عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(جئينا في الفصول الماضية من هذا الكتاب ببدء معرفة الدكتور مصطفى السيد، طبيب مدينة مريدي في نحو 1954 وعضو الحزب الشيوعي والجبهة المعادية للاستعمار ورئيس اتحاد طلبة كلية الخرطوم الجامعية في متتصف الأربعينات، بالسيد بنجامين بسارا ضابط صحة مدينة المدينة. وهي العلاقة التي وصفها "تقرير التحقيق في إضطرابات جنوب السودان، أغسطس 1955) بأنها وراء المنشورات الشيوعية الصادرة بلغة الزاندي لعمال وموظفي مصانع نسيح الإستوائية بأنزارا والتي صبت في نار التمرد. ووصف التقرير مصطفى بأنه "مصري" وهو سوداني ربما كان من أصول مصرية ما.
وقلت في مقدمتي لتلك الكلمة إنك بقدر ما تقرأ للدكتور منصور خالد عن الزمالة السياسية الجنوبية الشمالية فلن تجده يذكر إلفة مصطفى وبنجامين (الذي صار نائباً عن مريدي في برلمان 1958). بينما ذكر زمالات لا عليك بها. وما ميز مودة مصطفى وبنجامين أنها استنطقت لغة الزاندي مصطلحها للعدل الحرية. ولا أعرف من سبقها إلى ذلك أو حتى من اتبعها. فصدحت "رطانة" الزاندي بهذه الزمالة بالحق والخير والجمال. وقد تواثق مصطفى وبنجامين على هذه الزمالة الشيوعية التي عدها منصور من بدع "المباديء الهدامة" فاشتغل في نقل خباراتها إلى الباب العالي الأمريكي كما ببينا في فصل مضى.
ومن أراد قراءة قصة هذه الزمالة في سياقها كاملاً فعليه برواية المرحوم مصطفى لها في كتابه العجيب "مشاوير في دروب الحياة" الصادر في 2007. وما أكتبه هنا منها مراوحة على كلام مصطفى لغاية أخرى. رحمة الله على مصطفى ابن الجيران النير الملهم بحلة المحطة بمدينة عطبرة) 



كره نادي مستجدي السودنة في مريدي والحكومة عامة موجة منشورات الجبهة المعادية للاستعمار-الشيوعية المبثوثة بين الجنوبيين في مشروع الزاندي في 1954. وهي منشورات دعت إلى حكم ذاتي للجنوب ومساواة الأجور. وربما كان أكثر ما أقلق مضجع النادي أنها مكتوبة بألسن أعجمية. فكرهوا مخبرها ومظهرها معاً. فلم تكن تلك الأوراق ناقلة لأفكار هدامة فحسب بل استعانت في ذلك برطانات ما أنزل الله بها من سبحان. ولايكره الإداري  شيئاً مثل أن يتداول من هم في إمرته شاغلهم بلغة شفرة. فتلك حرب الظلال التي لا يريد الأداري خوضها. واتفق لنادي مستجدي السودنة أن يقطعوا دابر هذه الفتنة بنقل رأسها مصطفى السيد، طبيب مستشفى مريدي وعضو الحزب الشيوعي والجبهة المعادية للاستعمار، إلى الشمال بعد أن أعياهم ترويضه وتنبيه لإمتيازه كعضو غافل في النادي الجديد.  
كانت مسألة التعبير باللغة هي أول ما واجهت دكتور مصطفى السيد حين بدأ دعوته اليسارية بين شعب الزاندي في مريدي. لم يتوقع مصطفى، الذي عاش في بيئات عربية محض في شمال السودان ومصر، أنه سيضطر إلى تلاؤم خلاق مع "رطانات" متى أراد لدعوته بلوغ سائر الناس. ولم يأت مصطفى للمسألة خلواً من سابق منبهات لها. فقد كان يقرأ عن القوميات في الاتحاد السوفياتي فيجد أن أكثر ما تزكيه تلك الكتابات له هو نهوض تلك القوميات باعثة ثقافاتها مجددة لغاتها بل وكتابة ما كان شفاهياً منها. بل جاء معه إلى مريدي بكتيب صدر قبل سفره في 1954 إلى الجنوب اسمه الماركسية وعلم اللغة للرفيق ستالين. وترجمه في العربية الأستاذ عبد الخالق محجوب. ونبه في مقدمته للكتاب أن اللغة ستكون شاغلاً سياسياً وثقافياً لا مهرب منه في بلد تعددت لغاته.
ولم تنقض أسابيع على بدء مصطفى لدعوته حتى تكاثرت عليه الواردات عن شاغل اللغة هذا: فقبل مصطفى عرض بنجامين بسارا ليخاطب جمعاً من الزاندي سيلبى دعوة من سلطان المنطقة للاستماع إليه. وقد رأينا كيف انجذب بنجامين، ملاحظ صحة مركز مريدي ، إلى مصطفى لغرابة أطواره السياسية والاجتماعية قياساً بمن عرف من الشماليين المندكورات. وأقنع السلطان أن يسمعوا له. وأسرع مصطفى بعد تلقيه الدعوة مباشرة إلى السوق واشترى كراسات وأقلام. وسهر وبنجامين حتى فلق الصباح يترجمان دستور الجبهة المعادية للاستعمار وبرنامجها إلى لغة الزاندي.
وقبيل اللقاء بالزاندي همس بنجامين في أذن مصطفى أن السلطان اتفق مع الدستور والبرنامج بعد أن قرأهما عليه. واتفقا أن يتكلم مصطفى للناس في الإنجليزية او العربية ويتولى عنه بنجامين الترجمة إلى الزاندي. ورأى مصطفى خلال وقفته ليدلي بكلمته التأثر على الوجوه التي صارعت تصديق هذا الكلام المختلف يتلوه عليهم شمالي مترجماً عنه لغتهم بالذات.    
ولم تتوقف علاقة اللغة والخطاب السياسي لدى مصطفى عند هذا الحد. فقد قدم له سلطان الجهة شابا ًتاجراً حسن الهندام الأوربي بوصفه مرشحهم لسكرتارية فرع الجبهة المعادية لاستعمار بالمنطقة. وعلم مصطفى منه أنه خريج مدرسة أحراش أنشأها المبشرون لتعليم تلاميذها لغتهم المحلية. وهي لغات كتبها المبشرون بحروف لاتينية وترجموا الإنجيل فيها. وكان في سيماء الرجل ما طمأن مصطفى بأنه وقع على قائد محلي ذي مستقبل وخطر. ومصطفى ذو بصيرة في علم الرجال وقدرهم في السياسة. يكفيه أنه الذي انتخب كلاً من المرحومين قاسم أمين والشفيع أحمد الشيخ عام 1946 ليضمهما إلى الحركة السودانية للتحرر الوطني (حدتو) (الحزب الشيوعي لاحقاً). فأنظر كيف شادا لعمال السودان مجداً أثيلا! وظن مصطفى أنه سيسعد الشاب حين قال له إنك لتستحق أن تفخر بإحسانك للعربية والإنجليزية معاً. فما كان من الشاب إلا أن قال له: "لا تنسى أنني أحسن لغة الزاندي أكثر منهما بمراحل." والجم الرد مصطفى.                                                                                    
ولم تقف مسألة اللغة عند ترجمة مظالم وأشواق مريدي ومركزها إلى لغة الزاندي. فقد نشط مصطفى ورفاقه من الشماليين في الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو) في بناء لجنة لهم داخل الجبهة المعادية للاستعمار بالمركز. واتفق رأيهم على ضم بنجامين لفرعهم. وأعتنى به مصطفى وأفرز له كتباً ماركسية أعانه على فك شفرتها. ثم دعوه إلى أول إجتماع تعقده لجنة المنطقة. فدخل عليهم وجلاً هياباً من فرط طغيان الشماليين. "كان يحدق فى باقى الزملاء ويتفحصهم وربما سأل نفسه ألف مرة عن كنه هؤلاء الناس. لكن التوتر بدأ يزايله والأعصاب أخذت تهدأ والأمور تتضح والأسرار تنجلى حتى أعتاد على كل شئ وعلى كل ما يقال. كانت الطريقة المتبعة فى تلك الإجتماعات، مثل كل الإجتماعات السرية الأخرى: الأسماء السرية، و(وكلمة) الأمان، وقلة الأعضاء، وملخص المحضر، وما إلى ذلك. تعودها واعتاد عليها." ثم تفرغ كلية للعمل السياسي لحستو والجبهة المعادية بعد دعوة موجزة قدمها له مصطفى.                                              
وانضم إلى فرع حستو طلاب وطالبات من المدرسة الوسطى بلغ 24 عضواً بفضل نشاط مدرس بها. وكان ما جاء به هؤلاء الطلاب فيضاً آخر من لغات الجنوب الشقية في صمتها الطويل. واتفق للفرع إصدار نشرة داخلية كل اسبوعين. وكان كبار الرفاق يكتبون الموضوعات باللغة الإنجليزية مبسطة فيترجمها الطلاب في ثلاث لغات هي الزاندي والباكا والمورو ثم ينسخونها فتوزع على الأعضاء كل بحسب لسانه.     

كانت الحكومة قد ضاقت بهذه المنشورات وقررت أن تجففها عند المنبع بالتفتيش عن الماكينات التي بها تطبع ولجمها. فبعثت يوماً بكوكبة من جنود قوة دفاع السودان إخترقت بعرباتها شارع مريدي وعسكرت ب "موقع المدارس". وفغرت المدينة فمها ترى الحكومة الوطنية في كامل خيلائها ضيفاً غزير العدد كما لم تحل عليهم حكومة من قبل. وسرعان ما طرق طارق باب مصطفى. ففتحه فوجد الملازم ". . . "، الذي عرفه في حواري أم درمان، وجهاً  لوجه. وما تغير. نفس الصبا المائز والحيوية التي تشف حتى من خلال دروع اللبس العسكري. واستقرت هذه اللبوس برشاقة فوق الجسد الذي بناه ". . . " بكدح شديد في حلقات كمال الأجسام بأم درمان. وكانت تلك الحلقات معبده وكان هو زبونها الأعظم. لم يحلم ". . . " بشئ مثل أن يدخل الكلية الحربية ويصير ضابطاً بالجيش. وأحس مصطفى بمتانة ذلك الجسد العضلي حين احتضنه مرحباً. قال مصطفى مداعباً كعهده مع ". . . ":
-. أها يا عبد أهو  لقيت شغلانيتك الربيتلها عضل ومقانص.
-أسكت يا حلبي. أهو إنت في رحلاتك البعيدة لغاية ما وصلت مريدي البعيدة. منقو زمبيري بالله كيف؟   
وأجلسه وأكرم وفادته قائلاً بعد حين:
-شقة عجيبة. جيتكم دي من واو يا عبد. قال لي حسين زمبا قبل ما أجي لمريدي إنك في واو. لقيتو وازق سمك عند السبكي في الموردة.
- ما حتصدق إذا قلت لك. ساكين لينا ماكينات طباعة.
- وليه تسكها قوة من واو؟
- الحكومة بتفتكر إن بوليس المدينة ضالع مع الشيوعيين وحتى قوات جوبا ما مامونة. أهو جينا نحن كقوات أجنبية. لقيتنا كيف؟
ثم صمت قليلاً ونظر إلى مصطفى وقال:
- بالله لو عارف المكنات دي يا زميل ورينا ليها. بلاش فضائح. جيش ساكي مكن طباعة ومنشورات. مهمة زي دي ناس أبارو يخجلو منها.
- والله إلا عارفها الرسلك يا عبد. أها قالكم فتشوها وين.
-أي مكان مشتبه فيه.
-فى الغابة مثلاً؟
-حننبشها شجرة شجرة لو اطرينا يا أبو حلب.
-هل تعتقد أن هذه المكينات اللعينة التي أقلقت منام الحكومة قد لاذت بالغابة؟
-لم لا؟ مش هي دغل.
- هل حتفتشوا غابات غرب الإستوائية قاطبة يا عبد؟ نص مديرية حدادي مدادي!
- ولو. ضبط وربط.
وجد مصطفى يقول له من أثر خيبته الكبرى في دولة الحكم الذاتي التي بدأت ترسل طلائعها لإخضاع الأهالي والماكينات (pacification):
-    ربما تلوذ المكنات بالغابة يوماً وستنطق رصاصاً لا حبراً.
-    يا حلبي ما تقلبها فلسفة شيوعيين.
-    حأوريك المكنات دي وين يا عبد. بس أسمعني شوية بعد داك. باركها.
-    باركتها.
-    الماكينات دي هنا في المدينة. واحدة عندي في المستشفى واحدات في المركز، وحدات في مصلحة الغابات، وحدات في النقل الميكانيكي.
-    في وضح النهار!
-    نعم. لكن الكلام مش في المكنات. الكلام في البطبعو عليها. إذا ماتوا بسرهم وتوقيتهم والله لواء من المريخ ما يلقى منهم حاجة.
ولم يتمالك ". . . " ام درمانيتيه فقال:
-يا حلبي يا هلالابي. ليه ما لواء من الهلال. يعني هلالابيتك دي لحد مريدي ما حتنساها؟
وضحك مصطفى:
-    خليك جادي يا عبد. شد حيلك يا عسكري. أها تسمعني.
-    بسمعك. بس أدي كلام الشيوعيين دا كوز عشان يكون مسلي وساعة لقلبك كده. بالجد. كوز.
-    هم قصتين اسمعهم وأرميهم البحر. حكايتين عن واحد زانداوي أسمو أريمبا وديكو.
-    حجيتك ما بجيتك يعني.
-كنت مارى في حملة مكافحة الجدري. في الشارع لقيت أريمبا شايل مقطف مليان من قطن مزرعته. أريمبا بقطع أميال من بيته للشارع لأنو الإنجليز خططوا للزاندي يسكنوا بين مزارعهم وعلى مسافة عظمى من الشارع. خطة سياسية أو صحية أو شنو ما عارف. اها أريمبا بجيب قطنو للشارع لمندوب مصنع نسيج أنزارا وميزانه. وقفت مع أريمبا عند الميزان. وزنو قطنوا ونظر الكاتب في دفتر قداموا وقال ليهو وزنك كده وسعرو كده وباقي لينا عليك كده قرش من ضريبة الدقنية. نظرت في وجه أريمبا ما كان فيهو محل لتعبير. انمسح أي تعبير كان عليهو كلو كلو. حت ما غضب. ما زعل. اتمسح وبس. لوح خلوة جاهز لكتابة جديدة لكين لسع ما اتكتبت.
- صحي سخرة وخم تراب. ناس ما عندها ضمير. لكين علاقة دا بماكينات الطباعة شنو؟ إنت بتتكلم زي أهلك يانحوي وإشمعنى وما إشمعنى؟
-الظلم يا عبد معروض على قارعة الطريق لسه. الوجع لسه بره تحت ضوء الشمس يراه الغاشي والماشي. وصاحب العقل من يميز ويتلافاه قبل أن يدخل الغابة ويلبد فيها. بعدين بكون في تعب كتير.
بدا ". . . " ينجذب للقصة.
-والديك وين هنا؟ البقنع الديك منو؟
وضحكا بصفاء نوعاً ما. قال مصطفى:
-    أها حكاية الديك. بعد اسبوع كنت ماري بنفس المنطقة مع سلطان الزاندي. ومررنا ببيت خِلا من الساكن. فسألته بفضول:
-    -منو سيد البيت دا؟
-    أريمبا.
-    -ذاتو!
-    ياهو.
-    ووين دلوقت؟
-    خرج في الصباح شايل حرابه.
-    ليه؟
-    يقتل النمر.
قال مصطفى لنفسه :دا ما عاقل" وقال للسلطان:
-    يعني حَكَم قتل النمر اليوم؟
-    والنمر حينتطر أريمبا لغاية ما يجي على راحتو؟
-    وغبينتم شنو؟
-    النمر قتل ديك أريمبا. وديكو ديك معلوم. صوت وصبا واعتداد. الزاندي كلها تتفرج عليهو لما يقدل. أريمبا يحبه جداً حين يعوعي صباحاً كأنه يغني أو يدعو للغناء. وما صاح الديك يومها وأنزعج أريمبا وبحث عن ديكه فلم يجد منه سوى تلك الريشات التي تتطاير هناك. ونظر فوجد آثار مخالب النمر فجن جنون أريمبا وأخرج حرابه وسكينه وأسرع الخطو يقتفي آثار النمر إلى الغابة.
-    بتاخد كم الرحلة دي؟ قال مصطفى للسلطان.
-    ربما يعود بعد قليل أو بعد ساعات أو ربما آخر النهار بالنمر مقتولاً. لابد سيعود.
-    ولو . . . 
ولم يدعه السلطان يكمل الجملة المتشائمة:
-وربما لن يعود أبدا. 
بدا الملازم ". . . " يحاول جاداً فك مغاليق قصة أريمبا والديك. قطب جبينه وزر عينه. للقصة سر لابد. ويكاد يعثر عليه ولكنه يتفلت منه. فقال أخيراً:
-    ياحلبي نحن ناس جيش أمسك لي واقطع لك. لغاويز كتشنر الطبية دي ما لينا بيها. صاحبك أبو ديك دا مالو؟
-    يا عبد إنت جاي من واو ضابط عظيم تفتش لماكينة بتطبع منشورات. وقلت إنك حتفتشها ولو كانت مدسوسة في غابات الإستوائية. وأنا قلت ليك المكينات دي أدنى إليك من حبل الوريد. هي في كل مصلحة حكومية في مريدي. وما حتلقى دليل على استخدامها السياسي لأنو بتاعين المنشورات عندهم ضبط وربط زيك. مكينات المنشورات دي لسه بره لأنو الوجع لسه مشرور بره زي قطن أريمبا الما لاقي منو التكتح ويزرع فيهو سخرة وخم تراب زي ما قلت. لكن حيجي اليوم النمر حيشيل ديك أريمبا ويدخل الغابة ولا يترك له سوى ريشات للاستفزاز. وسيحمل أريمبا حرابه وسكينه ويغلق داره من ورائه يطلب النمر فإما قتله وعاد أو لم يعد.
. . . . . . . . .
بعد نحو عام من حديث مصطفى إلى الملازم (. . .) وقع "تمرد" الفرقة الإستوائية  بوحداتها العديدة بما فيها مدن الزاندي. ولقي 259 شمالياًً من الرجال والأطفال والنساء حتفهم بالإستوائية منهم 72 بمراكز الزاندي في مريدي ويامبيو وانزارا. وقلب مصطفى تقرير لجنة القاضي قطران التي تحرت في أسباب تلك "الإضطرابات" الذي صدر في 1956. وأفتر ثغره عن ابتسامة حزينة لوصف التقرير له بأنه "مصري" حين عرض لنشاط الجبهة المعادية للاستعمار بين الزاندي ومنشوراتها الصادرة بلغتهم تدعو لنوع من الحكم الذاتي للجنوب والمساواة في الإجور. ولم يتمالك مصطفى وهو يمر بعينيه على قوائم الضحايا من الترنم بأغنية شاعت في ذلك الوقت:
في الجنوب  يا ماتو رجال
بالنشاب بالكوكاب
ثم تذكر حديثه إلى ". . . " حين  قرأ  في التقرير أن أول إشارة بالتمرد جاءت في برقية صادرة من بلك امين ساترلينو أوبويو من رئاسة الفرقة الجنوبية يتوريت إلى رينالدو لوليا بجوبا تخطره بأنه ستقع الحرب في الخامسة من صباح اليوم التالي. وكانت البرقية بلغة الأشولي. وقال لنفسه معزياً:
-لقد دخل أريمبا الغابة لقتال النمر. أما متى سيعود منها فعلمه عند ربك.