من نواقض احتفالات الحزب الشيوعي ببلوغه الأربعين فالخمسين فالخامسة والستين  أنها تجري في سياق تاريخ مناقبي لا نقدي. وأعني ب"المناقبي" ما لفتٌ النظر إليه مرة وأنا أعرض لكتاب " معالم من تاريخ الحزب الشيوعي" (1999) للمرحوم المؤرخ المطبوع محمد سعيد القدال. فوصفت الكتاب بأنه من "أدب المناقب" وهي الكتب التي تصدر عن تلميذ أو حوار عن الشيخ الولي كلها تزكية وتمجيد طلباً للبركة لا التاريخ . ولم أرد لمؤرخ في قامة القدال زكيته بأنه بين قلائل الشيوعيين "لذي زاوج بين شغله الأكاديمي ومطلبه الماركسي في حين لا يجتمع الأمران عند أكثرهم"، أنً لا يصدع بتاريخ يخز المؤسسة ويكسر عظم ثقافتها المتواطئة. أردت له أن يكوي حزبه بالتاريخ ليشفي من افتتنانه بأنه ما يزال على قيد  الحياة السياسة لم يمت كما أراد الشامتون:"نحن القالو فتنا وقالو متنا".  فإنه حق قول الشيوعيين إنهم لم تذهب ريحهم بمعجزة. ولكن بقاء مثل العودة من غنيمة "إجعلوا من الحزب قوة جماهيرية كبرى" بالإياب والسردبة. فكتاب القدال سعيد بالحزب الشيوعي ومتفائل به في حين أن الحزب هو الذي يصرخ ويستصرخ أهل العلم والدبارة أن يدلوه على السبيل في زمان نهاية التاريخ . ونقرأه نحن الموصومين بـ " الشيوعيين السابقين" فنختار أن كان القدال شغوفاً ليقف على شهاداتنا عن أزمنة أخرى للحزب وهي الشهادات التي مهرناها بأقدامنا خروجاً عنه لأنه كالزمان سرنا أحياناً وأساء إلينا كثيراً. فما يحتاجه حزب بلغ هذا المبلغ من العمر هو تاريخ يفيق به على "الأصوات الأخرى في الحديقة" كما قال أليوت أو يهلك بين معاطف مناقبيته الثقيلة وصهيل الشعر بفمه الأهتم كما قال ود المكي.
وأورد هنا وثيقة أخرى من محاولة إصلاح الحزب نشرتها في "الشيوعي"، مجلة الحزب النظرية في النصف الثاني من السبعينات. وكان لها ما بعدها مما سنخوض فيه بصورة أوسع عن قريب. وتبقت لي وثيقة أخيرة من دفتر الإصلاح ليست بيدي وهي عن اتحاد الشباب ووجهات تجديده. أتمنى لمن وقعت في يده أن يتعطف بها علينا.



كيف نفهم ونعالج ظاهرة التباين في التعليم الحزبي

نبدأ بالتعرض لتجربة التعليم الحزبي في المعتقلات (71-73) كامتداد لمقرراتنا ومنهجنا في التعليم الحزبي، لنخرج بخلاصة أو أخرى منها، تعيننا في الإلمام بنقاط الضعف، على ضوء التغيرات الجارية في البنية الفكرية للحزب والمجتمع، وبقصد أن يستتب لنا أداء تعليمي حزبي قادر على الاستجابة لتلك التغيرات.

عن التكرار:
لم يخل معتقل (سواء الأقسام المختلفة من السجن الواحد أو في السجون المختلفة) من كورسات للتعليم الحزبي سواء في مكونات الماركسية (المادية الجدلية والتاريخية، الاشتراكية، الاقتصاد السياسي) أو برنامج الجبهة الوطنية الديمقراطية أو القضايا التنظيمية. ولما كانت سلطة الردة قد حرمت المعتقلين من الحصول على المراجع المعروفة في هذه المسائل، فلقد أضحى ما يقدم في المعتقل – وبشكل عام – هو مجموع المعارف المتداولة في الكورسات الحزبية المقررة مع القليل من الاجتهادات الخاصة. أي أن ما يقدم كان يصدر من حصيلة محددة موروثة – إذا صح التعبير- من مقررات التعليم الحزبي في فترة ما قبل الاعتقال، وهذا ينطبق على وجه الخصوص على تعليم الماركسية التي هي موضع نظر هذا المقال. فقد كان الوضع أفضل قليلا بالنسبة لتطبيق الماركسية على الواقع، لتوفر اختصاصين في مجالات الحياة والمعرفة المختلفة، ساعدوا من واقع تخصصهم في طرح معلومات ووجهات نظر مقدرة. وقد ترتبت على ذلك المظاهر الآتية:
أ‌)    شكوى غالبة الرفاق من أن المعلومات المقدمة مكررة. مع ملاحظة أن التكرار لبعضهم يعنى أنه قد تلقى نفس المعلومات في المعتقل نفسه وفي محاضرات سابقة به، بينما يعني التكرار لأخرين أنهم قد تلقوا نفس هذه المعلومات في حياتهم الحزبية خارج المعتقل. وبتكرار المعلومات لا نقصد المعلومات ذاتها (مادية جدلية الخ) فهي بالطبع لن تتغير ولكن المقصود حجم وحيز وثراء المعلومات المقدمة في نفس الموضوع.
ب‌)    وانعكس ذلك في المناقشات التي تعقب المحاضرة. فأغلب مساهمات الرفاق تتجه إلى "مساعدة" المحاضر بضرب مثل يوضح أحدى النقاط التي أشار إليها أو تنبيهه لإهماله نقطة أو أخرى. وهذا دليل على أن المتلقين ملمين بالمعلومات في الحيز الذي قدمه المحاضر. والأمثلة والتنبيهات تطرح من موقف العارف بالمادة، لا من موقف من هو في سبيله لتلقيها وهضمها.
ت‌)   
ظاهرة التباين:
ولعله من التبسيط المخل أن نخلص ذلك للتشديد لاحتياجنا لمحاضرات ذات معارف أغنى.. الخ وحسب. إن تجربة التعليم الحزبي في المعتقلات والمظاهر المصاحبة لها تشير إلى ظاهرة تباين في مستويات الرفاق التعليمية، في درجة تحصيلهم للماركسية، وزوايا اهتمامهم وتركيزهم عليها. وليس فيما أشرنا إليه اكتشاف فهو مسألة متوقعة وفي الحسبان لـ:
1)    مجيء عضوية الحزب من مواقع طبقية مختلفة يجعل الاستعدادات الأساسية للعضوية متفاوتة في تلقيها وتأهيلها بالماركسية.
2)    لما كان التعليم الحزبي ركنا مستقرا لحد ما في عملنا، فمجرد وجود العضو لعدد من السنوات بالحزب يجعله في مستوى أرفع نسبياً من العضو الذي لم يقض تلك المدة (وليس هذا قانوناً مطلقاً بالطبع). كما أضافت التجارب المتقدمة للتعليم الحزبي (المدرسة المركزية) والكورسات في البلدان الاشتراكية(تعليم أكاديمي، مدارس حزبية، كادر منظمات ديمقراطية) إلى حصيلة الرفاق الذين استفادوا منها، وعددهم لا بأس به.
كما إن ثمة عوامل في البنية الاجتماعية والفكرية للحزب والمجتمع تسارع من وتيرة ذلك التباين :
1)    منذ توصل الحزب إلى "الدليل" كمرشد لعمل الفرع، اكتسب الفرع وظيفة أخرى إلى جانب تلقى المعرفة الماركسية، وهى وظيفة اكتساب هذه المعرفة من واقعه الحي، على ضوء العموميات النظرية، أي يصير الفرع أداة إبداع فى الجبهة الفكرية.
2)    نشأت معاهد التدريب الصناعي المختلفة وهي تجذب للحزب عضوية عمالية ذات استعداد ثقافي وقيادي ارفع نسبياً. وهذه الظاهرة مرصودة بالنسبة للحزب منذ نشأة مدرسة الصنائع العليا في عطبرة في منتصف الأربعينات، والدور المتقدم والطليعي الذي لعبه خريجوها في تأسيس الحركة النقابية. أن تزايد هذه المعارف يضيف إلى ظاهرة التباين في كادر الطبقة العاملة ذاته.
3)    ورود عناصر المثقفين إلي الحزب بهموم فكرية وجدانيه "متخصصة" ومتعددة في العلوم وضروب الثقافة المختلفة.
4)    الظروف السياسية ومصادرة حكم الردة للديمقراطية يدفع بمنظرين من التكنوقراطيين العاطلين سياسياً وممثلي البرجوازية الصغيرة اليمينية للإفصاح عن مناهجهم على كل الجبهة الفكرية، وهم الذين لم يتجاوزا فيما مضى حدود التململ والتطرف، تدعمهم في ذلك مؤسسات حكم الردة ومؤسسات الاستعمار الجديد، مطمعين أفكارهم بالتزوير الذي يحدث بالماركسية في الصين والمنحرفين الجدد غارودى وشركاه وتشويش اليسار الجديد. وهذه جهة تدعونا- مع النشاط العملي- إلي صراع فكرى رفيع لتحديد الفروق الأيد ولوجيه الدقيقة في المواقف والشعارات.

5)     نحو تغيير كيفي:
تجربة التعليم الحزبي في المعتقلات لم تأت بجديد فيما يتعلق بظاهرة التباين التي أشرنا إليها. إن الذي جاءت به تلك التجربة حقا هو طرح ذلك التباين في أعلى وأحرج درجاته (من جراء تواجد رفاق من مختلف الطبقات، والأعمار في السن والحزب، يتلقون كورسا واحدا)، كتغيرات كمية متراكمة مقبلة على التغير الكيفي. فالتباين ناشي أصلا ومتزايد بفعل العوامل التي أسلفنا الإشارة إليها. وقد حان الوقت لاستيعابه كظاهرة، وأن نتوفر بوعي على عملية تغيرها الكيفي، بتثوير حقيقي لمناهج ومقررات التعليم الحزبي.
ونحتاج في هذا الصدد إلى نقد وتصويب ممارساتنا السابقة في التعليم الحزبي ونأخذ عليها ما يلي:
1)    كانت تلك الممارسات تقوم على "كورس واحد" يصدر بين الحين والأخر. وتتحكم في صدوره أحيانا ظروف لا صلة لها بدواعي التعليم (مثلا تغييرات تشمل عضوية مكتب التعليم الحزبي أو ضياع أصول بعض المحاضرات الخ).بمعنى أن صدور ذلك الكورس لا يحاول الإجابة على أسئلة تعليمية هامة: لماذا يصدر هذا الكورس ؟ من يخاطب؟ وإلى إي غاية نقصد به في الظروف الواقعية الملموسة. تلك الأسئلة التي تضعنا وجها لوجه أمام ظاهرة التباين. لا تهدف هذه الملاحظة إلى انتقاص التجربة في قمة من قممها (المدرسة المركزية)، ولا بعض الاعتبارات التعليمية والسياسية التي تصاحب قيام بعض الحلقات الدراسية مثل إضافة محاضرة عن الماركسية والمرأة إذا كانت الدارسات من النساء، أو التوجيه بأن يراعي المحاضر مستويات الرفاق الدارسين انطلاقا من المحاضرة المقدمة، أو اعتبار وتقدير الصراع الذي دار – ولا يزال- بيننا وبين تصورات البرجوازية الصغيرة في الحزب وخارجه في المحاضرات التي تم تخطيطها أبان وبعد انقسام 70. تلك التجارب والاعتبارات السياسية والتعليمية خيوط إيجابية السابقة. ومع هذا تبقى ملاحظتنا حول إخفاقنا في اعتبار تباين المستويات (الواضح إننا لا نطرح هذا التباين كمستويات تعليمية وحسب بل كمستويات سياسية تحتاج إلى ترشيد مختلف). فالكورس الواحد الجامع المانع تجميد لهذا التباين، يلد التكرار، ولا يتجاوب مع الاحتياجات المتقدمة لعضوية الحزب،والاهم والأخطر انه يلغى من تقديره ذلك التباين ،ويتعامل مع العضوية بمساواة مفترضة وغير حقيقية.
2)    وبناء علي ذلك لم تخلق ممارستنا للتعليم الحزبي تراثنا تعليمياً واضحًا- ولا نعنى هنا الفائدة وبث المعلومات ورفع المستوى الخ- بل نعنى الجانب التكنيكي، الطريقة، وسائل الإيضاح، مرشد المعلم، مراجعة المحاضرات على دورات،الطباعة وملاءمتها لمستويات التعليم المختلفة. وليس هذا بالأمر الشكلي فقد توصلنا مثلا إلى بعض وسائل الشرح (الاستعانة إحصائيا بورشة الوابورات لإيضاح فائض القيمة، الاستعانة بالمهدية لتوضيح في مفهوم الدولة، الرفاق يطالبون بالمثل الواضح من البيئة الخ) إلا إننا لم نصِل بتلك الوسائل وغيرها لكي تكون تراثا واضحاً. ليس هناك تعليماً بلا قواعد تكنيكية تحكمه، وتجعله سهلا وميسورا، وتصبح جزءا من تراثه.
6)    مؤشرات للإمام :  
حين نتوصل إلى ظاهرة التباين وإخفاق ممارساتنا في التعليم الحزبي في هضمها واستيعابها كأهم سمة تحكم حاجيات ذلك التعليم، فلا يعني هذا بالضرورة أن نضع من الخطط ما يمكننا من التجاوز السريع لذلك الإخفاق. الأهم أن تصبح تلك الظاهرة جزء من وعينا بشأن التعليم الحزبي. وسنبقى دون مستوى مطالبها الطموحة محكومين بمجابدة العمل اليومي الذي يستنزف طاقات المعلمين الحزبيين والمتلقين على السواء. إلا أننا نملك مع هذا أن نشرع في برنامج ليس متواضعا جدا، ويشمل ما يلي:
1)    أن تخضع كورستنا التعليمية السابقة (أو الذي تبقى منها) إلى فحص على ضوء المأخذ التي وردت في هذا المقال أو ما تسفر عنه القراءة المستقلة لها، بقصد الإمساك بنقطة الضعف الرئيسية. وسيضع هذا الفحص مكتب التعليم الحزبي أمام وعي ناقد بتجربته، ويثري (مجلة)"الشيوعي" وينور الرفاق بهذه الجبهة الهامة.
2)    أن نستفيد من هذا الفحص في تركيز كورس تعليمي ابتدائي. قد يشمل –  حسب ما يتوصل إليه المكتب – العمال (ربما نسقط وفق الظروف المعينة العناصر القديمة بالحزب منهم الخ) والعضوية الجديدة (نحدد السنة وربما استبعدنا من كانوا بالمعتقل) والمرشحين، وكافة العناصر الديمقراطية والقريبة من الحزب، كما يمكن اعتباره كمدخل لكل قاريء مبتديء للماركسية وأن نراعي فيه المقتضيات الآتية:
(أ‌)    الطباعة الواضحة المقروءة.
(ب‌)    ضرب المثل من الواقع والمألوف.
(ت‌)    شرح المصطلحات والإشارات التاريخية الضرورية (القيمة، السعر، عصر النهضة) في الهامش
(ث‌)    الاستعانة بالخرطة، الصورة والجدول.
3)    أن نبدأ خطوة بشأن المعلمين الحزبيين في الفروع وذلك بإصدار مرشد لهذا الكورس التعليمي الابتدائي يعين هؤلاء المعلمين في تدريسه. وأن يشمل المرشد قراءات متقدمة في الماركسية بالإشارة إليها أو باقتطاف شيء منها و أن نثير في المعلم الحس بتدوين ملاحظاته حول هذا الكورس خلال تدريسه.
هذا المقترح يبدأ بمستوى أدنى. وستظل المستويات الأخرى مشكلة قائمة رهينة بالتثقيف الذاتي الموجه.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.