، إلى أسباب ارتبطت بتدهوره السياسي:
1-    صعود صفوة إثنيات الهامش السوداني من القوميين الجنوبيين والدارفوريين إلى المسرح السياسي بقوة. وهي التي حللت مسألتها مع الحكومات المركزية الشمالية العربسلامية ( عبارة مدمجة للعربية الإسلامية) من زاوية عرقها الأفريقي في مقابل العرق العربي لتلك الحكومات. وقد كان أكثر غرض الحزب من مشايعة صفوة الهامش في تحليلها الثقافي للمأزق السوداني هو قلة حيلته في المعارضة وأمله أن يستقوي بالهامش في وجه نظام ظالم شديد كاد أن يبطل المعارضة.
2-    ومما زكى النظرة الإثنية بشكل خاص هو أن أول حروب السودان الأهلية في الجنوب بدت ثقافية بين العرب والمسلمين من جهة والأفارقة المسيحيين "الوثنيين" على ما جرت به العبارة دائماً. فقد كانت حرباً واجهت فيها الحكومة المركزية العربسلامية القومية الجنوبية الثائرة. ولم ير الناس في ملابسات هذه الحرب مصالح مادية شكلت عظمة النزاع وعبأت الناس حولها. فلم يكن الجنوب قبل النفط المٌستَجِد شئياً مذكوراً من حيث الموارد التي تستأهل حرباً. ولما غابت عن النزاع العظمة المادية السمينة بدا أن الأمر كله أمر سيطرة واستعلاء وقهر ثقافي. وليس هذا كله صحيحاً. ولا نريد له مع ذلك أن يستوقفنا هنا.
لم يفطن الحزب السادر في المعارضة العشواء أن نزاع دارفور، على كراهته، رمي بثقل كبير لصالح تفسير النزاعات السودانية بالرجوع الدقيق إلى اقتصادها السياسي لا إلى  أروماتها. فخلافاً للجنوبيين، من هم على ملة المسيحية، وغالبهم على كريم المعتقدات الأفريقية، فأهل دارفور مسلمون عن بكرة أبيهم. بل كانوا هم واحدة من أكبر قواعد الدعوة لتطبيق الشريعة. من جهة أخرى تواثق الدارفوريون بآصرة الإسلام مع الجماعات العربية في السودان. فالعربية لغتهم الثانية السائغة للعلم بالدين ولغة التفاهم بإحسان بينهم. زد على ذلك أن الأفارقة في دارفور هم أهل الملك والدار والسلطان وسادوا على الجماعات العربية منذ القرن الخامس عشر.ومع أن التفريق بين العرب والزرقة تفريق ثقافي متبع في دارفور إلا إنه خلا من شحنة الاستعلاء الثقافي الفج الذي طبع علاقات الشمال والجنوب. وهي علاقات تضمنت نخاسة شمالية للجنوبيين خلال القرن التاسع عشر تركت ذكرى مؤرقة مستفزة لأهل الجنوب. ويفقد التفسير العرقي الثقافي ركناً كبيراً من أركانه حين لا يكون اشمئزاز جماعة من أخرى مريراً يجلله عار تاريخي. فمهما قلنا عن تباين "العرب" والزرقة" في دارفور فهو لم يتسم بالاستفحال الذي وسم تباين العرب الشماليين والأفارقة الجنوبيين.
ولم تسعف الماركسية مع ذلك الشيوعيين حيال مسالة دارفور لتزكية التفسير المادي لتحليل الخصومات السودانية. ولسنا نريد بالطبع التهوين من عنصر العرق والثقافة. فهذه طاقة لا مهرب منها وتلتبس بتدافع الناس في المعاش التباساً ذكياً لم نبلغ من معرفته الغاية بعد. ونقتصر هنا على التشديد على التفسير الذي تحسنه الماركسية وهو الاقتصاد السياسي. ووجدت أن الدكتور ألكس دي وال، وهو من ذوي الاطلاع الحسن بمجتمع دارفور، قد سبق إلى الدفع بنهج الحواكير قٌدماً لفهم محنة دارفور والتماس الحلول طويلة التيلة لها. ففي مذكرته التي كتبها بطلب من هيئة العون الأمريكية عام 2005 جعل الأسبقية للنظر في مسألة الحواكير لحل نزاع دارفور على نزع سلاح الجنجويد. ونزع السلاح من هؤلاء القوم ظل المطلب الأول، أو الذي لا غيره، في أجندة الدول والمنظمات المشغولة بأمر دارفور. بل هبط دي وال بمطلب تجريد الجنجويد من سلاحهم إلى المرتبة الثالثة من حيث الأهمية. فرجل في مثل علم دي وال بدارفور قد خلص إلى أن الجنجويد، على عظم جريرتهم، عرض لجوهر المسألة.
لما هجمت مسألة دارفور على الحزب الشيوعي لم يستمسك بالعروة الماركسية الوثقى برد نزاعات الولاية إلى اقتصادها السياسي. فقد استسهل المعارضة "بنهج الجنجويد". واسقط النظر المادي للمسألة حين لم يبتدر ثقافة سياسية معارضة قائمة على الوعي ب" نهج الحاكورة". والماركسية بالطبع أداة لا منازع لها في تحليل نظم مثل الحاكورة. وبلغت من ذلك حداً مبالغاً فيه حتى سميت بعض ماديتها بالمبتذلة. وقد لا مس الحزب الشيوعي نظم الحاكورة ولكنه فاتها "حٌوفَة" كما نقول في دلالة التغاضي الكامل للشيء.

الماركسية تقليد ثقافي سوداني
مؤاخذتي للحزب في تغليب المعارضة بغير الماركسية قديمة ومفروض أن تكون معلومة. فقد عاب تقرير المؤتمر الرابع للحزب في 1967 عليه هذا الضرب من المعارضة. فالتقرير قال إن الحزب عارض نظام عبود العسكري (1958-1964) كمحض نظام عسكري لا كنظام اجتماعي طبقي أداته العسكرية. ولم يفق الحزب حتى الآن من مثل هذه المعارضة التي لا يحتاج الواحد فيها للماركسية بالذات. وكنت طلبت من الرفاق بالحزب، وكنت بين حلقة المتفرغين، أن ينتهزوا سانحة مصالحة نميري لهم في 1978 ليأخذوا "نَفَسٌهم" وليهجروا معارضة "عودة الجيش إلى الثكنات" إلى المعارضة ل"طَوِيلة"، كما نقول، التي لا تنتهي بسقوط النظم الردئية فحسب بل تتدرج بنا في مدارج النهضة.
الغريبة أن هذا الموقف العرقي من دارفور بالذات جديد على الشيوعيين. فحتى عام 1976 نظروا لبواكير النزاع في دارفور من زواية الجذر المادي. فكتيبهم "الزراعة الآلية ونمو الرأسمالية في القطاع التقليدي" حلل تردي بيئة دارفور وإنسانها بالنظر إلى تفاقم الزراعة الآلية الرأسمالية في جنوب دارفور. وكتب الشيوعيون هذه لتنبيه الغافل إلى الآثار المدمرة للتنمية الرأسمالية في القطاع المطري تحت حماية دولة نميري وبتمويل الاستعمار الحديث وروؤس أموال البلدان العربية.
وبهذا سبق الشيوعيون كتاب دوقلاس جونسون "حروب السودان الأهلية" (2003) إلى تحميل الزراعة الآلية الرأسمالية مغبة الإستئثار بموارد الريف والدفع  براعاته ومزارعيه إلى الإملاق والتقاتل على الموارد المحدودة. فسمة الزراعة الآلية هي التوسع على حساب أراضي المراعي والغابات. فانتهزت، لتربح بسرعة، خصوبة الأرض وانخفاض تكلفة العملية الإنتاجية بالمقارنة مع الزراعة المروية ورخص الأيدي العاملة. وضرب كتاب الشيوعيين المذكور مثلاً بدارفور. وأوضح كيف زادت هذه الزراعة الرأسمالية من الضغط على المراعي الطبيعية وشردت الرعاة في الآفاق.كما أدى قطعها الجائر للأشجار إلى تجفيف الرطوبة فمنع تكون السحب فالأمطار. ثم فاقمت من التصحر الذي بلغ خط 12 في منطقة السافنا. أضف إلى ذلك أن أرباح الزراعة الآلية لا يعاد استثمارها في المنطقة بل في بلاد اصحابها الوافدين من المركز.
أصل البلاء في دارفور في رأي الشيوعيين في 1976 ليس الذكريات العرقية لكل من العرب والأفارقة. بل هو نشأة طبقة رأسمالية من كبار موظفي الخدمة المدنية والجيش بالمعاش وكبار المحامين والأطباء والتجار.وهي طبقة اعتمدت على تمويل من الاستعمار الحديث والدول العربية. فمن المستعمرين الجدد ذكروا البنك الدولي وأحصوا على، دائر المليم والوظيفة، قروضاً ألمانية وكويتية ودنماركية وبريطانية صبت في بٌنِى الزراعة الآلية التحتية. وأوضحت الدراسة تسخير الدولة لإمكاناتها مثل البنك الزراعي والطرق لخدمة هذه الطبقة الجديدة. 
لو كان شيوعيو السودان ماركسيين حقاً لعلموا عن الإمبريالية فوق محفوظاتهم الأولية متى حللوا واقعهم السياسي والاجتماعي تحليلاً يتجاوز متاعبهم مع نظام محلي مستبد زائل. لو فعلوا ذلك لوقفوا على الجدل العميق بين الإمبريالية وكل نظم الحكم في العالم الثالث التي تدور في فلكها شاءت أم أبت. فحتى نظام الإنقاذ (الملعون في كتاب االأمبريالية) يمدد عمره في الحكم بإتباع وصفة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي قي التخصيص "وتخريد" ملكية الدولة لعصب وسائل الإنتاج وإطلاق يد المبادرة الراسمالية حتى شمل بذلك إدارة البريد. بل يحرص النظام على سداد ديونه للمؤسسات العالمية والقطرية يقدر ما يقدر ورجله فوق رقبته. يفعل ذلك في ظل مقاطعة استثنته من تسهيلات لسداد القروض ممنوحة لغيره. فهذا النظام الذي يرأه الراسماليون والشيوعيون بشعاً هو نظام مطيع للإمبريالية في قممها الأهم وتعليماتها المركزية. وقد يفس هذا سر بقائه بيننا لعشرين عاماً حسوما أوتزيد.
لاغلاط أن الماركسية تقليد ثقافي وطني منذ نحو نصف قرن. فمن بين ما وردنا من الغرب كافة من ليبرالية وفابية ووجودية وهلمجرا كانت هي التقليد الذي تَنَزّل في صميم القضية الوطنية والاجتماعية وتغلغل في كيانات سودانية شعبية كالنقابات وشاع في دوائرها قبولاً ورفضاً وما بينهما. ومما يؤسف له أن الشيوعيين لم يسعفوا السودانيين بأقباس من  هذا التقليد حين جاءت "حوبته" (أي مست الحاجة إليه) في مسألة دارفور. فالمسألة كانت أحوج ما تكون إلى نظر يلجم نظرية العرق والثقافة التي سادت ساعية بالفتنة بين أفارقة الولاية وعربها بالنظر إلى أساسها المادي ليأتلف شعبها على إصلاح بالوسع إنفاذه. ولكن استبدت بالشيوعيين معارضة الإنقاذ المحض فخاضوا في أمر العرق مع الخائضين طلباً لإحراج النظام مع "العالم المتحضر أو الحر" القوي. فغبشوا الوعي بالمسألة وهم الذين امتلكوا النظرية الشافية. ومن هذا الباب وحده، باب المعارضة كإستنفار للعالم الغربي ورقصاً على مزماره، بدا الشيوعيون السودانيون كجماعة لم تعد تحفل بحقائق الإمبريالية إلا لفظاً ربما. لم يعدد تحليلهم الطبقي لمجريات سياستهم يقودهم باستنارة إلى نقد العالم، عالم الأقوياء.