عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.



أعيد هنا نشر مقالة عن الإعلام الثوري سبق صدورها في مجلة الشيوعي، المجلة النظرية للحزب الشيوعي، في عددها رقم 140 في النصف الأول من السبعينات.  وهي دراسة لإعلام نظام نميري والجبهة الوطنية "اليمينية" المعارضة (أمة واتحادي وإخوان) بعد المواجهة الحادة التي وقعت بينهما في أغسطس 1974 والمعروفة بحركة شعبان بالنظر إلى الشهر العربي الذي وقعت فيه. وأردت بالدراسة أن أجدد النظر في إعلامنا الثوري برسم استراتيجية مبتكرة له وفحص أدواته. وقاريء الميدان على أيامنا هذه يدرك أن ما عالجناه في المقال دخل بهنا وخرج بهنا. وسأنشر مقالة أخرى في مناسبة احتفال الحزب ببلوغه الخامسة والستين عن منهجنا في التعليم الحزبي.


مسائل في الإعلام الثوري
عبد الله علي إبراهيم (بدوي)
غوغائية إعلام الردة:
طرحت حركة أغسطس 73 مسألة الجهاز الإعلامي في الدولة بشكل حاد. فقد انفلت ذلك الجهاز فيما وصفناه بالغوغائية، حيث تساوت الكلمة والرصاصة في الفعل. واستحق أن يدرج كأداة قمع شأنه شأن سائر أدوات الدولة الأخرى كالبوليس والجيش الخ. إن سلطة الردة التي ترشح نفسها ك"هيئة أركانحرب" للتنمية الرأسمالية تفرز بالمقابل جهازا ليفرض إعلاميا بالكذب والتزوير هذا الطريق على خيال وإرادة شعبنا، تفرز قسما "للتوجيه المعنوي" إذا استعرنا التعبير العسكري. فحتى في فترة حكم عبود لم تستطع الدولة احتكار كل الإعلام (الصحافة على الأقل) برغم قائمة المحرمات التي كانت تشل بها حركة الصحف المستقلة والتي شملت أحيانا عدم الكتابة عن نادي الهلال. وتقع بالتالي  في مجال الصحافة تطورات كمية معينة تجعل منها كيفيا جهازا قمعيا في إطار دولة التنمية الرأسمالية ونوجزها في ما يلي:
أ‌)    اطراد الاستثمار في المطابع المملوكة لصحف الدولة بحيث تستطيع – فنيا – تحسين خدماتها: في حجم وسرعة الصادر منها ( كان معدل الطباعة في مطبعة الصحافة القديمة 2,000 نسخة في الساعة وبإمكان المطبعة الحالية طباعة 20,000  نسخة في الساعة)، وفي الطباعة اللونية الخ . كما تشكل إعلانات الدولة والعادات الإعلانية الجديدة (تهنئة نميري كل ما أهل صباح، إعلانات النعي الخالية من كل وقار تجاه الموت، نفاق العناصر الانتهازية في الأجهزة النقابية والاتحاد الاشتراكي في المؤسسات للمديرين بالتهنئة أو العزاء الخ ) مورداً مضمونا. كما إن استقلال جهاز التوزيع (دار التوزيع المركزي التابعة للدولة) يرفع عن دور الصحف عبئا إداريا مرهقها. كما تستفيد هذه الصحف من خدمات وكالة الأنباء –سونا- ذات الإمكانيات المتزايدة (الصورة بالراديو الخ). إن الصحف بهذه الاعتبارات خالية من القلق المالي والإداري و الأنبائي ومفرغة تماما للكذب.
ب‌)    استوعب قانون الصحافة والمطبوعات 1973 كل القوانين السوداء التي سبقته. فقد أخذ من القانون الاستعماري وتعديلاته المختلفة حق التعطيل الإداري للصحف. والتوى بقانون تأميم الصحف 1970 ليفرض هيمنة الاتحاد الاشتراكي على حقل الصحافة ( كان النقاش يجري آنذاك حول أن تؤول الصحف المؤممة إلى التنظيم الشعبي الذي كان موضع دراسة مع الاحتفاظ بحق المبادرة الصحفية لكل الفرق والمؤسسات الوطنية الديمقراطية). ومع إن القانون يكفل –لفظاً- لأطراف أخرى غير الاتحاد الاشتراكي حق إصدار صحف ومجلات إلا أنه يصادر ذلك الحق عمليا بقانون أمن الدولة وبقانون العزل السياسي المعلن و والمستتر.
وفق هذا جمعيا تخضع الصحف لتوجيه سري وعلني من مختلف أجهزة الأمن التي حشدت الصحف بعملاء لها أوفدتهم إلى بعثات تدريب بالخارج، بالإضافة إلى الطاقم المشبوه الذي تربى في حضن الحكم العسكري الأول . وبلغت وقاحة الاستخبارات العسكرية حدا خصصت فيها افتتاحية عدد من "القوات المسلحة" للمفاضلة بين صحيفتي "الأيام" و "الصحافة" في مستوى خدماتهما لنظام الردة. وقد واكب ذلك كله حل وإهمال نقابة الصحفيين مما يعرض حتى خيرة الصحفيين لخمول الضمير وغياب الإرادة.

ترسانة من النظريات الديماغوغية:
إن النظريات والأساليب التي تحكم الصحافة – والإعلام عامة- ديماغوغية بمعنى الكلمة، أي أنها في طلاق نهائي مع الممارسة العلمية. فسلطة الردة تشق طريق التنمية الرأسمالي باسم الشعارات التقدمية الأثيرة* لدي شعبنا.وهي لا تستحي في إعلان ذلك حين تشير إلى إنها قد أخذت من الشيوعيين كل ما نادوا به، مما يفقدهم أي مبرر للوجود والنشاط. إنها تستولي على "لغة السوق" لتضليل الجماهير أولا ثم لتستكرههم* فيها على المدى البعيد.
•    تتبنى أجهزة إعلام الردة نظرية: كل دورة إنجاز مايوي يعقبها تآمر. وهي محاولة لابتذال الصراع السياسي والاجتماعي المعقد الذي تدور رحاه في وطننا، والذي تحركه التناقضات الاجتماعية الرئيسية والثانوية بشكل عنيف. تسعى هذه النظرية لجعل الصراع السياسي في بلادنا فليما أمريكيا منحطا من نوع "بطولة، خيانة، ضرب عنيف". فتحرك العمال في أغسطس في نظر إعلام الردة غير مرتبط بأية قضية من قضايا العمال، لا غلاء المعيشة ولا.. ولا.فهو مجرد تآمر أعقب انتصارات بناء وحدات الاتحاد الاشتراكي. كما إن الإضراب ليس إضرابا عماليا مقصودا لرفع شأن العمال ومن مصالحهم. إن من يقرأ إعلام الردة يحسب إن السلطة تبيح الإضراب إذا اتجه لتحقيق مصلحة عمالية وتمعنه فيما عدا ذلك. والواقع يكذب هذا الزعم بالطبع. ويواكب "نظرية الدورتين"  ملحق لها يقول بان خصوم مايو يستغلون سعة صدره وحلمه فيحسبون ذلك ضعفاً وعجزاً. والحديث عن سعة الصدر والحلم لا مكان له. فالسلطة التي تنفق بلا حد على أجهزة أمنها، وتصدر القوانين التي يدخل الهمس تحت طائلتها، والتي تسد " ثغرات " قانون أمن الدولة حتى يصبح قيدا جامعاً مانعاً، لا يحق أن تتحدث عن سعة الصدر. لقد قدم نميري حديثا طويلا عن متابعة مايو لتحركات مختلف العناصر التي اشتركت في حركة أغسطس وعن رصدها لنشاطهم مع إسرائيل. وليس ذلك من الحلم في شيء، فهو مجرد طول نفس في المراقبة والتحري بقصد إنزال الضربة المناسبة.
•    وتتصل بالنظرية السابقة أخرى تقول بإن ما قبل مايو هو ظلام وما بعدها النور (كنا قبل مايو نتخبط في الظلام ونمشي على أرض مفروشة بالألغام والأزمات الاقتصادية). وهي نظرية تبسط تاريخ بلادنا بإخلال سخيف، وتجعل منه ظاهرة طبيعية بكماء كتعاقب الليل والنهار. إنها محاولة لقطع أوصال الصراع السياسي الراهن عن جذوره. إنها بالضبط محاولة لما يعرف بفتح صفحة جديدة. فإذا صح فتح الصفحة الجديدة في خصام الأفراد ومشاحنتهم اليومية، فذلك سراب خادع فيما يتعلق بصراع الطبقات. ويردف الإعلام هذه النظرية بأخرى تصور مجتمعنا وكأنه قد نبذ الخلافات الحزبية والطائفية والقبلية (والطبقية كما يشتهون) تحت لواء الاتحاد الاشتراكي. وهي تتوسل لذلك بكاريكتير مدهش هو صيغة (محمد أو الحزاني في الشمال واساغة أو العطشى في الغرب واوهاج أو الجوعى في الشرق وملوال أو العرايا في الجنوب). إن هذا الكاريكتير الذي يستعيض بالأسماء والحالات النفسية والجسدية عن التناقضات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يشبه إلى حد كبير تمتمات السحرة (شيخن بيخن) التي تولد العجائب. وهي استعاضة بلهاء لأنها تقابل المنشود بالواقع، وتصر على افتراض قيام المنشود بغض النظر عن الواقع المليء بالتناقضات المختلفة.
•    وتصب نظرية ثالثة جام غضبها على الديمقراطية الليبرالية. تبدأ من نقد القوى الثورية للممارسة السياسية للديمقراطية الليبرالية (شراء النواب، الخطب الجوفاء، الوعود، الخ) دون أن تحيط بالمحتوى الطبقي والاجتماعي لتلك الديمقراطية التي انتزعتها تلك القوى من خلالها ورغما عنها. وتمجد أجهزة الإعلام من الجانب الآخر ديمقراطية مايو التي لا تقوم على الوسطاء (النواب) وترتكز على الاستماع مباشرة من الرئيس (القائد الوحيد الذي يأكل في رحلاته ما يأكله الناس ويشرب ما يشربون لا طعام خاص به ولا إناء، والذي ظل يحرص على مصافحة الناس دون أن يمسح يده بمنديل). فعلاوة على "حرق البخور" الذي فاق كل ما سمعناه عن حكامنا السابقين، فمن المحير أن تعد السلطة بقيام مؤسسات دستورية (وبها وسطاء أو نواب كما لا يخفى) وهذا رأيها في الديمقراطية والوسطاء. أن الصورة المثلى للديمقراطية في نظر إعلام الردة هي ديمقراطية 99 و99 في المائة، حيث تطبخ أجهزة الأمن – قسم الرأي العام – إجابات ناقصة ومشوهة لأسئلة الشارع الحادة (أو الشائعات في التعبير الفني لتلك الأجهزة ). فحتى الاجتماعات التي عقدت بعد حركة أغسطس مع الفئات المختلفة بغرض المكاشفة وممارسة ديمقراطية الثورة اتسمت بمجافاة الديمقراطية، ديمقراطية الاستماع المباشر. فحين حاول بعض المجتمعين إثارة دور بعض المسئولين أثناء الأحداث  بمقتضى شعار التطهير الذي يشمل القاعدة والقمة نهاهم نميري قائلا (هناك قادة عديدون قاموا بأعمال مجيدة لا يريدون منكم شكرا). كما أفحم نميري متحدثاً آخر زادها (حبتين) قائلا: نعطي الفرصة لغيرك.
•    وتحتل نظرية الإنتاج مركز متقدما في إعلام الردة. وتبدو الدعوة إلى الإنتاج وكأنها نفير قروي عفى عليه الدهر، لا نشاطاً اقتصادياً محكوماً بعلاقات الإنتاج القائمة بين الطبقات والفئات المختلفة في عملية الإنتاج، والحوافز المادية والروحية المتصلة بكل ذلك. إن الدعوة إلى الإنتاج لا يمكن أن تجد إلهاماً فيما يكتب أحدهم قائلاً: ( "المواطن السوق" الذي اعتاد على مسرات الحياة التي وفرها له النظام الاستعماري على حساب مستقبله ومستقبل أولاده، الذين سيولدون عاطلين قضاء وقدراً. وقد واصل سياسة الاسترضاء مثلاً الشريف حسين الهندي بزيادة المرتبات. أمامنا الآن السياسة الإنمائية. فثورة مايو تقول بقيام الأجيال الحالية بأدوارها الضرورية المصيرية في بناء كيان هذه الأمة). حين يربط أحدهم – ولو من بعيد _ بين "مسرات الحياة" وقانون ويكفيلد لعام 52 وكادر الهندي لعام 68 فلابد أن شيئا قد جرى لعقله. فكادر ويكفليد والهندي هما مجاعة مقننة، ولم يغطيا نقاط ارتفاع غلاء المعيشة الواقعي، ناهيك عما أسماه الكاتب مسرات الحياة.


"الشجاعة الأدبية"
وبجانب هذه النظريات الطالحة فللإعلام ممارسات أخرى تتراوح بين السخف والتشنج بغرض* التدليس وإظهار "شجاعة أدبية" في نقد النظام:
1.    فباب السخف واسع ولن نأتي عليه مهما حاولنا. يكفي أن تعلن افتتاحية إحدى الصحف أن الجماهير مع مايو (الذي حول اسم القصر الجمهوري إلى قصر الشعب) وأن يدعى كاتب آخر إن هم قادة الاتحاد الاشتراكي أبان أحداث أغسطس كان هو (كبح جماح الجماهير من أن تسحق المتآمرين). وأن يصف آخر إعلام سلطة الردة بأنه بعيد عن (هتر الهاتر وشتم الشاتم والقول المبتذل والمبني على أن الإعلام يجب يقوم على الصدق وعلى الحق وعلى تبيان الحقيقة للناس بلا تهريج وبلا سفه في القول أو زور الشهادة
).  كما تلعب الصور التي تستخدمها الصحف دورا غوغائيا هاما، مثل تحول صورة لمرأة سودانية تبكي على عبد الناصر لتصبح دموعها أسفاً على استقالة نميري. وتلعب المؤثرات الصوتية نفس الدور في تسجيلات الإذاعة.
2.    وتحت تأثير الإحساس بالعزلة من الشارع وإيحاءات مراكز النفوذ المختلفة في نظام الردة تحاول الصحف – والأيام- بخاصة أن تظهر أحياناً شيئاً من " الشجاعة الأدبية" في نقد النظام. وهو نقد يشبه تضرعات الذليل التي تؤكد مذلته. فانطلاقا من شعارها الهزيل "ثورة داخل الثورة"، الذي رفعته جريدة الأيام خلال حركة أغسطس، رحبت تلك الجريدة بحل المجالس الشعبية والتنفيذية وأسهبت في شرح الدوافع الثورية لهذا القرار. غير أن الجريدة اكتشفت في اليوم التالي أن وزارة الحكومة المحلية ليست من أنصار "الثورة داخل الثورة" وإنها لم تحل من المجالس الشعبية إلا المجالس التنفيذية للمديريات فقط التي استوفت مدتها القانونية. وإزاء هذا الردع الذي صب الماء البارد على حماسة الأيام، تحولت الجريدة إلى دعوة قواعد المجالس الشعبية لتقوم بما استنكفت الوزارة القيام به (بين تسويد هذا المقال وتجهيزه أعلنت وزارة الحكومة المحلية حل كل المجالس الشعبية. إرتجال. والمهم إن القواعد التي دعتها جريدة الأيام لأداء هذه المهمة لا شأن لها بكل ذلك). كما أن الملابسات – الشخصية "والثورية" – التي أحاطت بخبر فتح بلاغ ضد وزارة المالية ماثلة للعيان. 

إعلام يميني آخر في الجبهة الأخرى من التناقض الثانوي:
ولا بد أن ننتبه – في الجانب الآخر- إلى إعلام الجبهة الوطنية (أمة، اتحادي، إخوان مسلمون) التي تقف في معارضة سلطة الردة بواقع التناقض الثانوي القائم في جبهة اليمين. يحاول إعلام الجبهة الوطنية تعبئة السخط الشعبي في قفص طموحه المحدود الذي لا يتجاوز حد الإطاحة بالسلطة الديكتاتورية اليمينية مع الاحتفاظ بالهياكل الرئيسية لخط التنمية الرأسمالي: الجمهورية الرئاسية، العداء للشيوعية وحركة الجماهير، الارتباط بالإمبريالية ومؤسساتها. لقد حاول إعلام سلطة الردة أن يصور انغماس الشيوعيين في حركة أغسطس بواقع طابعها الجماهيري الديمقراطي وكأنه ائتلاف بين اليسار المتشنج واليمين الرجعي. وظل يعبر عن دهشته ل(ائتلاف الخصماء). وما علينا إذ لم تفهم البقر. إن ما نشدد عليه هنا ضرورة أن نميز بين معارضتنا لنظام الردة ومعارضة الجبهة الوطنية. وأن يعبر إعلامنا عن الطموح طويل المدى لقوى الجبهة الوطنية الديمقراطية، التي تحاول الجبهة الوطنية أن تعتقلها في حدود التناقض الثانوي وبتغيير يمين بيمين بدون اعتبار للمحتوى الاجتماعي لذلك التغيير. ونتوقف هنا عند 3 مسائل: 
•    حين يتصدى إعلام الجبهة الوطنية (من خلال مجالس الحديث العاطلة لتصيد الإشاعات وصغائر الحاكمين على حد تعبير بيان اللجنة المركزية أغسطس 73) فهو يحاول إيهامنا بأن الفساد و النذالات الأخلاقية لسدنة سلطة الردة ليست غير أفعال شائنة لرجال ونساء في غاية الرداءة لا خلق عندهم ولا مثل. فهو يجرد تلك الوضاعات من شروطها الاقتصادية الاجتماعية لتصبح صفات رجال ونساء بعينهم فقط، إذا تنحوا سلمت البلاد وانتهى الفساد وانصلحت الأخلاق. إن إعلامنا – من الجهة الأخرى – لابد أن يطرح تلك الوضاعات في ظرفها الاجتماعي والتاريخي الصحيح. فالرشوة والمكاسب العائدة للبروقراطية من عمالتها للرأسمال الأجنبي والمحلي شكل لا أكثر من أشكال تراكم رأس المال، شكل عنيف، ويتم في غياب رقابة الجماهير على جهاز الدولة. وهو مع ذلك لا يقل بشاعة عن أولئك الذين "كونوا أنفسهم" بمقاولات توريد العمال الموسميين أو بالبرشوت أو بالشيل أو على أنين ضحايا عنبر كوستي أو بخداع البسطاء في المناطق المقفولة (الجنوب وجبال النوبة) وغيرها. إن ثمن العمالة لشركة لونرو ليس أقل فساداً من العمالة للمعونة الأمريكية عام58. إن رائحة فضيحة الدمورية الراهنة ليست أقل إزكاما للأنوف من صفقة السفنجات. إننا لا نواجه رجالا فاسدين بطبعهم، متجسدين في سلطة الردة، إننا نواجه طريقا للتنمية الفساد لحمته وسدته، سواء تولت زمام أمره هيئة أركانحرب الردة أو هيئة اركانحرب الجبهة الوطنية. ففي معرض الرد على هجوم الجبهة الوطنية على سلطة الردة إعادت جريدة الأيام نشر سلسلة من رسوم الكاريكتير التي كانت تنشرها على عهد حكم الأحزاب اليمينية، وكان شعبنا من الذكاء ليعرف أن دعاة التنمية الراسمالية جمعيا ليسوا غير وحوش متشابهة تعاني من نفس العاهات والضغائر.
•    ويلعب إعلام الجبهة الوطنية على وتر الحرية الأثير لشعبنا بقصد التعمية والركاكة. جاء في منشور من منشوراتهم (نحن نفهم من الحرية أن نقول للمخطيء أخطأت مهما كان وضعه أو منصبه رفيعاً أو وضيعاً لا يرهبنا سلاح أو تهديد وأن نقول للمصيب أصبت لا يدفعنا طمع في جاه ولا حمد ولا ثناء). إننا نفهم الحرية على خلاف ذلك. إنها في نظرنا إدراك للضرورة، إي فهم لجملة القوانين التاريخية التي تحكم حركة المجتمع. تواجه بلادنا منذ الاستقلال، وبواقع التطور العالمي وتطور قواها المنتجة – اختيارين أساسين:
التنمية الرأسمالية التي تعني سعادة القلة من الرأسماليين على حساب الأغلبية الساحقة أو التنمية غير الرأسمالية التي تعني عكس ذلك تماما. ويكشف تاريخ عقدين من النضال السياسي طبيعة القوانين التاريخية التي تحكم مجتمعنا. إن الذي يدرك ضرورة تجنيب بلادنا ويلات الطريق الرأسمالي هو الذي يقف مع حرية شعبه الحقيقية.
كان التجاني يوسف بشير دقيقا بعبقرية حين قال عن الفقير:
بنفسي من هان حتى تواضع        في نفسه كل معنى كريم
فعن هذا " المعنى الرفيع" ندافع حتى لا يقع شعبنا في جحيم المجتمع الرأسمالي. إن الذين يتكلمون عن الحرية في أن نقول للمخطيء كذا وكذا لن يستطيعوا البرهنة على أن شعبنا قد تمتع بالحرية (خلال فترتي الحكم الديمقراطي) التي يمجدونهما فيما يكتبون. شعب يرسف 83% منه في الأمية، نهب للشيل والإشارة، أسير لاقتصاد بدائي، وهياكل من العصبيات الطائفية والقبلية التي يكره الإنسان بها الإنسان لمجرد أنه ختمي أو لأنه يسكن في الضفة الأخرى من النيل، والتي يذكي أوارها أنصار " حرية أن نقول للمخطيء". ما الذي ناله ذلك الرهط من الشيوعيين حين أرادوا أن يمارسوا حريتهم في نقد المخطيء غير العنت والرجم بالحجارة والتكفير والتلويح بطلاق نسائهم ودفنهم في غير مقابر المسلمين. لقد كان أنصار" حرية المخطيء" بالمرصاد لنقابات العمال حين رفعت صوتها في وجه "المخطيء" فدسوا الانقسام في جسدها الخ. لقد كانت سلطة الردة صادقة على غير العادة حين وصفت إعلام الجبهة الوطنية بالركاكة والسخف. فبربك ما معنى هذه العبارة التي جاءت في أحدى منشورات الجبهة (و أهم من ذلك كله إن هذا الوضع القهري النزعة القسري السياسة قام بمصادرة حرية الجماهير هذه الحرية الخ ..  .. ولكن كل ذلك لم يثن هذا العهد الأسود من انتزاع  حريات الفكر والتعبير وكأن الحرية الخ الخ ) عهد قهري النزعة قسري السياسة انتزع الحرية ( حرية الجماهير) ثم لم يكتف بذلك بل انتزع حريات الفكر والتعبير ( أي حرية الجماهير. إلا إذا ظنوا أن حرية الجماهير هي غير حرية الفكر والتعبير أيضاً). هذا حديث من لم تؤرقه الحرية أبداً، حديث من يلوح بها بلا اقتناع، حديث من يمكن وراء الحرية لينقض عليها، وهو – بايجاز – حديث عن الحرية غير ملزم لمن يصرخ به.
•    وإعلام الجبهة الوطنية حريص بأن يتعامل مع نظام الردة بوصفه نظاماً اشتراكياً. ومن سوء التقدير أن نرد ذلك إلى قلة الفهم أو الغباء. ويأتي هذا الحرص من ذلك الإعلام لتصفية ثأر قديم مع الأفق الاشتراكي الذي رنت له جماهير شعبنا مما أفسد على يمين الأحزاب تدابيره لدفع بلادنا في طريق التنمية الرأسمالية على تعاقب حكوماتها. والجبهة الوطنية تنسب يدورها المحنة السياسية والاقتصادية التي تجتازها بلادنا تحت حكم سلطة الردة إلى الاشتراكية، بقصد الإساءة إليها، وإفزاع شعبنا منها، وتلويث سمعتها. إن إبادة هذا الشوق الكريم الذي يعمر وجدان شعبنا هو الرابطة الوثيقة الخفية التي تجمع كل دعاة التنمية الرأسمالية في بلادنا بغض النظر عن تناقضاتهم. ولبلوغ هذه الغاية المشتركة فالأدوار مقسمة بين الحاكم والمعارض. فدور سلطة الردة أن تكره شعبنا في الاشتراكية بالادعاء الفارغ والملحاح، ودور المعارضة اليمينية أن تكون الناطق الرسمي لهذا التكريه. مؤامرة مزدوجة.
•   
مؤشرات عامة :
نوجز كل ذلك فيما يلي:
1.    فيما ذكرنا من مؤشرات دليل على الوجهة التي تريدها سلطة الردة لجهاز الصحافة: قوانين خفية ومعلنة لربط الصحافة نهائيا بدولاب الدولة، إمكانيات مطلقة تقريباً لتحسين قدرتها في إشهار الكذب والغوغائية، وترسانة من النظريات والممارسات تطلق ستاراً من النيران لتحمي حركة" هيئة الاركانحرب"لفرض طريق التطور الرأسمالي على بلادنا. كان تعليق اتحاد شباب السودان المايوي على إعلام الردة أبان أحداث أغسطس بأنه دون المستوى، وهذا مؤشر للمصير الأسود المبيت لفؤاد وخيال شعبنا. الكيان الكامل من الأكاذيب التي أطلقها إعلام الردة والتي صكت أسماع شعبنا وأساءت  إلى منهجه في التعامل مع الحقيقة لم تشف غليل شراذم مايو. قال رفيق: لقد بدأ إعلام الردة بالضبط من حيث ينتهي إعلام كل الطبقات والقوى المنحدرة، فهو يكذب ويكذب فإذا علقت بنفسك كذبة واحدة من أكاذيبه كحقيقة فهو الرابح بالطبع.
2.    وفي مؤشرات إعلام الجبهة الوطنية ما يكشف عن دورها كبديل لسلطة الردة لا يتجاوز المطامح المحدودة التي يهيئها لها التناقض الثانوي. فهي كبديل كسيح الخيال، تجرع الهزيمة مرات ومرات، وكل دعائمه أما التشبث بالتطلعات الموضوعية لشعبنا كالحرية ليغرقها في الفضفضة والارتجاج، أو التشهير بأشواقه المشروع كالاشتراكية ليضاعف الإساءة إليها وهي في محنتها الراهنة على لسان سلطة الردة.
3.    إن الحزب الشيوعي الذي وقف طويلا مع القضايا والأخلاقية والمهنية للجهاز الإعلامي (أنظر كتاب "اليسار في عشر سنوات" من إعداد المرحوم محمد سليمان، ورسالة الميدان *مؤخر إلى الإعلاميين بعنوان "دفاعا عن شرف الكلمة" لابد وأن يستوعب هذه التطورات التي تفعل فعلها في جهاز الصحافة والإعلام، وأن يرصد تحولها المائل الآن لكي تصبح أداة قهر في جهاز الدولة، وأن يطور موجهاته السياسية سواء في جبهة القضايا الأخلاقية المهنية أو في جبهة العمل الإعلامي الثوري، أي إعلام الطبقات والفئات الثورية، وأن يواصل الدفاع عن الحقيقة والمهنة الإعلامية حتى لا تبتذل نفسها في عداء الشعب وفي وصف بروقراطية الدولة الرأسمالية التي تسند سلطة الردة، وأن يتقن أدائه الإعلامي في الظروف الحرجة والصعبة التي يجتازها نضال شعبنا. إن على إعلامنا الثوري أن يتذكر النقد البالغ الدقة الذي تضمنته "الماركسية وقضايا الثورة السودانية" (وثيقة صدرت عن مؤتمر الحزب الرابع في 1967) حول مصير ثورة أكتوبر64. فلقد أدى ضعفنا الذاتي في توصيل معارفنا وشعاراتنا حول الديمقراطية الجديدة وطريق النمو غير الرأسمالي إلى أوسع الجماهير – لا طلائعها فحسب – بالإضافة إلى عوامل أخر، إلى الخاتمة المنتكسة لتلك الثورة. فقد اعتملت الجماهير- سلبيا- بالرغبة في ألا تعود إلى أوضاع ما قبل 58، وقد قعدنا عن تثوير تلك الرغبة وتحويلها إلى حافز ذي تصميم وإرادة. لقد ناضلنا حكم عبود نضالا طويلا وجبارا ولكن في حيز برنامج المعارضة اليمينية حول عودة الجيش إلى الثكنات. وتلك خسارة فادحة لا يخفف من أثرها إلا النواة الصلبة من الطلائع التي جذبناها إلى مواقعنا.

ملاحظات حول الإعلام الثوري:
في هذا الحيز من المقال المخصص لمعالجة قضايا دعايتنا الثورية وموجهاتنا السياسية بشأن الإعلام سأطرح بعض النقاط بقصد كسر حاجز العادة وسيطرة البدائية في معالجتنا لمسألة الدعاية الثورية وللمس أبعاد حرجة في قضية حرية التعبير والرأي: فيما يتعلق بموجهاتنا السياسية للإعلام.
•    لن يمر وقت طويل حتى تكون قد صدرت كل صحفنا ومجلاتنا المألوفة على عهد الشرعية واللاشرعية ( الميدان، أدفانس، الطليعة، دراسات اقتصادية، الشبيبة، صوت المرأة، الوعي). إن السمة الغالبة في صدور هذه المجلات و الجرائد هو سوء الانتظام في الصدور وهذه نقطة حرج بالغة فيما يتعلق بذيوع الجريدة أو المجلة وارتباط القارئ بها. فالرغبة الذاتية في إصدار صحيفة أو مجلة من قبل هيئة حزبية أو أخرى ليست مبرراً موضوعياً كافيا لإصدارها.فأي من هذه المجلات والجرائد الصادرة لم تهيئ لنفسها مثلا جهازاً طباعياً بأي قدر ناهيك عن مستلزمات أخرى في التحرير الخ. إن القاري لمجلة "الشبيبة" أو" صوت المرأة" - العدد الأول من كليهما- لن يقتنع بمبرر صدورهما كمجلتين منفصلتين. ففي كل منهما مقال ذكي أو تعليق إعلامي صغير جيد، وما عدا ذلك زائد يمكن – بل يجب – الاستغناء عنه، وما استوجبه إلا ضرورة إصدار المجلة على أي نحو وحال. إن "الطليعة" (لسان حال اتحاد العمال في ظروف الشرعية أو الجبهة النقابية اليسارية في ظروف السرية) في عددها الأول ليست غير ملحق ممتاز للميدان شكلاً وموضوعاً، ولا يمكن بأية حال أن تكون غير ذلك. فالطبقة العاملة التي تخصها الطليعة بالمخاطبة ليست قطاعا بالنسبة للحزب بحيث يكون له مخاطبته المنفصلة. إن الميدان هي رؤية الطبقة العاملة ذاتها، وهي لسان حالها. ومن سوء التقدير أن ننقل الواقع الإعلامي في ظروف معينة إلى ظروف أخرى مغايرة. فالطليعة – على عهد الشرعية – هي لسان اتحاد النقابات، ولا يمكن أن تنزل إلى السرية كما تنزل الميدان. فالميدان تنزل إلى السرية بالحزب وتنزل الطليعة إلى السرية بلا اتحاد النقابات بالطبع. أن البديل الحقيقي للطليعة هو المراقبة الحازمة لتحرير الميدان بواسطة العمال، وأحكام توزيعها وجعلها الجريدة الأولى وسط الطبقة العاملة، وفق خطة دقيقة محسوبة. إن ما يزيد الطين بلة في هذا النقل لواقع إعلامي سابق هو عدم رضائنا المقيم عن ذلك الواقع السابق نفسه. إن لنا مآخذ لا تحصى على واقعنا الإعلامي في أفضل ظروف الشرعية. فصوت المرأة، التي ألهبت الوطن كله في سنوات حكم عبود، تضاءلت فيما بعد حتى توقفت نهائيا في أميز فترات اتساع العمل الجماهيري على أيام دعم سلطة 25 مايو والنضال ضد انحرافاتها. كما عجز اتحاد الشباب في نفس تلك الفترة وما قبلها من إصدار مجلة مستقلة ما عدا عددين من مجلة "الشبيبة" ليس لهما كبير شأن قبل حله بواسطة سلطة مايو. كما أن للطليعة تراثاً متصلاً من الإخفاق ممتد بطول عمرها. فهذه الجرائد والمجلات لا تملك حتى ذلك الرصيد من الذيوع الوطيد والتعليق المتصل من القراء، أي كل ما يغرينا لإعادة إصدارها بلا ترو أو إطالة تفكير.
إننا بحاجة إلى خطة رشيدة، تأخذ في الاعتبار الناقد تجربتنا الإعلامية الماضية، وتوازن بين امكانياتنا الشحيحة وبين الضرورات الإعلامية المختلفة (بين المنشورات والصحف والمجلات وكل أدوات الدعاية الجماهيرية والمطبوعات الداخلية)، وفق خطتنا الدفاعية الراهنة والقاضية بتكريب الحزب (الذي يرجح الكفة لانتظام صدور الشيوعي، مجلة الحزب النظرية)، ومراكمة السخط الجماهيري (الذي قد يرجح المنشورات والميدان اللذين اتسما مؤخرا بالتخلف عن طزاجة* الحركة الجماهيرية)، ومحاربة التشويه الذي يلحق بشعارات التقدم وابتداع أشكال العمل القانوني و اللاقانوني وفق خطة تهدف إلى تأسيس حلقة متماسكة من المنابر الإعلامية تغطي جهات العمل المفتوح أمامنا بشكل دقيق ودائب، وتكسب دوائر متزايدة ومحسوبة من القراء، وترمي- في النهاية- إلى توسيع امكانياتنا في الطباعة والتحرير والتوزيع بحيث تصبح الرغبات الذاتية في إصدار المجلات والجرائد المتخصصة حافزا موضوعيا محققا. وقد تقتصر الخطة على:
-    ضبط إصدار الميدان وتحسين طباعتها وتحريرها وتوسيع دائرة قرائها بتركيز خاص على القراء العمال.
-    ضبط إصدار مجلة الشيوعي بوصفها الأداة التي لا غنى عنها لتطوير حياة الحزب الداخلية والتربية الشيوعية والمدارك النظرية والفكرية لأعضاء الحزب.
-    البحث في توفير الامكانيات لإصدار مجلة ثقافية عامة وشاملة.
-    تركيز وظيفة الطليعة، صوت المرأة، الشبيبة في كونها نشرات إعلامية في هذه الظروف، تحمل افتتاحية موجهة أو مقالا يلخص قضية فكرية أساسية في الحركة النقابية، النسائية، الشبابية، وتهتم بالإنباء والأخبار التفصيلية عن مجمل النشاط والتجارب.

•    توفرت دائما، وفي مجرى نشاطنا الإعلامي،– وثائق ذات قيمة أساسية، وقد تأتى لنا من تجربة التعليم الحزبي في المعتقلات أن نقدر ضآلة العناية التي لاقتها تلك الوثائق في الدراسة –بالتالي – في تركيز استنتاجاتها في وعي الجماهير. فوثائق مثل"مشروع الجزيرة وآفاق تطوره" و"قانون الإصلاح الزراعي لسنة 73" وغيرها لن تبلى جدة استنتاجاتها لكل مناضل ومواطن صالح مستثار الخيال والفكر تجاه الكارثة المحدقة بوطننا الذي يزج بالقسر في طريق التنمية الرأسمالية. ولو تعرضت وثائق مثل " نقد قانون الاستثمار الصناعي لسنة73 " وغيرها لهذا المنهج العاجز في الأداء التعليمي والإعلامي لفقدنا كل أرضية متميزة في المعارضة  بما يجعلنا عرضة للسقوط في حبائل المعارضة اليمينية التي لا تتجاوز الرثاء المنافق لفقدان الأخلاق وفساد الحاكمين وتفشي التوتو كورة (مراهنات على مباريات كرة القدم ألغتها مايو التي اشأتها في 1976) وضياع حرية "المخطيء والمصيب". وسنفرط في واجب تعبئة شعبنا وجداناً وعقلاً، من واقع القوانين الموضوعية والوضعية، التي تحكم تطوره حاليا، لكي يقاوم بالنضج والإرادة كل خطة لاعتقال كبرياء ذراعه ونضارة عمره وأشواقه وذكائه وأريحيته وكل إرثه الكلاسيكي الإيجابي ( الشهامة،  العفة، النجدة الخ) وحسه بالآخرين والطبيعة والجمال في الطريق"الأعوج" طريق التنمية الرأسمالية:
أمامك فانظر أي نهجبك تنهج        طريقان شتى مستقيم وأعوج
أننا نحتاج في هذا الخصوص إلى خطة مقتصدة، تصل معارفنا السياسية الإعلامية برباط وطيد بأن لا نضيف إلى فقدنا المتكرر لمدخراتنا الإعلامية (بالتفتيش والتأمين المخل الخ) فقداً أخر من جراء الانقطاع عنها، والتعامل مع كل نازلة اقتصادية أو سياسية وكأننا نعالجها لأول مرة.
-    فلقد ناضلنا خطة البنك الدولي ومراميه لتفتيت ملكية الدولة في مشروع الجزيرة لمصلحة أغنياء المزارعين على أيام حكم عبود والأحزاب اليمينية في كتيب " مشروع الجزيرة وآفاق تطوره". وما تغيرت المرامي الجوهرية للبنك الدولي، ولا غزائر أغنياء المزارعين، ولا ثباتنا عند مباديء ذلك النضال المتجدد الآن في حكم الردة. ومع هذا لو طرح واجب رصد اتجاهات البنك الدولي الآن في مشروع الجزيرة لبدأ وكأنه واجب جديد تستهلكه التكليفات "وأمش وتعال". لا يمكن أن نبدأ من الصفر دائما. فقد نكتفي إزاء هذا الواجب، اقتصاداً للامكانيات وتمشيا مع النهج العلمي، بطبعة ثانية للكتيب المشار إليه مع إضافة مقدمة جديدة تحاول استيعاب الأشكال والمسارب الجديدة لخطة البنك الدولي. هناك عشرات من الحقول في التطور الوطني الديمقراطي لم نغطها، وكادرنا المفصح عن نفسه محدود، فلا جدوى من هذه البدايات المرهقة من الصفر.
-    إن صدور وثيقة مثل "نقد قانون الاستثمار الصناعي لسنة73 " مناسبة جليلة خليقة باعتبار كل فرع حزب. فهي ليست موجة في سيل المنشورات المعهودة، أنها الحكمة العميقة التي تقتبس المنشورات منها التأمل والصواب والسداد. فهي ليست إضافة لذلك السيل ( ولن أنسى أبدا تعليق ذكي لأحد الديمقراطيين حين رآنا نكدس المطبوعات والمنشورات العديدة الشهيرة أيام حكم عبود إذ قال: لو جمعتم كل أوراقكم هذه وألقيتموها في وجه النظام لانهار من تلقاء نفسه بلا زيادة نضال)، وهي بالتالي ليست للتوزيع ( أو الدراسة في أحسن الأحوال) ولا غير. فلو وزع كل فرع العدد القليل الذي يصله منها مباشرة لجماهيره فلن يتجاوز الذين يقرؤونها عددا محدودا مهما كان، ثم تضيع في مشاغل توزيع منشورات أخرى. فلابد أن يعتمد الفرع خطة للتوزيع ثم إعادة التوزيع وهكذا. أي أن يوزع الوثيقة، ثم يجمعها، ويوزعها ثانية تحت رقابة وإحصاء دقيقين، ليعرف الفرع في النهاية جملة من استفادوا من الوثيقة.و يمكن أن تتضمن هذه الخطة اسلوباً آخر يؤدي إلى تلخيص الوثيقة بشكل واف ونسخها أو طبعها، بحسب الإمكانية، لمصلحة القطاعات المختلفة من الجماهير. وقد يستدعي ذلك أحيانا – بلا مبالغة- كتابتها بقلم البوص (على نمط كتاب مفتاح المعرفة من كتب محو الأمية) لذوي القراءة العاجزة. كل ذلك بالإضافة إلى حلقات القراء التي نجمعها لقراءة وشرح الأخطار التي انطوي عليها قانون الاستثمار الصناعي. وقد يبدو كل ذلك تهويلا لشأن تلك الوثيقة أو غيرها. غير أنه من الاستهانة بالعدو الطبقي ألا نبذل هذا الجهد المرهق في شل يده. وعلينا أن نتذكر إن ذلك العدو لم يكتف بإصدار قانون الاستثمار الصناعي وترجمته لكل اللغات " الرأسمالية" الخ فحسب، بل ذهب إلى إصدار مجلة " سودان انترناشونال" "في لندن" بمساهمة شركة لونرو ورينولد وغيرها من الشركات الرأسمالية، لتطمئن المستثمرين البريطانيين وغيرهم لاستقرار نظام نميري- أي لسيادة الأمن الصناعي. هكذا يتكلف عدونا الطبقي الجهد لإذلال وطنه وطبقته العاملة، فلا أقل من جهد مماثل لإعلاء راية وطننا المستقل ولتعزيز آفاق الأمل والسعادة أمام طبقته العاملة.
-    لا ينبغي أن تحول سيادة طاقم الصحفيين والإعلاميين عديمي الضمير وجملة القوانين المستبدة في جهاز إعلام الردة دون استمرار حملتنا لانتزاع أي حيز نسبي للحقيقة فيه. وأن نجمع في ذلك بين النضال من أجل أجهزة نقابية شريفة للصحفيين والإعلاميين وعمال المطابع الخ واستغلال كل فرص العمل القانوني المؤكدة، وتحسين إتقان مخاطبتنا لعناصر المعارضة الصامتة من الإعلاميين التي لن تهون عليهم للنهاية غيبة الحقيقة عن الشعب والتي تتعرض لإهدار متكرر في إنسانيتها ذاتها. إن مبادرة أسرة الميدان بتوجيه خطاب للإعلاميين والمهنيين والعمال في دور الصحف والتلفزيون بادرة سياسية سليمة الحس وطويلة النفس. إن شمول العمال في الخطاب إضافة مقدرة، بل وهامة. فخلال حركة أغسطس حاولت دار الأيام مثلا أن تظهر للرأي العام حماسة عمالها للنشاط الإعلامي الحكومي المضاد للحركة للدرجة التي تخلوا فيها عن عطلتهم الأسبوعية لكي تواصل الصحيفة الصدور. فالغاية من كل ذلك، بالإضافة إلى اختراق قلعة العدو الإعلامية وزلزلتها، هو تطوير موجهاتنا السياسية حول الإعلام، كشف وتعرية القوانين والنظريات والأساليب التي تحكمه، وتوعية الجماهير في نضالها اليومي لحماية خيالها وعقلها ونضالها من التغبيش والتخريب (الدور الذي لعبته أجهزة الإعلام في تخريب الإضراب في أغسطس لا يستهان به)، ولكي نحمل هذه الجماهير لتفهم قناعتنا السياسية حول الإعلام: أي حول حرية الرأي والتعبير. فلقد تضمنت مثلا لائحة الصحافة، التي أعدت لكي تعلن ضمن الإجراءات السياسية والديمقراطية لحركة 19 يوليو، ما يخول لكل القوى الوطنية الديمقراطية وكل الأشخاص الوطنيين حق إنشاء واستقلال منابرهم الإعلامية في السياسة والفكر والفنون وكل الاهتمامات الخلاقة الأخرى. وقد أعطى حق تقدير ذلك للجبهة الوطنية الديمقراطية. أن شعبنا الآن يختبر تجربة مؤذية ومنحرفة وسيئة النية لتلك الصيغة تحت إرهاب الاتحاد الاشتراكي. كما إن الإعلام اليميني للمعارضة، الذي يتباهى بحرية المخطيء والمصيب، لا يعد شعبنا في النهاية إلا بسيطرة الجبهة الوطنية على حق المبادرة الإعلامية في إنشاء الصحف الخ فبرنامج الجبهة الوطنية المعلن في لندن ( نقلا عن مجلة الحوادث) يعد باختفاء (كل مظاهر العمل الحزبي المتمثلة في الدور والصحف والتجمعات العامة والدعاية الحزبية وتكون الجبهة الوطنية هي تنظيم السياسي الوحيد الذي يمارس الحياة العامة خلال فترة الانتقال). فشعبنا ليس أمام المفاضلة العشوائية بين هذه السيطرة أو تلك. فهو محكوم- موضوعيا- بالمحتوي الاقتصادي والاجتماعي التقدمي الذي تحمله دعوتنا إليه. ومع ذلك فمن حقه أن يمتلك – ذاتيا- شكوكه المشروعة حول جدوى دعوتنا بفضل التجربة اللعينة لسيطرة الاتحاد الاشتراكي على حرية التعبير، وإغراء الليبرالية النسبية تجاه الصحف التي تمتع بها في ظل حكم الأحزاب اليمينية، وسلبيات البناء الروحي في المنظومة الاشتراكية ( أنظر كلمة الشهيد عبد الخالق في مؤتمر الأحزاب الشيوعية لسنة69 ) فيما يتعلق بهذه المسألة, إننا لسنا في موضع مزايدة بالشعارات حول حرية التعبير والرأي، فالأمر رهين بالنضال الجدي الذي نخوضه في سبيل الحرية والحقيقة ضد نظام الردة، وضد ما تعدنا به الجبهة الوطنية من اختناق مجدد لهما. فالمسألة ليست حرية تعبير فحسب بل وحرية تعبير لمن؟ ولأي غاية ؟ ولأي طريق في التنمية ؟  لأي معان في الحياة: " الأنانية وحب الذات" واستغلال واضطهاد الإنسان أم الإيثار والتفتح واعتدال قامة الإنسان ؟ إننا طبقيون في هذا الصدد بلا منازع، ولكننا طبقيون بالضبط بالدرجة التي نحسب فيها الحساب الدقيق للعنصر الذاتي البالغ الحساسية في مسألة حرية الرأي والتعبير  ومساسها الخطر بقضايا الإبداع والتفتح الروحيين.
-    في وطن متعدد التكوينات الاقتصادية والاجتماعية والبشرية، وطن تشحنه سلطة الردة الآن بالحلول المتعسفة والمستبدة لأعقد قضاياه: قضايا القوميات والأقليات، قضايا التمثيل والاقتراع الديمقراطيين، الخ. على أصالة وعمق ودقة موجهاتنا السياسية حول الإعلام (الرأي والتعبير) وعلى شيوعها – لا بوصفها قضايا مهنية لهذه الفئة الإعلامية أو تلك – بل وفي أوسع دوائر الجماهير، يعتمد مصير حرية شعبنا الحقيقية، الناطقة بكل اللغات واللهجات، المثقلة بأحزان يمتد بعضها إلى العصر الحجري، القادرة على إيقاظ شعبنا إلى السعادة، القادرة على إيصاله للسعادة. وهذا حساب لنضال طويل، ونحو آفاق بعيدة جليلة، في وطن ينادي حتى نيله، الذي يردمه الزحف الصحراوي، ذكاء وقدرات وتفاني الشيوعيين بينما لا يتعدى خيال ضيقي الأفق، الدائرين على ذواتهم، المنقلبين أوخم منقلب، فكرة كورنيش أو أخر، فكرة ينهبها في المهد المقاولون والسماسرة و أولياء الأمر في الاتحاد الاشتراكي.