عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لولا ظروف لصدر هذا الكتاب "إنقلاب 19 يوليو 1971: من يومية التحري إلى رحاب التاريخ" في ذكرى الانقلاب الأربعين كالكراسة الثانية في سلسلة "كاتب الشونة" (الدورة الثانية). وهي سلسلة كتابات نقدية غير دورية  في مسألة الثقافة السودانية" صدر منها في 2010 كتابي "بخت الرضا: الاستعمار والتعليم" وانتهز سانحة الذكرى الأربعين لانقلاب 19 يوليو فأنشره عساه يبدد وحشة هذه الحادثة المأساوية في سوء الأسئلة غير الذكية عنها. وكراسة الانقلاب من 3 أجزاء أنشر الجزء االثالث والأخير منها في ما بعده.

مقدمة
يريد هذا الكتاب أن يجدد النظر في انقلاب 19 يوليو1971 على نظام البكباشي جعفر نميري. لم يدم الانقلاب في الحكم سوى ثلاثة أيام عاصفة وأودى بزهرة قادة الحزب الشيوعي السوداني الذين أٌتهموا بتدبيره.  ولقصر عمر الانقلاب المتناهي والأحلام التقدمية التي أذاعها على الملأ جعلنا لفصله الأول عنواناً هو "علم اجتماع الضل (الظل) الوقف ما زاد" بالنظر لمقطع لواحد من حداة التقدم، المرحوم الشاعر عمر الطيب الدوش. وهو وإن لم يقله في مصير 19 يوليو تحديداً إلا أنه مما ناسبه. فظل 19 يوليو انحسر وطوى بين دفتيه حركة إجتماعية غراء للكادحين مثيلها قليل.
يريد الكتاب في تجديده النظر للانقلاب أن يخرج به من "الصندقة"، في العبارة الإنجليزية، التي حاكمته كنبأ وكوزر ثقيل . فالنبأ، في وصف الصحافي الأمريكي جيمس روستون، ما يتسامعه الناس عن الواقعة في الأطراف. ولكن كل واقعة في الحقيقة هي بنت مجتمع وتستحق الدراسة في تدافع أهله. وقد ذهب الناس في تأويل النبأ مذاهب وضعه أكثرها في "سياسات" الحرب الباردة". أما محاكمته كوزر فلها ظرف سياسي سوداني مخصوص. فقد كان الحزب الشيوعي شديد النقد للتكيتك الإنقلابي في العمل السياسي ملتزماً بما أصبح إكلشيهاً: "العمل الجماهيري الدؤوب" لبلوغ الغاية. وروج على نطاق واسع لفكرة أن الانقلاب هو  خطة البرجوازية والبرجوازية الصغيرة للتغيير السياسي والاجتماعي. ثم رآه الناس ضالعاً في انقلابين: 25 مايو 1969 و19 يوليو 1971 فأتهموه بالنفاق واللامبدئية. ومتى رددنا الانقلاب إلى علم اجتماعه فهمنا لماذا نهى الحزب عن شيء وفعل مثله. وليس مطلبنا هنا تبرئة الشيوعيين بل تحسين الطريقة التي نقرأ بها النص كما يتنزل في مجتمع لا يملك منشيء النص لجوائحه دفعا.
يتكون الكتاب من 3 مباحث كٌتبت في فترات متباعدة: 1994، 2005، 2007. وهي إن لم أقصد عند إنشائها جمعها في كتاب إلا أن ما دعاني إلى ذلك هو أن ناظمها هو النظر النقدي للانقلاب والخطاب الذي اكتنفه. وسترى أن المباحث رواحت بين المقال الأكاديمي القسيم (1994)، إلى الكتابة القسيمة غير الأكاديمية (2005) إلى أبواب بالصحف السيّارة (2007). ولربما ترتب عن ذلك لت وعجن من تكرار نأمل ألا يشقى به القاريء. 
جئت في المبحث الأول بفكرتين. أولهما وجوب أن ننظر إلى علم اجتماع الانقلاب في تحليل الشيوعيين لأوضاع بلدهم الاجتماعية وحيل طبقاتها وقواها على المسرح السياسي. وبدأنا في المبحث تحليلنا للفحولة السياسية للبرجوازية الصغيرة التي قال الشيوعيون إن الانقلاب هو ديدنها. وجئت في الفصل بنظرية "الوجه والقناع" لتفسير اضطراب الشيوعيين بين النهي عن الانقلاب وارتكابه في وقت معاً. فقلت إن نهيهم عنه هو وجههم الذي يريدون لحزب عمالي مثابر لا يختلس السلطة بليل. أم القناع فهو تورطهم مرة بعد مرة في ارتكاب الانقلاب. ورردت ذلك إلى غلبة البرجوازية الصغيرة في الحزب التي ظلت تخفي خطها الانقلابي تتمضمض خط الحزب "البروليتاري" مضمضة حتى تحين "ساعة الصفر" فتتلمظ السلطان مسارعة إليه.
وعالج المبحث الثاني فحولة البرجوازية الصغيرة في عرينها الانقلابي: ضباط القوات المسلحة. فتعرضنا للعلاقة بين الضباط الشيوعيين والحزب بعد قيام انقلاب 25 مايو الذي كان بعضهم طرفاً مؤثراً فيه. فقد أدى انتقال مسرح السياسة وحيلها إلى القوات المسلحة بسبب انقلاب 25 مايو إلى إزدياد نفوذ أولئك الضباط حتى أنهم جنحوا إلى خط الانقلاب والحزب راغم.  وأردنا أن يلقي نظرنا المحدد لهذا المكمن البرجوازي الصغير بعض الضوء على مسألتنا عن إزدواجية الوجه والقناع في الحزب.     
أما المبحث الثالث فهو محاولة منا للوقوف على الفحولة الثقافية للبرجوازية الصغيرة المتعلمة. فقد نظرنا إلى عزلتها عن الشعب عزلة اضطرتها لحيلة الانقلاب مجدداً. فقد لقنتها تلك الحداثة أن إرثها الثقافي لغو وباطل حنبريت. وعقد لها سدنة الحداثة لواء "تمدين" الأهالي-أهلهم- ليلحقوا بركب الغرب ب"القطار المار". وقلَّبنا منشأ عزلة هذه الجماعة ووحشتها اللتين حالا ودونها ودون استنفار شعبها بداب لا تكون النهضة بغيره.
ويريد الكتاب بصورة أخص مواصلة التقليد النقدي الجذري للبرجوازية الصغيرة الذي كان سمة فكر أستاذنا عبد الخالق محجوب (1927-1971) ولب ممارسته. فهي فئة مضللة. تحتكر الفكر باسم "الصفوة" ولا تمانع في أن تٌلعَن نهاراً جهاراً لخيباتها "وإدمان الفشل" طالما بقيت هي الخصم والحكم. وهي في نظرها كل منسجم متناسخ الأفراد يقع ويقوم سوياً. وليس مثل عبد الخالق من "نقى شعيرها" واقتحم عليها تواطؤها ونازعها حق النقد. فنقدها حيث ظنت ألا ناقد إلا إياها ونازلها في الساحة السياسية كما سيرى قاريء هذا الكتاب. فلاحق تغبيشها لوعي الكادحين بالوعي المضاد الذي قليله بركة أيضاً.


1-ثورة أكتوبر والبرجوازية الصغيرة: شهادة بحث
لا غلاط أن بلادنا تعيش هرجاً عظيماً من أقصاها إلى أقصاها. وللناس في تفسيره شؤون. ومن أكثر التفاسير شيوعاً لمنشأ هذا الهرج هو قول الصفوة الحداثية واليسارية إن سبب البلاء هو عقلنا الرعوي. وقد أخذت في نقض مراراً. وقام نقضي على مسألتين. أولاهما أن القول بخيبتنا بالنظر إلى عقلنا الرعوي حجة لم تتأسس على نظر علمي محيط وإنما هي حزازة بندر وشطحة من شطحات علم التنمية الغربي. وثانيهما أن العقل البدوي (لو صح أن هناك مثل هذا العقل الجامع المانع) كما أثبتته دراسات البادية عقل دبير يستوفي موارد بيئته الشحيحة بنجاح وينمي مراحات سعيته في مكان قفر.
وخلافاً لزعم هؤلاء الحداثيين فقدد كان من رأيي أن الآفة التي من وراء هرجنا هي البرجوازية الصغيرة. وأول ما صرحت بذلك كان في منبر جريدة الصحافة قبل أعوام. وكنت أعلم أنني أنبش علماً مهجوراً أو متروكا. فحتى الشيوعيين (وهم حداة هذا العلم الاجتماعي) قد كفوا عن الحديث المباح فيه. وبالفعل نشرت الصحيفة محضر اللقاء وقالت إن عبد الله قد عاد إلى جنه القديم أو ضلاله.
وعدت القاريء أن أعينه على فهم هذه الطبقة التي حَمَّلتها وزر نكستنا السياسية والثقافية. وابدأ بتعريف هذه الطبقة كما ورد في الأدب السياسي الغربي. فبرجوازية المدن الصغيرة (لأن هناك برجوازيات صغيرة كثيرة بما فيها صغار الملاك من المزارعين) هي طبقة بينية (بين بين) في المجتمعات التي تهيمن على اقتصادها وسياستها طبقة البرجوازية. فهي بين طبقة البرجوازية المالكة لوسائل الإنتاج وبين الطبقة العاملة التي تبيع قوة عملها للبرجوازيين. وهي طبقة تعبر عن وعيها بذاتها بلغة مأخوذة من مصطلح الطبقة البرجوازية اي أنها تقبل النظام الرأسمالي ومنطقة لا تريد لسنته تبديلا. بل لا يطمع الواحد منها في تحسن فرصه ومعاشه بغير أن يصبح مالكاً كالبرجوازيين .ومتي استقر المجتمع الرأسمالي على وتيرته تميزت البرجوازية الصغيرة بثقافة خاصة بها وعوالم من خيال وحقائق. وقد استجمع نجيب محفوظ عوالم هذه الطبقة في ثلاثيته المشهورة. هكذا علمنا الأستاذ محمود أمين العالم في نظراته الثقافية التي كنا نترقبها في المجلات المصرية.
كنت بصدد تفصيل بعض خصائص هذه الطبقة الاجتماعية في السودان اجتهاداً مني. ولكن لما حل عيد ثورة اكتوبر (1964) الرابع والأربعين بنا استصوبت أن آتي ببعض الخصائص الملموسة للطبقة في خبرتنا السياسية لها كشيوعيين قبل تلك الثورة وخلالها وما بعدها.
أصبح من المكروه بالضرورة "إدعاء" الشيوعيين تفجيرهم لثورة أكتوبر. ولكن ربما لا يعرف أحد (حتى شيوعيي يومنا هذا) أن للشيوعيين نظرات ناقدة جداً للثورة. ولن تتضح هذه النظرات إلا إذا انتقلنا لعلم سياسة الثورة مغادرين محطة أناشيدها "ومجارطات" شهادات بحث ملكيتها.
فالشيوعيون يعتقدون أنها ثورة تمت تحت قيادة البرجوازية الصغيرة. ولا يأتي ذكر هذه الطبقة على لسان الشيوعيين إلا مقروناً بفساد الفكر والعمل. فقد اتفق لهم إنها فئة "مذبذبة": لا إلى هؤلاء ولا أولئك. فلثوريتها عمر افتراضي. فهي تريد ان تكون جذرية المقاصد ولكنها تخشى على نفسها من هذه الجذرية لأنها جذرية تحسنها القوى الشعبية بأفضل منها. وستحمل هذه القوى تلك الثورية إلى غاياتها القصوى. وقد حرص أستاذنا عبد الخالق محجوب على تربية عضوية حزبه ليزكيهم  من "أدران" ثورية هذه الطبقة. وتجد هذا بأوضح ما يكون في كتابه "إصلاح الخطأ في العمل الجماهيري". فمن ذلك كراهته تشدق أفراد هذه الطبقة بالماركسية. فما تعلم الواحد منها شيئاً حتى عظمت نفسه عنده وراح يجتر ما علمه من النظرية أمام الناس حذلقة منه واستعراضا. ولو أراد القاريء أن يقف على عمق هذه التربية في الحزب فلينظر قصة "البرجوازية الصغيرة" بقلم الأستاذ صلاح أحمد إبراهيم في مجموعة قصصية له وللمرحوم علي المك في آخر الخمسينات أخذت عنوان القصة التي سلف ذكرها. وقد عرفنا حتى قبل قراءة القصة أن المقصود بالبرجوازي الصغير فيها هو الأستاذ أحمد سليمان رحمه الله.  
وجاء رأي الحزب الشيوعي عن قيادة البرجوازية الصغيرة لثورة اكتوبر في تقرير مؤتمره الرابع المعنون "الماركسية وقضايا الثورة السودانية" على صفحة  128. وجاء ذكر تلك القيادة القاصرة في معرض نقد الحزب لنواحي النقص التي اكتنفت عمله خلال جهاده نظام عبود (1958-1964). فمن رأي التقرير أن الحزب لاقي أكتوبر منهكاً مرهقاً مما قعد به دون وضع بصمته وبصمة الطبقة العاملة،التي يعبر عنها، على نهج الثورة وفكرها. وترك ذلك فراغاً قيادياً سده البرجوازيون الصغار.
ولا يكتفي التقرير بذلك في معرض نقده للبرجوازية الصغيرة. فمن رأي التقرير أن الذي حال دون الحزب ودون تأهيل نفسه لقيادة الثورة عن طريق الطبقة العاملة هو البرجوازية الصغيرة. فقد رصد الحزب منذ 1961 أن بلادنا مقدمة على تغيير سياسي وربما اجتماعي مرموق. ولكنه لاقي ذلك التغيير يوم وقع بغير عدة أو عتاد أو استعداد. وسبب هذا النقص في رأي تقرير المؤتمر الرابع سيادة "المعارضة الإثارية" اليسارية في جهاد الحزب الجريء ضد نظام عبود. وقول الشيوعيين ب "الإثارية" رديف لقولهم "البرجوازية الصغيرة" حذوك النعل بالنعل. وتطرق تقرير المؤتمر الرابع إلى وجهين من وجوه هذه المعارضة الضالة. أما الوجه الأول فهو خلوها من محتو طبقي مدروس رصين. فقد وصفها التقرير بأنها كانت تقليدية جرت في إطار الجو العام الذي كان حبيس "الخلاص من الديكتاتورية العسكرية والرغبة في التخلص منها وحسب". وزاد التقرير بقوله إن الحزب واجه النظام كديكتاتورية عسكرية ولم يواجهه كنظام طبقي أداته العسكرية. والمواجهة الأخيرة هي ما يعتد به الماركسي لبلوغ التغيير الاجتماعي المفضي للبعث الوطني. فالمقاومة الضريرة احتطابُ ليل.
أما العاهة البرجوازية الصغيرة الأخرى في معارضة الحزب لنظام عبود فهي التأجيج الذي لم يهدأ بالمنشور والكتابة على الحائط والتظاهر: سهر عصابة 17 نوفمبر ولا نومها. وهذه عجلة إثارية يسارية حالت دون الحزب ودون أن يكتشف طرقاً  مبتكرة للعمل السياسي. وترتب علي هذا أن انقطعت اتصالاته اليومية بالجماهير وأخفق في  أن "يرتبط بالحياة في اكثر من أفق".
وعليه اندلعت أكتوبر والحزب على قدر عظيم من الوهن فتت الاتجاهات اليسارية من عضده. بل واجه الحزب انقسام الرفيقين شامي ويوسف عبد المجيد غير الهين في خريف 1964 وقبيل ثورة اكتوبر بأسابيع قليلة. وكان من رأي الرفيقين وشيعتهما أنه لا خلاص للبلاد والعباد من جور الحكام سوى حرب التحرير الشعبية على نسق الصين وما تسي تونغ.  وفوَّت هذا الوهن على الحزب أن يكون القيادة الجامعة المانعة لثورة إعادة الديمقراطية كما كان ينشد. فقد اخذت سدة القيادة قوى مثقفي البرجوازية الصغيرة المنتظمين في جهاز الدولة بقدرتهم على الحركة المباشرة وعلى النطاق الوطني. وبرغم دور الحزب وهو يغالب الضعف في تكوين جبهة الهيئات إلا أن بروزها "كان في قاعه يعبر عن تطلع الأقسام التي تقدمت الإضراب (مثقفو البرجوازية الصغيرة) لإيجاد قيادة تعبر عن مطامحهم. كان يعبر عن حقيقة أن هذه الأقسام لم تكن ترى موضوعياً في تنظيمات الطبقة العاملة معبراً عن امانيها". تجد هذا على الصفحات 128-129 من نقرير المؤتمر الرابع.
ونظر تقويم الحزب لانقلاب 19 يوليو 1971 الصادر في في 1996 للفحولة السياسية للبرجوازية الصغيرة نظرات ثاقبة. فما انتكست ثورة أكتوبر 1964 ، في قول التقويم، حتى انكسر خاطر تلك الطبقة واستولى علي لبها الثأر من الرجعيين الذين اختلسوا ثورتها. فركبهم حلم "بعث أكتوبر" أو هاجسها. ولذا كانت مشروعية انقلاب مايو  1969 الباكرة هي استعادة ثورة اكتوبر حتى انهم سموا واحدة من الشركات التي أمموها "أكتومايو". ولم يفطنوا إلى أنه بانتكاسة الثورة قد بدأت مرحلة جديدة تستحق تكتيكات مناسبة أدق من مجرد استعادة أكتوبر أخنق فطس.
ذاع عن الشيوعيين أنهم صنعوا أكتوبر. ولكننا متى انتقلنا من أكتوبر الأناشيد و”المقالعة" إلى علم أكتوبر السياسي لوجدنا أن الشيوعيين يعترفون بدور البرجوازية الصغيرة في قيادة الثورة بالنظر إلى وهن حزبهم الذي أقعده عن لعب هذه الدور المرتقب. ولا يعني هذا بحال أنهم لا يثمنون تضحياتهم الغراء الكبيرة بما لا يقارن مع أحد خلال ست سنوات عجفاء للإطاحة بنظام عبود.

3-العقل البرجوازي الصغير: قرد، ككو حليمة
قلت في سياق البحث عن تفسير للهرج ضارب الأطناب في بلدنا إنه وجب علينا أن ننمي تقليداً نقدياً لفئة البرجوازية الصغيرة المدينية المتعلمة أفضل مما هو متاح لنا. وهذه الفئة مما تعارفنا على تسميته ب "الأفندية" أو "الخريجين" أو باسم الدلع الشهير: "الصفوة". ولنا في أستاذنا عبد الخالق محجوب أسوة حسنة في جعل هذه الفئة موضوعاً نقدياً لم يتزحزح عنه. فقد تحرى فكرها وممارستها في المجتمع والحزب ما ترك لها صغيرة ولا كبيرة. بل تنبأ بدمويتها متى أصبحت في الحكومة. ومات رحمة الله عليه على يدها في 1971.
ربما كان من أشرس ما في هذه الفئة والذي يجعلها بلا أخلاق هو غربتها عن ثقافة أهلها. وهناك اتفاق على ذلك. ولكنه لم يتفق لنا بعد تحليل أغور لماهية تلك الغربة ومداها. فقد ظنها فريق أنها مما يٌدرأ بالعودة للأصول واستئناف تاريخنا كأن الاستعمار لم يكن. وهذه الخطة هي فحوى فكرة التجديد الإسلامي وحركاته. وهناك ظن طال مداه مفاده أنه بوسعنا استثمار هذه الغربة بتخصيب الأصالة بالمعاصرة، أي ثقافتنا بثقافة الغرب. وهذه حيلة قديمة منذ بداية النهضة العربية في نهاية القرن الثامن عشر وحتى يومنا هذا لم يتحقق منها شيء سوى تأرجح كفتي الميزان بين هذا وذاك ولم نبلغ الوسط السعيد المنشود. والكفة الآن في المشاهد راجحة لتقليد الغرب إذا دخلوا جحر ضب حشرنا فيه أنفسنا من بعدهم. وعذرنا هو أن هذا منظق العولمة. يأ أمة ضحكت من سخفها الأمم. 
كانت هذه الغربة وديناميكيتها موضوع علم مدرسة ما بعد الاستعمار الرائجة بفضل كتاب إدورد سعيد "الاستشراق". وقد صدر في ترجمة جديدة للمعرب المشهور الدكتور محمد عناني من دار رؤية بالقاهرة. وهي مدرسة "فاتتنا حوفا". ففكر يسارنا ومحدثينا مائل الآن إلى التعافي مع الاستعمار من فرط خيبتنا كدولة مستقلة ولفظاظة حركات التجديد الديني التي شَوَّقت خصوم استعمار الأمس له فأصبحوا حسارى عليه يذرفون الدمع الثخين على أيامه. ولم يحدثني عن هذه المدرسة من أهل الرأي عندنا سوى الاستاذ إسماعيل آدم أبكر (صاحب رواية الرحيل إلى المدن المستحيلة ذائعة الصيت). فسعيت لتزكيته لمعهد من تلك المعاهد مجهولة المنشأ عندنا التي تزعم الولع بالبحث في مسائل أفريقيا. وأضان الحامل طرشاء. وآمل أن يتصل شغل إسماعيل بالمدرسة من موقعه ب "أجراس الحرية".
ومن أفضل من نبه إلى غربة البرجوازية الصغيرة المتعلمة عن أهلها المؤرخ باسل ديفدسون الذي ترجم له الأستاذ جمال محمد أحمد في الستين الأولى باكورة كتبه عن أفريقيا وهو "أفريقيا تحت اضواء جديدة". سعى ديفدسون في كتابه الجيد "عبء الرجل السود: أفريقيا ولعنة الأمة في دولة" (  1992) إلى تشخيص مأزق أفريقيا ما بعد الاستعمار. ووجد أن صفوتها، أي برجوازيتها الصغيرة، معيبة جداً وعليها وزر محنة أفريقيا. فنبه إلى سوء ظن هذه الفئة المتعلمة تعليماً غربياً بثقافة أهلها حتى قبلت صاغرة أن تخلع نفسها عن تلك الثقافة طمعاً منها في النهضة بالوصفة الغربية حذو النعل بالنعل.  فقد قر في وعيها بإلحاح استعماري معروف أن تقاليدها هي صنو للجمود. فلكي تصبح في عداد المتحضرين وجب عليها أن أن تكف أن تكون أفريقية. ولضمان أن يخلع أفراد هذه الفئة  أنفسهم من أفريقيتهم حرص الاستعمار أن لا يصبحوا أوربيين أبدا. فهم في المنزلة بين المنزلتين حتى قيام الساعة. فلا هم بقوا على أفريقيتهم ولا هم ترقوا فأصبحوا أوربيين: لا أرضاً قطعوا ولا ظهراً أبقوا. أي أنهم، وبلسان عربي مبين، لم يبلغوا حيث أرادوا ولم يريحوا رواحلهم عن هذا السفر الضال. وتلك حال شبهها علماء ما بعد الاستعمار بحال القرد مع الإنسان. يتشبه به ولن يبلغه حتى بشق الأنفس. وسموها ب "المقردة الاستعمارية" (colonial mimcry) .
وقال ديفدسون في شقاء هذه الفئة الأزلي إنه بقي عليهم أن يجوبوا في خلاء خاص بهم حتى يصيح منادي القدر فيشرع لهم أبواب الحضارة على مصراعيها ويأذن لهم بالدخول في وقت لا معين ولا معلوم. وهذا الجهد الضائع النازف قريب من معنى أسطورة إغريقية قديمة أكثر كتابنا من الإشارة إليها. وهي اسطورة سيزيف. فقد سرق هذا البطل الأغريقي النار من عرين الآلهة وهبط بها للناس على الأرض يستضئون بها ولهم فيها مآرب أخرى. فغضبت عليه الآلهة وحكمت عليه بشغل شاق سرمدي. فقد قضت أن يحمل صخرة من أسفل جبل ما فيصعد بها إلى قمته ثم يرميها إلى السفح مرة ثانية ثم يعود ويحملها إلى القمة وهكذا دواليك حتى قيام الساعة. وصارت عبارة "الجهد السيزيفي" مجازاً في ديمومة الشقاء والإعادة المملة بغير حصائل. 
كان طلاق البرجوازية الصغيرة المتعلمة عن ثقافة أهلها إئيذاناً بتبديدها لإرث لا صلاح للنهضة بدونه. فالإرث الماضي رأسمال رمزي لا يستقيم حوارنا مع المستقبل إلا به. فالماضي إمكانية حتى قال قائل إن الناس حين تنشد المستقبل إنما هي معنية بالماضي قبل كل شيء. فشغف الناس بالمستقبل هو شغف أكثر حذاقة وأرقاً بالماضي. ربما بالغ الرجل. ولكنه نبهنا إلى الكساد الذي ينذر أمة من فئة متنفذة مثل البرجوازية الصغيرة المتعلمة تخوض بهم بحر المستقبل بغير مركب من الماضي.

4- البرجوازية الصغيرة: دومة بولاق أبو العلا
قلت إنه إذا أردنا أن نمسك حقاً بسبب الهرج ضارب الأطناب في بلدنا وجب علينا أن ننمي تقليداً نقدياً لفئة البرجوازية الصغيرة المدينية المتعلمة أفضل مما هو متاح لنا. وهذه الفئة مما تعارفنا على تسميته ب "الأفندية" أو "الخريجين" أو باسم الدلع الشهير: "الصفوة". وربما كان من أوخم ما البرجوازية الصغيرة، المعروفة عجناً ب" الصفوة"، ومنشأ شراستها المشاهد في المجتمع والحكم، هو انقطاعها عن ثقافة أهلها. أضيع ما أضاعته منا هذه الفئة المٌضَللة هو إرثنا. وهو رأسمال رمزي لا يقل تبديده فداحة عن تبديد ثرواتنا المادية. فقد روضتهم علوم الاستعمار على أن يوم تحضرهم هو يوم قطيعتهم الناجزة مع خرافات الماضي المتدوالة وكتبه الصفراء. فالنهضة عندهم مما لا يقع على بنيان من الماضي. ولهذا قال حمزة الملك طنبل، الناقد السوداني ذائع الصيت في الثلاثينات، إن احتجوا عليّ بقولهم بحاجة النهضة إلى أساس تقوم عليه سألتهم على أي قاعدة قام خزان سنار (على النيل الأزرق وتم الفراغ من تشييده في 1926). فمن رأيه إذن أنه يكفينا للنهضة بأس الحديد الغربي وعزائمه. وأسقط محمد أحمد المحجوب، من الجهة الأخرى، من معينات النهضة أحاجي الحبوبات وخرافاتهن. وكل عارف سطحي بديناميكية النهضة الأوربية وقف على خطر تلك الأحاجي في النهضة الأوربية. يكفيك أن "أحاجي قرمGrimm" الألمانية هي التي خرجت منها ألمانيا الناهضة اليوم. وقد أعجبني أن عبد الله الطيب، الذي تضلَّع في علم الفلكلور (علم الأوابد كما كان يسميه) لم يبرح الأحاجي وتفنن في نقلها من حال الشفاهة للكتابة تفنناً عجيباً. وحظيت مجموعته الشهيرة منها بإقبال الأسر تتلو متعها لأطفالها وتستزيد.
حملتني احتكاكات بغير السودانيين (واقولها في حالة ما تجاوزاً طلباً لزبدة القصة) مؤخراً إلى فحص آخر لتبديد البرجوازية الصغيرة الصفوة لرأسمالنا الرمزي. فقد فتحت هذه الاحتكاكات عينيّ لخصال سودانية أسرت من احتككت بهم. وهي خصال ربما عدتها الصفوة خرافات ستمحوها كراكة الحداثة الضريرة من على وجه البسيطة.
وقصتي الأولي كانت مع شاندو زعيم الجالية الهندية في السودان. وأقول عنه إنه غير سوداني سفهاً لأنه منا أكثر من أكثرنا . . . وعلى السكين. عرفت شاندو خلال الأخ علي هريمي. وهو قاريء لا تفوته شاردة صحيفة. وتراسلنا. ثم وجدني أتحدث يوماً عن زيارة محمود عباس العقاد، الكاتب المصري المشهور، للسودان في الأربعينات خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945) هرباً من الألمان الذين تقدموا نحو مصر. وكان يعاديهم وخاف بطشهم به متى ظفروا ببلده.  وفاجأني شاندو بإرسال صورة للعقاد في حلفا وبين أعيانها وهو في طريقه للخرطوم. فيا له من ورَّاق عظيم.
عرجت على شركة شاندو بالمنطقة الصناعية بالخرطوم خلال عطلة ما. فحييته. وتآنسنا. فحكي لي عن أهله هنود السودان الذين ضربوا شرقاً عائدين إلى الهند أو غرباً إلى انجلترا وأمريكا. وربما غبنتهم من نظام الرئيس النميري أشياء. ومن تلك محاكمة تاجر للشاي منهم وهدم تمثال غاندي في أم درمان وأشياء أخرى. ولكنهم حملوا سودانيتهم معهم في الحل والترحال. فلم يعودوا يطيقون الهنود من بني جنسهم الأصلي. وقال لي إنهم انتحوا في جمعيات خاصة منفصلة عن غالب بني جنسهم يجتمعون وقد ألفت السودانية بين قلوبهم. ومتى احتفلوا بأعيادهم فرشوا مائدة عليها طعام السودانيين بذاته وصفاته الشيء الذي يستغرب له بنو جنسهم. وقد توقفت عند ما حبب هؤلاء الهنود (المعدودين غامضين منطويين على قبيلهم لدي كثير من السودانيين) في خصال السودان وأهله. وضرب شاندو بحكاية أهله الهنود السودانيين مثلاً في سياق احتجاجه على اهمالنا لتلك الخصائل الغراء في إضطربنا السياسي والرمزي المعاصر. كان كمن يقول خذها مني أنا الهندي (تجاوزاً) إن ثقافتكم  هي ثروة أخرى. إنها ليست من القَواعد من الخصال التي فاتها إكسبريس الحداثة.
أسعدتني سودانيتي يوماً قريباً في القاهرة أخذت فيه تاكسياً من دار الكتب إلى وسط القاهرة. وقال لي علاء، السائق": السودانيين أجدع ناس. ما نحن اخوات". وقلت له: "أٌمال". بكش في بكش. وواصلت أقرأ صفحة جريدة "البديل" الأولى. وربما شعر بأنني عددت ثناءه على أهلي من دارج قول المصريين فأعاد قوله. ثم انتبهت له حقاً حين قال:
-والله تصدق السودانيين ديل علموني الإنسانية.
وكانت هذه كلمة عظمي رغبت في سبرها. فقال:
-عشت مع النوبة في بولاق ابو العلا. وأنا صغير كان عندهم اجتماع أسبوعي كنت أنا عيل صغير بحضره. وفي الاجتماع دا بيتقسموا أدوار يوم الجمعة. فالست أم سيد مريضة في المستشفي يقوموا يحددوا واحد اتنين يزرورها. داؤود جابلو بنت يكلموا واحد اتنين يزوروه. الحاج حسنين جوهو ناس من البلد للعلاج ينتدبوا اتنين تلاته يروحوا ليه ومعاهم مساعدة. وأنا كنت بسمع دا كلوا يوم خميس. دي جامعة إنسانية يا عم.
لما مررنا بوزارة الخارجية قال لي علاء: كان بيتنا في ركنها الأقصى. هدمونا وبنوها ورحلنا إلى أمبابة. وتذكرت "دومة ود حامد" للطيب صالح. وهي القصة القصيرة التي استسخف فيها فكرة هدم دومة الولي الصالح في القرية التي على النيل لبناء منصة لوابور البحر. فقد كان من رأيه أن  تعايش المنصتين السلمي هو الهدى وهو المرام. لقد بنت الخارجية المصرية لها برجاً على كيان اصتنت علاء فيه لحفيف جناح الرحمة ولزقزقة فراشات النوبة مشبعة بغريزة البر وتدبيره يوم الخميس منطلقة نحو الأوجاع النوبية وأفراحها كلها بغير فرز

5-البرجوازية الصغيرة وقلة عقلها: حين أعجب عبد الخالق بالترابي الجد
كنا في مجلس  ما مع أستاذنا عبد الخالق محجوب في نحو عام 1968 لا أذكر أين أو حول ماذا. فاقترب أستاذنا مني وقال:
-    وا مغصتي النصيحة قطعت مصاريني. عبارة قوية جداً.
واضح لي وقتها أن أستاذنا إنما كان يشير إلى مقال نشرته في نفس يوم المجلس أو نحوه استعنت فيه بهذه الكلمة المنسوبة إلى الشيخ حمد النحلان (1693-1704) الجد الأكبر للدكتور حسن الترابي. وقد أسفت دائماً لطريقة المحدثين في قراءة سيرة هذا الرجل المميز بسلبية على ضوء برمهم بحفيده الذي أشربهم كأس مر الهزائم حتى أذهلهم عن حقائقهم. فقد اتخذوا من زعم الجد المهدية (مرتين في مكة وسنار) تكأة للنيل من حفيده الداعية لدولة دينية. فقد صوروا "هوس" الحفيد الديني كعلة في شفرته الوراثية تدلت إليه من جده القديم.  وقد ظلموا الجد ظلماً بيناً. وربما ظلموا الحفيد أيضاً إذا كان هذا هو محصلة تحليلهم لدعوته الدينية. فمثل هذا التحليل "قطيعة مجالس" وإضراب عن المعرفة قولاً واحداً.
ولا أعرف ترجمة في طول كتاب "طبقات ود ضيف الله"(الذي أحسن إليه بالتحقيق أستاذنا البروفسير يوسف فضل حسن) وعرضه تضاهي ترجمة النحلان درامية وعزيمة وفحولة . فمشهد تحوله المفاجيء من مسائل الفقة المتفننة إلى طلاقة الصوفية وخيالاتها ينتظر  مخرجاً سينمائياً أو مسرحياً جهبذاً يدركه بحيل فنهما. فقد جاءه حواره صباحاً بمختصر خليل الجامع لفقه السادة المالكية يريد أن يأخذ عليه درس اليوم. فقلا له النحلان: "أنا وخليل اتفارقنا ليوم لقيامة". وبلغ من زهده في الدنيا أن سأل زوجته أن تقبل بالطلاق منه لأنه قد سٌلِب لذائذ الدنيا وشهواتها. ورشح لها أن تبني بعده بابن عمه الشاب الحدث الذي ما تزال في بوله بذور الذرية. ودخل النحلان خلوة من بعد ذلك. ورتبت زوجته لإخراجه من غاره. فحشدت خادمه الأثيرة وأبناءه وبناته الثلاث في كورس أحدق بالغار يرجونه الخروج من معتزله. فما أفلحوا. وقد أدب جسده على طريق الصوفية فعاش بالكفاف حتى هزل جسده وهذا مصدر تسميته ب "النحلان".      
قابلت الترابي عام 1969 لأتحرى منه مناشيء دعوته الإسلامية. فوجدته حسن الاطلاع على سيرة جده وله نظرات قيمة في تفسيرها. فهو غير معني بمهدية الجد إلا في سياق حركته كناشط إسلامي متميز في عصره العصيب. فقد أشفق على المسلمين من ظلم دولة سنار التي اضطربت دائماً واحتربت نتيجة لصراع عظمائها وما جره من ويلات على غمار الناس. وقد توقفت أنا دائماً عند ضروب الأتاوات المفروضة على مزارعي ذلك الزمان. فمتى قرأت وثيقة من وثائق تمليك الأرض عند الفونج رأيت قائمة العوائد المسرفة المقررة على المزارع. واسترعت انتباهي فيها دائماً أتاوة اسمها "سِبلَة". وهي في اعتقادي عين قولنا "ما عليك سبلة عليّ " أي مطلب أو التزام. وقد بقي المصطلح في "ذاكرة اللغة" كما يسميها الدكتور عبد الله الطيب. فقد قال إننا نقول "مِتَفِح" للصبوح نائر الوجه تشبيهاً له بالتفاح بينما أرضنا لا تثمر هذه الفاكهة. فتشبيهنا لبهاء الطلعة بالتفاح ضرب من ذاكرة اللغة.
خرج النحلان من وعثاء الفقه إلى الصوفية (بما فيها زعم المهدية) كحالة من الحركية السياسية. فمن رأي الترابي الحفيد أن جده ناشط سياسي. فالدين عنده قوة في طلب التغيير والحق. وقال في حجته على ذلك إنه اٌشٌتهر عن جده النحلان الترابي قول الناس عنه "واقع علي ود الترابي". وروى ما جاء في كتاب الطبقات من أن جده كانت تأوي إليه الناس المٌرَوعة في عصر الفتن الفونجية وطموح صفوتها المدجج للاستئثار بالحكم. وكان يؤمنهم من خوف ويطعمهم من جوع. ولذا قالوا إنهم وقَّاع عليه طالبين جيرته وحمايته. وفي غير ناحية الدين يطلق السودانيون على مثل هذا الرجل "الكاب" في عربيتهم يصفونه كغطاء لهم من الأذى.
ولم تقف مجازات عامة المسلمين عن فداء النحلان الترابي عند هذا الحد. فقد وصفوه أيضاً ب "شائب الصوفية أب سماً فائر". وهذا في معنى أنه غضوب في الحق. ومعلوم أن من بين "فقراء" عصر الفونج، صفوة زمانهم، من ساءهم طغيان الحكام والرجال من حولهم فغضبوا غاية الغضب للحق. فأمتنعوا عن أخذ عطايا الحكام أو القدوم إلى بلدهم أو بلاطهم. فالمروي عن الشيخ خوجلي أبو الجاز أنه كان يزود المتظلم من حاكم دهري بطينة تكون معه متى عرض على الحاكم الظالم تفزعه وتنجيه. ولا يصحبه إلى الحاكم ولكنه يعده أنه متى جاءه فسيريه نجوم القائلة. وهذا كثير في الطبقات عن صفوة الفونج إلا أن النحلان الترابي كان أمة وحده.
أزعجني من زملائي المحدثين (والله نسال أن يهديهم إلى حداثة كريمة)  أنهم "طَبَلوا" الترابي في تاريخ جده النحلان. فجعلوا منه "حامل تقليد" كما نقول في علم الفلكلور. بمعنى أنه  مقيد إليه كالحمير تحمل أسفارا لا يملك منه فكاكاً ولا يعيد استنهاضه بتغيير. أما الترابي الحفيد نفسه ،كما رأينا ، لا يقيده التقليد ويرواغ به ويزاوج أشواقه بأشواقه. فشكل الترابي سيرة جده بما يناسبه هو كناشط إسلامي خرج إلى تحكيم الدين الحق العدل في حياة الناس بما سماه "أوبة الدولة أو توبتها إلى الدين". وإذا احتار المحدثون في "من أين جاء هؤلاء الناس؟" فليعلموا علم اليقين أن الترابي شخصياً (ولا أعرف عن الآخرين) جاءهم من طلاقة فطرية رمت بعصاها فإذا هي الحية التي تسعي وما عداها خشب مسندة.
أين أنا وأنتم من أستاذنا عبد الخالق في هذا الحديث الذي استطردنا فيه عن الترابييَّن: الجد والحفيد؟ لسنا بعيداً جداً. فقد أردت بالاستطراد بيان السياق التاريخي لعبارة الترابي "وامغصتي النصيحة قطعت مصاريني" التي اصطفاها أستاذنا من دون بقية مقالي وميزها في حديثه المقتضب لي في ذلك اليوم من نحو عام 1968.

6-البرجوازية الصغيرة وقلة عقلها: عبد الخالق واقع علي ود الترابي

أباس ما في العقل البرجوازي الصغير المتعلم أن المدارس (التي زودته بحرف وصنائع لا تربية) قد باعدت بينه وبين ثقافته وصورتها له كأضغاث بدائيين أو ترهات شرقيين. ووصته أن حدوث النهضة قرين بالقضاء على هذا التراث المعيق. وانقسم المتعلمون: شيعة تمسكت بالتراث واسترذلت عداه وشيعة استرذلت ما عداه واستعصمت بالتراث. ومن رأيي أنه حتى من استعصموا بالتراث فعلوا ذلك بمصطلح مستمد من الغرب. ولذا باء مشروعهم الحضاري بالخسران. فتلك قصة أخرى. والشاهد أن محنتنا في وجه كبير منها ثقافية ومن ورز جماعة بلا وجدان. وليس بعد الخلو من الوجدان ذنب.
من المتفق عليه أن استاذنا عبد الخالق محجوب كان على ديباجة سودانية. والديباجة هي طابع الشيء وعنوانه. نقول كتب على ديباجة اللغة العربية ولا نعني أنه كتب باللغة العربية فحسب بل على سليقتها وقاعدتها والمتوقع ممن يكتب بها. ومن أميز من قال بديباجة عبد الخالق السودانية هو السيد محمد أحمد محجوب في كتابه "الديمقراطية في الميزان". وسأتخذ هذه الديباجة سبيلاً لفهم لماذا استطاب عبد الخالق كلمة الشيخ النحلان الترابي: "النصيحة قطعت مصاريني" التي توقفنا عندها طويلاً في ما سبق.
مما يحير أن تقع هذه الديباجة السودانية لرجل موصوف باستيراد الأفكار والتفريط في تقاليد الأمة والضلوع مع من لن يرضى عنا أبداً: النصارى واليهود. وسيزول هذا اللبس متى علمنا أن عبد الخالق لم يقع على الماركسية (الفكر المجلوبة) كثمرة شذوذ فكري. لم يَرِدها ديناً يستبدل به ديناً لأنه لم يطلبها كباحث في كٌنه الأديان وسدادها. بل وقعت له ولجيله في سياق حقائق السياسة الاستعمارية والوطنية في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية. فالماركسية نفذت بهم إلى ظاهرة الاستعمار الذي كرهوه بمحض وطنية غراء فغابت أشياء أخرى عنه. وكان كتاب ستالين "الاستعمار المسألة الوطنية" هو لوح هؤلاء الوطنيين الشباب يستنسخونه ويتداولونه سراً تنسف افكاره الجديدة سقوف معارفهم القديمة عنه سقفاً بعد سقف. ومن الجهة ألأخرى أيقظتهم الماركسية على أن الحركة الوطنية مجردة للتحرير لا غير هي فكرة محدودة. وكانت تمثل هذه الممارسة حركة مؤتمر الخريجين وما أعقبها من أحزاب. فقد تفتح وعي هذا الجيل على العدل الاجتماعي أيضاً. فإن لم تستردف الفكرة الوطنية  مشروعاً اجتماعياً يستنهض الأمة ويسعد غمارها به باخت وتهافتت وأحزنت.
عثر عبد الخالق على الماركسية في بحثه عن بارقة تنسق بين العقل والوجدان. فقد نشأ بين جيل في لطام بين الانكفاء على الثراث أو التهافت على الغرب. فعثر على الماركسية ليخرج من هذا العكر الثقافي. وبتبنبها باعدت بينه وبين التناقضات العقلية والفكرية. ووصف شفاء الماركسية لمن أخذ بها من جيله بقوله إنهم وقفوا على مشارفها فطاب مراحها والمشرب.
لقد مست كلمة الشيخ النحلان الترابي شغاف عبد الخالق لأنها من شفرة الثقافة السودانية العربية الإسلامية في الصدع بالحق: "إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلا". فكلمة الشيخ هي مدار  تلك الأمانة التي لم تحتمل ثقلها الجبال الراسيات وتحملها الإنسان وكان ظلوماً جهولا. ولذا شقي حملتها المستقيمون عليها مثل الشيخ حتى هَرَت كلمة الحق مصارينهم: لا خير فيهم إن لم يقولوها وإن قالوها لقوا الأمرين نكالا. وكانت هذه الاستماتة في الحق هي المصدر من ثقافتنا الذي فتش عنه عبد الخالق لتدخل الماركسية امتداداً له لا خصماً عليه ولا نكوصاً عنه. فقد سأل مثقفي الشيوعيين في تقرير مؤتمر الحزب الرابع "قضايا ما بعد المؤتمر الرابع" (1968) اكتشاف أفضل مصادر حضارتنا وثقافتنا حتى تتنزل عليها الماركسية تجديداً للمعرفة وسط شعبنا، تجديداً لمصادر حضارته وثقافته.
وقد انتخب عبد الخالق قيمة الصراحة المميزة لمجتمعنا القديم ليبين لنا كيف تكون الماركسية فكراً وممارسة تجديداً لهذا المعنى المركوز فينا. فقد توسع في هذا الرابط بين تراثنا والماركسية توسعاً كبيراً في خطبة دفاعه أمام محكمة عسكرية للشيوعية الكبرى انعقدت له في 1959. فقد صوب شواظ سهامه نحو ما ذاع وقتها- وما يزال- من خرق الماركسية للتقاليد السودانية. وقال إننا نفهم إن هذه التقاليد تركزت في حب الحرية والكرامة والصراحة والشهامة. وقد انحدرت إلينا من المجتمع القائم على الملكية الجماعية للقبيلة.
ومن رأي عبد الخالق أن الماركسية والماركسيين السودانيين مددوا هذا  القيم الفاضلة والخيّرة والثورية من ثقافتنا في ممارستهم وفي فكرهم. فمن جهة الممارسة وقف الشيوعيون ألفاً أحمر ضد الاستعمار الذي عرَّض قيمنا في الشهامة والصراحة لمحنة كبرى. فيوم ضرب الذل والمسكنة المكابرين اليوم بالقيم السودانية ممن قبلوا بالاستعمار ضربة لا زب "وقف الرجال ذوو الفكر الشيوعي والوطنيون في رجولة وثبات ضد المحتلين الإنجليز لم ينكسوا الجباه ولم ينفذوا أمراً للمستعمرين. وهذه هي التقاليد السودانية التي حق لنا أن ندافع عنها" أو كما قال.      
أما من جهة الفكر فدعوة الشيوعيين للطريق غير الرأسمالي في التطور (حتى الاشتراكية) هي الخطة الوحيدة المعروضة في الساحة لاستنقاذ القيم السودانية من غائلة الزمن. فقد تناسلت هذه القيم من المجتمع القائم على الملكية الجماعية للقبيلة كما ورد. وستزول تدريجياً متى تداعى أساسها هذا وستتفرق أيدي سبأ. فقال: "وهذه التقاليد عرضة للإنهيار بالتدريج إذا تحطم أساسها واندفعت البلاد في طريق الأنانية والفردية التي تٌعَبر عن المجتمعات الرأسمالية والإقطاعية. والذين يقودون البلاد في هذا الطريق هم المسئولون عن ضياع القيم التي نعتز بها. وهذا ما جرى للكثير من البلدان التي سارت في ذلك الطريق المؤلم الذي تحف به الأشواك من كل جانب. لا أظن عاقلاً يستطيع اتهام الفكر الشيوعي بهذه التهمة (أي نبذ التقاليد السودانية) فليفتش الباحثون عن غيرنا في هذا السبيل".
ولا أعرف من نعى تناقص الصراحة في مجتمعنا وإغراق الناس لذمتهم مثل ما فعل عبد الخالق في وقت باكر من عهدنا بالاستقلال. والصراحة كما تقدم قيمة نسبها عبد الخالق لطلاقة رجل الجماعة السودانية التقليدية وأنثاها ممن لم تحل خشية إملاق دونهم وقولة الحق. فهم شركاء في الكلأ والماء والمراح والحقل وغيرها من وسائل الانتاج . . . لا أجراء. فقد كان خطابه أمام المحكمة العسكرية نفسه ممارسة للصراحة لم يخش فيها لومة لائم أو بطش باطش. واستعان لبيان قيم الصراحة والفداء بقوله "إننا نقول الحق ونقول للأعور أنت أعور معبرين بذلك عن أسمى القيم السودانية والبشرية. ولكن إذا أصبحت في بلادنا دولة بوليسية فإن قولة الحق تصبح في محنة وتٌضرَب تقاليدنا السودانية في الصميم".
ولا أعرف من رثى له عبد الخالق لتنصله عن الصراحة مثل ذلك الصحفي الذي روض نفسه على تلك القيمة ثم ما لبث أن تقاعس عنها. فقد جاءت الشفقة عليه مرتين على لسان عبد الخالق لو اسعفتني الذاكرة. فقد ذكره في عمود كان يحرره خلسة بتوقيع (ع م) بجريدة الأيام. وددت لو أن الأستاذ محجوب محمد صالح ثبتني على هذا الاستنتاج أو قنعني فيه. وليس نص العمود بيدي حيث أكتب هذه المقالة لوضعه من حيث اليوم والشهر والسنة. وذكر عبد الخالق هذا الصحفي مرة ثانية في دفاعه أمام المحكمة العسكرية. وقال إن مصادرة الحرية في ظل نظام عبود هو الذي يؤدي بالناس إلى التفريط في القيم السودانية، لا الشيوعيين. فقد قال إنه تابع حملات شعواء شنها صحفي لم يذكر اسمه ضد المعونة الأمريكية على أيام حكم السيد عبد الله خليل (1956-1958). ثم قرأ لنفس الكاتب يشيد بالجوانب الإنسانية للمعونة الأمريكية بعد أن قبلها نظام الفريق أبراهيم عبود (1958-1964). وعلق عبد الخالق: "وقد تألمت كثيراً يومذاك لأنني أعرف جيداً خطر هذا الطريق على تقاليدنا وأعرف الألم الذي عاناه الأخ الكاتب وهو يكتب أمراً ضد رأيه ومعتقداته".   
لربما وجدنا في الذي رأيناه من مزاوجة عبد الخالق بين التراث والماركسية (في النظر والممارسة) مفتاحاً لفهم أفضل لماذا اتفق الناس على تمتعه بديباجة سودانية غراء على "استيراده" الواضح لفكرة من سوق نظريات الدنيا. فالواضح أن السودانية حمالة أوجه متى تعلق بها الوسيمون من الناس لا الرسميون من الكهنة.