1- عودة دي ماركس

 اشتريت من دكانة الصحف بمطار أمستردام جريدة "يو إس آي تودي" وكتاباً صغيراً  (130 صفحة) عنوانه "رأسمال ماركس" صادر في سلسلة "كتب زلزلت العالم". وهو كتاب عن "رأس المال" كتاب كارل ماركس الذي تواترت الأنباء عن رواجه في ظل الأزمة الاقتصادية الناشبة بالعالم حالياً. ولم اكتشف الرابطة الوثقي بين مبيعاتي في ذلك الصباح إلا بعد أن رأيت الكاريكتير بالجريدة. ففيه طفل مستشيط غضباً يصرخ لأمه:"ماما جيمي قال لي كلام السفاهة". وفي مقابل الطفل المستشيط وقف جيمي بوجه غاضب متحسب للعواقب. والكلمة السفيهة التي أغضبت أخاه معلقة على رأسه تقول: "يا رأسمالي". فلم يكن صعباً بالطبع أن اقيم العلاقة بين الجريدة والكتاب. فالرجل ذو الدقن الدائرة، ماركس، هو وحده لا غيره الذي جعل من كلمة "رأسمالي" كلمة سفيهة. يكفي القول في سفه هذا الرأسمالي ذائعة الشركة التي أنفقت 165 مليون دولاراً حافزاً لرجال أعمال فيها وفي غيرها من مال امتصته الإدارة الأمريكية من دم دافع الضرائب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الشركة. وهي نفس الشركة التي أفلس بها من أمطرهم دافع الضرائب  بشآبيب الإحسان.كتاب ماركس قصة لوحدها في المماطلة بالنشر من فرط طلب الإحسان والإصابة. فقد طال حمل ماركس لكتابه نحو 20 عاماً منذ نشر مقدماته في 1844 حتى صار كتاباً سويا فصدر جزؤه الأول في 1867. ومات ماركس قبل أن يحرر الأجزاء الأخرى التي تولى أمرها خدن روحه فردريك إنجلز وآخرون. كما ساهم في هذا العطل إملاق ماركس وصنوف المرض التي تعاورته. كان بوسع ماركس أن يكتسب عيشاً رضياً كأستاذ فلسفة في بلده ألمانيا بعد حصوله على الدكتوراة. ولكن نفسه أبت إلا أن ينغمس في السياسة الراديكالية ضد الإقطاع والاستبداد الملوكي فيهاجر إلى فرنسا ثم انجلترا التي كتب فيها "رأس المال". كما وجد أن العيش بين الأكاديميين يوماً بعد يوم مما لايطاق. وتساءل: من يريد أن يتحدث دائماً إلى الأكاديميين الذين وصفهم بأبي ظربان وهو صنف حيوان خبيث الرائحة. كما كره فيهم أنهم لا يجتذبهم البحث عن شأن ما إلا ليقف حمارهم عند عقبة كل ركن من أركان العالم. كان مما أخر صدور الكتاب أخذ ماركس لنفسه بالشدة في تحصيل المعرفة. ففي انجلترا عكف على دراسة الاقتصاد السياسي الذي اشتهرت به ليستكمل معارفه المستحصلة من الفلسفة الألمانية والسياسة الفرنسية. وأحسن الفرنسية حتى أنه راجع مترجم كتابه فيها. فأخذ عليه هنات في بعض فقراته وتولى ترجمتها نيابة عنه. وكان ماركس ممن يتعلم خلال الخدمة أي خدمة الكتاب وتأليفه. فقد توقف عن التأليف ليدرس اللغة الروسية حتى يتمكن من دراسة نظم تملك الأرض عند الروس. وتوقف كذلك ليدرس الرياضيات مرة  وحركة أجرام السماء. فقد اعترضته في 1857 أو نحوها مسألة رياضية اضطر معها لأخذ كورس عاجل في الجبر لتخطيها. وقال إن هذا التعليم  خلال الخدمة لازم لمن يريد أن يرتاد بالناس آفاق المعرفة. وتأخر صدور الكتاب كذلك لأن ماركس  "متلقي حجج". يترك ما ببده من تأليف  ليجادل المهاجرين الليبراليين الألمان ويسفه أحلامهم. فهو لا يقاوم إغراء وقاية الجمهور من الزيف التقدمي  لأن رأيه أن الناس ستتبع الاشتراكي الزائف بأكثر من إتباعها لمناصر للملكية. فكان يهجر رأس المال ليصدر كتب لجاج وحجاج.وكان ماركس مفلوكاً كبيراً. والفلاكة هي حالة إملاق خاصة بمن أدركتهم حرفة الكتابة.وقال مرة وقد انتاشه الفقر إنه لا يعتقد بأن هناك من كتب عن النقود مثله وهو الذي خلا وفاضه منها.  وقد أعانه إنجلز دائماً ولكنه ظل عائلاً. فقد طرده صاحب عقار من شقته في 1850 لأنه لم يدفع الإيجار. وأحدق بماركس الدائنون من الجزار والخباز    يطلبون السداد. واضطر مرة لرهن كل ملابسه للخلاص منهم حتى قال إنه لم يعد يخرج من المنزل لأنه لم يجد ما يرتديه. وأطعم أسرته مرات كثيرة خبزاً وبطاطساً لأنه لم يقو على شراء اللحم. وبقي أثاث منزله رثاً مترباً. فشغلت الأسرة (زوجة و أطفال) وماركس والمربية غرفة صغيرة وخصصوا الغرفة الأخرى مكتباً لماركس وملعباً للأطفال ومطبخاً. وتتالت على الأسرة المصائب. فقد مات ابنه قويدو في 1850 وماتت فرانسيكا الرضيع في 1852. أما إدجار، طفله المدلل، فمات بالسل في 1855. ولم يتمالك ماركس نفسه وطاش عقله وكاد يرمي بنفسه في القبر من بعده فرقاً لولا أن حبسه حابس.   ولعب المرض دوراً كبيراً في عطل ماركس عن انجاز الكتاب في موعده. وقال مؤلف الكتاب الذي نعرض له إن جسد ماركس ربما كان يحتج بالمرض لكي يتنصل عن مواعيده مع الناشر. فقد حرمه المريء لأسبوع طلاقة التفكير والكتابة والقراءة او أي شيء آخر. وتعاورته أوجاع الكبد. فمتى كتب أو قرأ لساعات أحوجه ذلك  لأن يخلد للراحة لأيام. واستعمل ماركس لوصف هذه الراحة بالغصب  عبارة "أبقى بوراً " وهي الأرض التي تترك بغير زراعة حتى تتدراك خصوبتها لموسم قادم. وعاني في سنة أخرى من تقيح الجلد وتفسخه وكذلك الآم الكبد. فمنعته من مواصلة التأليف. وكتب الصفحات الأخيرة من مخطوطته وهو واقف عند منضدته لأن التقرحات الملتهبة في صلبه جعلت الجلوس على الكرسي مشقة غير محتملة. ورفض أن يتناول المضاد الحيوي للعلاج لأنه يبلد مخه بينما احتاج هو إلى اليقظة. ولما قرأ إنجلز بعض ما كتبه صديقه تحت تأثير المرض لاحظ بعين فاحصة ضعف تلك الفقرات المكتوبة وقوفاً. ولما صارح صديقه بذلك قال له ربما جففت تلك الآلام  بالفعل أسلوبه شيئاً ما. وقال لاعناً: "على كل حال أتمنى أن البرجوازية ستتذكر تقرحاتي هذه حتى يوم وفاتها. أي جماعة من الخنازير هم؟". وصدق ماركس في هذه اللعنة للبرجوازيين إن لم يصدق في أي شيء غيرها. فقد ذكروه كما رأينا في المدلهمة الاقتصادية التي أحوجتهم لقراءته طلباً لحكمته. كما اتفق على "خنازيرية" البرجوازية كل من علق على فضيحة حوافز المديرين التي عض بها الرأسماليون يد دافع الضرائب التي تقدمت لإسعافهم. ولهذا امتعض الطفل لأن أخاه جيمي قال له كلام السفاهة: "يا رأسمالي".    

2- براءة الحمامة ومكر الثعلب

  وجدت أن الكاتب الأمريكي من أصول بريطانية قريبة كريستوفر هتشن قد سبقني إلى عرض كتاب "رأسمال ماركس" لمؤلفه فرانسيس وين (2006) بمجلة "الأطلنطي" (أبريل 2009). وهتشن كتَّاب كتابة يا ناس. لم ينقص مقامه كمؤلف نصيح عندي أنه انساق مع دعوة المحافظين الجدد لغزو العراق. وذاق الأمرين من اليسار الذي كان نجماً في سمائه المحدودة هنا وبخاصة على صفحات مجلة "النيشن". فقد أوسعوه مما يستحق ومما لا يستحق. وكان (وربما لايزال) ماركسياً تروتسكساً. ويعجبني قلمه بكبواته. وأضعه في مقام الكاتب البريطاني جورج أوريل (صاحب روايه مزرعة الحيوانات التي بَشَّع فيها بالنظام الاشتراكي) الذي فتنت به في الستينات وحتى يومنا. واجتمعت عندي المتع كلها حين كتب هتشن عن أوريل كتاباً صدر منذ عهد قريب. أبو الكلب.كان عنوان عرض هتشن لكتاب رأس المال هو "جاكم تاني". وأطرف ما فيه النادرة التي بدأ بها كلمته. فيروى أن إذاعة البي بس سي استطلعت في أول عهدها معاشياً بلغ أرذل العمر وكان خدم بصالة الإطلاع بالمتحف البريطاني خلال العهد الفكتوري (معظم القرن التاسع عشر). وسألوه لو يذكر كارل ماركس  المشهور عنه أنه كان  يلازم المتحف البريطاني من التاسعة صباحاً حتى السابعة مساء. فلم يتعرف عليه المعاشي ذو النفس القائم من فرط الكبر. ولكنهم استدرجوه وغذوه بمعلومات عن صورة الرجل وعاداته من هنا وهناك. مثل أنه كان شديد الانتظام بالمتحف طويل الدوام، يحرص على الجلوس في مقعد بعينه، عظيم اللحية، يعاني من تقرح الجسم، وكثير التناول للغداء بكفتيريا المتحف، ومهتم بكتب الاقتصاد السياسي. فعرفه. وقال: "دا ما مستر ماركس. والله تور نفسنا بالمراسيل كتاب ورا كتاب ومجلة ورا مجلة" ثم اضاف:"ويوم تب وقف من الجية. وعارف الحكاية الغريبة. ما في زول تاني سمع عنو أبداً".  وقال هتشن بحسه الدقيق إن عامل المتحف هو لا شك واحد من البروليتاريا التي اجتهد ماركس طويلاً ليزيل غبار الوعي الزائف عنها.فأنظر كيف خرج عنه ماركس ولم يعد: شيوعي، غزير اللحية، متقرح الجلد، دين كلب.   لم يلق رأس المال رواجاً لدى صدوره أول مرة. ولربما لم يجفه القراء بسبب خصومة عقائدية أو سياسية بل باعد القراء عنه كونه كتاباً فكرياً عميقاً. فلم تنفد طبعته الأولى ( 1000 نسخة) إلا بعد مرور 4 أعوام. وقال ماركس إنه مؤرق للصمت الذي طوق كتابه. وسارع إنجلز وآخرون بعرضه على صفحات الجرائد بعبارات عدائية بأقلام مختلقة  لكي يلفتوا إليه الانتباه عملاً بقول سيدنا المسيح إننا ينبغي ان نكون في براءة الحمامة ومكر الثعبان. ولكن راسمال راج في روسيا. وقد أجاز الرقيب القيصري نشر ترجمة له لأنه لم يذكر روسيا بقليل أو كثير. ولم يزد الرقيب عن نزع صورة لماركس عن غلاف الكتاب لأنه خشي أن يتبعه الروس ويجعلوا منه وثناً. وقال الرقيب في تقريره إن قليليين هم من سيقرأونه وأن القلة بينهم هي التي ستفهمه. ونعلم كلنا كيف جرى تطبيق نظرية هذا  الكتاب لأول مرة في هذا البلد بالذات الذي ظن الرقيب إنه بريء منه. وقد استعجب ماركس من هذا الاقبال على كتابه لدى الروس الذين حارب استبداد نظامهم طول عمره. وتوقف عند معنى هذا الإقبال قليلاً ليقول إن صفوة روسيا تتحرى كتب غرب أوربا الأكثر تطرفاً بنهم أشعبي. وقرأ قادة الثورة البلشفية ماركس. قرأه تروتسكي (المهيب الذي عاداه ستالين وقتله شر قتلة في المكسيك التي لاذ بها خشية الرجل) وهو في المنفي في قرية في سيبريا تنتاشها الحشرات. وقال إنه كان يزيح الصراصير عن وجه صفحات الكتاب ليواصل الإطلاع. أما إنجلترا التي أوت ماركس خلال كتابته لرأس المال فقد أدارت له كتفاً بارداً. فلم تقبل دار ماكميلان نشر ترجمة إنجليزية للكتاب. وقال مؤلف الكتاب الذي نعرض له هنا إن  موت ماركس ولم يترجم في الإنجليزية ربما كان شاهداً على هذه الموهبة البريطانية في الدماكة. وبلغ إهمال البلد لرأس المال حداً قال متعاطف إنجليزي مع الكتاب إن ماركس بيننا مجرد اسم شبحي. فالإنجليز قد يشرفونه بالإساءة إليه أما ان يقرأونه فلا. ولم يتوان ماركس في القول إن انسداد الذهن موهبة مقسومة لكل بريطاني بالميلاد. وحتى من تأثر به من الإنجليز للحد الذي نقل منه صفحات بأكملها تغاضى عن ذكر الكاتب والكتاب. وكان عذره أقبح من الذنب. فتذرع بأن الإنجليز يكرهون الاشتراكية علاوة على أنهم يأنفون ان يجلسوا عند قدميّ أجنبي يتلقون عنه علماً. ووصف ماركس فعلة ذلك الرجل بأنها نصب عديل. وصادف الكتاب مع ذلك حظاً من الذيوع هنا أو هناك. ولكن أكثر من أعجبه الكتاب هو برنارد شو المسرحي الإنجليزي المعروف. فقد قرأه في الفرنسية بالمتحف البريطاني الذي كان ماركس يغشاه بإدمان للإطلاع وبحث مادة الكتاب. وقال شو لما قرأ رأس المال إن تلك كانت لحظة انعطاف في حياته. وزاد بأنه جنى من ماركس فتحاً فكريا غير مسبوق. فقد فتح عيونه لحقائق التاريخ والحضارة وأعطاه مفهوماً طازجاً للكون وأفاض عليّه رسالة في الحياة وأصبحت له فيها غاية. ولكن شو لم يكسب جماعته الفابية الاشتراكية ولا حزب العمال لماركس لأنهما ابتعدا أبداً عن تبني منهج الصراع الطبقي. ومن بين من قرأه من الإنجليز وليام موريس الاشتراكي. وهو من كتب عنه الدكتور محمد عبد الحي رسالته للماجستير لو صح استرجاعي لقول عبد الحي لي ذات يوم. أما موريس فقد أحسن غاية الإحسان إلى من ورث نسخته المجلدة. فقد بيعت بمبلغ 50 ألف دولار في عام 1989.  وبرضو بتقول ماركس طفش وين يا جماعة الخير. 

3- ماركس وعلم الاستضعاف

 صدعتكم بعرض كتاب فرانسيس وين عن "رأس مال" ماركس.  وأعد بأن تكون هذه الحلقة الأخيرة منه. ومن فقرات الكتاب التي استوقفتني مقالة أحدهم عن أن ماركس قد اكتشف بنباهة قارة جديدة مجهولة. وزاد بأن هذا الاكتشاف لا يعني أنه قد أحسن رسم خرطتها بصورة حوت ووعت. والعبارة هامة بوجهين. فهي تضع ماركس في سياق الحداثة الأوربية التي قامت على أساس عصر التنوير الأوربي الذي بدأ في أوربا في القرن الثامن عشر. ومن الجهة الأخرى يجد منتقدو ماركس في تواضع العبارة ما يكفون به عن "تخريفه" أي تبكيته بأنه قد تخطاه قطار الفكر وأصبح من الخوالف.عصر التنوير الأوربي عصر الاكتشافات الكبري. فأوربا التي تحررت من فقه اللاهوت وقيده أصبحت لا تقنع حتى بما فوق النجوم من جهة إزاحة الأستار عن الكون الغامض. وهو غموض شمل حتى منابع النيل القديم. فلم تكن أوربا تعرف حتى بدأت كشوفها الجغرافية (التي مكنت لها في الأرض) من أين ينبع النيل. وازدحمت أوربا بالكشوف الطبيعية والعلمية. فقد جاء داروين بنظرية النشوء والارتقاء. واحتفل العالم من قريب بمرور 150 عاماً على صدور كتابه "أصل الأنواع". واكتشف فرويد عالم اللاوعي. واكتشف ماركس فائض القيمة في الرأسمال. ولن أفصل لأن "فائض القيمة" كان من اختصاص الرفيق عثمان أمان شرحاً أو دغمسة في مدارس الكادر لا يقبل بغيره مثل لوح في مولد الختمية. ونقول عن هذا الكشف عرضاً هنا إن ماركس اكتشف أن السلع ينتجها عمال بشر ولا يلقون في آخر الشهر إلا بعض قيمة عملهم لأن الرأسمالي يستأثر بالباقي. وقد هدم ماركس بهذه النظرية ما ساد قبلها من أن الرأسمالي إنما يثرى بسبب استثماره في السلع وصبره عليه لا يبدد مدخراته مثل ما يفعل الآخرون. وعلى هذا فماركس مكتشف قارة السلعة.لم تسلم إياً من هذه الاكتشافات لعصر التنوير من التنغيص والنقض. فنظرية فرويد في العقل الباطن  ما تزال تثير الثائرات. ومهما قيل عن فرويد فهو ما يزال يلقي بأثره على علم النفس. وقد أتيح لي مؤخراً أن اقف على الطريقة الذكية التي وظفه بها علماء دراسات ما بعد الاستعمار لدراسة الدافع الجنسي ومظاهره خلف استعمار أوربا لغير الأوربيين. اما عن دراوين فحدث ولا حرج. فقد نوهت من قبل بفيلم "محاكمة إسكوبس القردية" الذي صور واقعة جرت في ولاية تنيسي الأمريكية عام 1925. ففي ذلك العام جرت محاكمة مدرس اسمه جون إسكوبس لأنه خالف قانون معروف ب"قانون بتلر" حرم تدريس نظرية النشوء والارتقاء في مدارس تنسي التي تمولها الدولة. وقس على ذلك قرار ولاية كنساس الذي منع تدريس النشوء منذ سنوات. والمعارك ما تزال على أشدها لاستبدال النظرية بغيرها.وعليه فنقض ماركس مما ينبغي أن ينظر إليه في سياق هذه الردة على الحداثة أيضاً. وإن كان لكشف ماركس خصومه في دوائر المال والسياسة لأسباب معروفة. وهذا لا ينبغي أن يعمينا من أنه اكتشاف أوربي وقع في سياق عهد الأنوار الأوربي. ومعرفته بالتالي واجبة علينا لأننا نقع من أروبا موقع الضحية. ولن نغادر هذه المحطة السفلي بغير معرفة وثقى بالمجريات الأوربية عن كثب وبحمية. وهذا فحوى حجتي ليقوم بيننا علم الاستضعاف. وهو علم نقد اوربا لا مجرد الاستشهاد بها مثل: " قال العالم الأوربي الفذ فلان بن علان". وتكفينا حجة رنين اسمه ولقبه وبلده. وأن نهجر للأبد الطريقة الجغرافية الشمولية في تقويم أوربا مثل قولنا هي مادية ونحن روحانيون أو هي حديثة ونحن متخلفون. فهذا باطل وقبض ريح.ماركس مستحق للنقد بلا تثريب. وقد نقده إدورد سعيد مؤسس علم الاستضعاف بغير هوادة في نظرته للاستعمار. ومع ذلك كانت العبارة الافتتاحية لكتاب سعيد "الاستشراق" مأخودة من ماركس نفسه. ولكن ما أزعجنى مؤخراً الطريقة التي ارتد بها بعض الماركسيين عندنا عن شيخهم. فلم أر منهم كبير عناية بترسم مقتضى علم الاستضعاف الذي هو العلم المستقل بأوربا. فقد نظرت في ورقة "آن أوان التغيير" التي كتبها الأستاذ الخاتم عدلان قبل خروجه على الحزب الشيوعي وطلب فيها تخريد الماركسية لإنتهاء عمرها الافتراضي. فهو مثلاً يقول إن عصرنا شهد ثورة تكنولجية لم يعرفها ماركس ولم ينظر فيها. وهذا حق. ولهذا السبب استحسنت كلمة الذي قال إن قارة ماركس المكتشفة (وهي الرأسمال) لم تكتمل ولم يطو السجل على شهادة بحثها بعد. وأضرب على ذلك مثلاً سخيفاً لمجرد التوضيخ. فقد "اكتشف" كولمبس قارة أمريكا وهي الآن غير ما كنت على عهده بمراحل فلكية. ولكن الكشف باق لكولمبس وللعوامل الاقتصادية والسياسية التي جعلت فتحه ممكناً. فتغير الخارطة لا يلغي الكشف بخاصة لو لم ينهض سبب وجيه لنقضه. فالخاتم لم ينظر لأصل مساهمة ماركس في اكتشافه فائض القيمة الذي لم يقل هو أو أحد غيره  إنه كف أن يعمل عمله في الرأسمالية سواء خلال ثورتها الصناعية أوالتكنولجية. وكل ما ذهب إليه الخاتم هو استعداد رأس المال حالياً ليفيض من فضله على العاملين لإطراد روح الديمقراطية في الغرب. وهذا "السخاء" مما يمكن رده بصورة ما  لقوة النموذج السوفيتي المنتكس في دولة الرفاه الذي أرعب الرأسماليين فأرادوا اقتطاع جزء أكبر من فائض القيمة والسخاء به لمنع تكرار ذلك النموذج. وقد رأينا كيف ارتدت ساتشر في بريطانيا وريقان في أمريكا عن هذا النبل متى تهاوى الاتحاد  السوفيتي. بل رأينا منذ حين قريب كيف تنازل عمال شركات الطيران عن قسم كبير من أجورهم لإنقاذ تلك الشركات السفيهة.       ما كشف عنه ماركس هام لنا جميعاً ممن وطأتهم الرأسمالية مراراً وتكراراً. منا من يقبله بمترتباته فيكون ماركسياً ومنا دون ذلك. أي من يتخذونه أداة للعلم بنظام مذل من أحد أميز نقاده  سهر العمر كله: من التاسعة صباحاً حتى السابعة مساء بمكتبة المتحف البريطاني للتعرف على منهاج الرأسمال. واستغربت للخاتم كيف وصف مشروع ماركس بأنه مجرد نازع شفقة بالعمال الألمان الأشقياء نشأ عليه وشاب. فلو لم يسفر ماركس عن غير الشفقة بالعمال لكان فينا شاعراً. ولكن ماركس دوام على أمهات كتب الاقتصاد السياسي ليخرج بنظرية لا تفسر بؤس العمال بل لتغيره كذلك.

ربما استفدنا من عودة ماركس في ملابسات تهافت الرأسمالية قناعة أن لا يغيب عنا نحن  معشر المستضعفين. فهو أول من سبر غور قارة الرأسمالية في الغرب التي هي أس استضعافنا. فحملة الرئيس البشير ضد الاستعمار الجديد ستبدأ بماركس ولا يهم كيف تنتهي.         

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.