1-بس كلامي أنا الما عرفتوهو
حرصت خلال لقاءاتي بمدينتي القضارف ومدني أن أخرج من أدب المحاضرة بتوجيه الحاضرين أن تقتصر مناقشتهم على أسئلة وتصويبات وملاحظات لا تستغرق أكثر من ثلاث دقائق. وبررت تطفلي هذا على إدارة الندوة بأنني أريد أن أسمع من أكثرهم في الوقت المضروب للقاء. وقد استجاب الحضور بأريحية. فأحصيت نحو 20 سائلاً ومعلقاً في الندوة التي خصصتها لعرض مفهومي لطلب الرئاسة. ولا يعني هذا أن الندوة خلت من جماعة "الامتياز الشخصي" الذين يظنون الإطالة في التعليق امتيازاً مستحقاً بالمنصب أو الجاه أو العمر. وكنت أخشى ما أخشاه هؤلاء. فهم متى انفتح باب النقاش اجتذبوا الفرصة بالوجاهة وأسرفوا في الحديث جداً. فتجدهم وهم الفئة القليلة استأثروا  بفرص النقاش كلها. وخرج الحضور الآخر وخشمهم ملح ملح مستنكرين حظوة أهل الجاه بالتعبير عن آرائهم دونهم. وهكذا دواليك حتى باتت الندوات عبارة عن محاضرة وملاحق لها. أما النقاش فلا يكون. ولم تتكاثر الأسئلة نتيجة لتطفلي على ضبط الندوة فحسب بل رأيت شغف الحضور (فوق السبعين) بمتابعة النقاش والتزام أغلبيتهم كراسيهم بالندوة حتى انتهت قبل منتصف الليل. وأوسعوني اسئلة حتى بعد نهاية الندوة رسمياً. لقد كان لهم فيها "عود" أو "نفقة" فأمنوا لها لم يسقمهم متفاصح أو يزعجهم دعي.
 الأصل في مسعاي كمرشح لرئاسة الجمهورية أن استرد صفوة الرأي والسياسة إلى الإصغاء إلى غمارالناس والتماس رأيهم واستصحاب خبرتهم في نهضة الوطن. فقد تباعد ما بين هذه الصفوة والناس بفعل نظم الحكم الشمولية التي طال مداها. وبدا لي أن الصفوة استحلت هذا "التطهر من الجماهير"، في لغة أستاذنا عبد الخالق محجوب، واستلذت مضغ عقائدها حافة واجترارها بمعزل عن الناس. وزاد من تغاضي الصفوة لرأي العامة عادات فكرية متمكنة من الخاصة. فالأصل في تعليمها (لا تربيتها) أنها طليعة أٌعطيت العلم الحداثي وفصل الخطاب لتخرج أهلها البدائيين من الظلمات إلى النور. فالعامة في هذا المنظور موضوع للتمدين. أما ماانطوا العامة عليه من فكر أو شوق أو دبارة فحديث خرافة على الطليعة أن تستاصل شأفته وتشفيهم منه.
أما عادات الصفوة الأخرى العازلة لهم من العامة فمصدرها المهن التي يأتي أفرادها منها إلى السياسة. خذ المحامين مثلاً. فهم كما قال الدكتور حسن مكي قد تربوا في خلق "المرافعة" التي قد لا يكون فيها من الحق إلا قليلا. كما أنها تٌلقي على جمهور مأسورCAPTIVE AUDIENCE هم حضور المحكمة. كما تربى القانونيون  لدى السؤال على نزع المصداقية عن الشهود بالحق أو الباطل وإلباسها شهود الدفاع وإن شذوا. ولذا شاع عنهم "السؤال التجريمي" أو "الموحي" وكله في معنى أن تسأل بنية غير سليمة. واندلقت حيل مهنة القانون وتقاليدها إلى ساحتنا السياسية والفكرية. فاصبح المحاضر متهماً لا تثبت له براءة أو يٌكتب له برءا من بعد إذلاله وتبخيسه. وقد قال لي خدن الروح كمال الجزولي حين ألحفت عليه أن يخرج عن إضرابه عن التكلم في الندوات ليخص بالحديث برنامجاً  لصديق عزيز: "أنا تاني ما بتكلم. أنا بكتب وبس. وما برد على زول. كفاية ياخي ابتذال". 
ولما كان أكثر حكامنا في أكثر سنوات استقلالنا هم من الجيش فقد أخذ النادي السياسي منه عاداته في الخطاب. فلست أعرف مؤسسة يكون فيها الكلام بمثابة عقاب. فبعض الجزاء عندهم أن يقف مرتكب الذنب انتباه ليسمع ولساعات كلام الطير في الباقير من الرتبة العليا. ويسمون هذا "اصرفلو عربي". ومن أراد أن يعرف خطر هذا الجزاء فليستمع مطولاً لمصاب نفسي ممن تنحل رابطة اللغة عنده فيتكلم كلام طير في باقير. أما الوجه الآخر من خطاب اللغة في الجيش فهو الحديث من عل إلى من هم في الرتبة الدنيا وبصورة وصائية كمثل شرح ما لايحتاج إلى شرح. والحكمة في الجيش عادة تراتبية هرمية فهي تتدلى كالعنقود من عل ولا تتصاعد كالنيل من أسفل. وقد قرأت مرة لضابط نابه عن تجربته في استخدام المثل لرتبة عليا ذاق منها الأمرين. قال الضابط إنه كان وقتها بالكلية الحربية يؤدي طابوراً شاقاً في يوم قائظ. فمر بهم رتبة عليا وشخط في أحدهم بأن يشد حيله لسوء أدائه. فقال ضابطنا الطالب الحربي: "الفي البر عوام". وسمعته الرتبة العليا. وهاك يا مكتب وتبكيت وتنكيد. 
أما أنا فقد نشأت في صنف خطاب من الأصغاء المسئول لسواد الناس أريد له أن يشيع بين أنصار حملتي الانتخابية. فقد نشأت على الأصغاء لتدريبي في علم الفلكلور والإثنوغرافيا. ففي العمل الميداني لجمع المأثورات فالراوي عن القوم هو سيد الموقف تريد له أن يهمي كالسيل. ولا تسأله إحراجاً بل لاستدراره وحفزه ليخرج كل ما عنده. وحتى حين التحقت بالحزب الشيوعي درسونا كتاب "كيف تعقد اجتماعاً ناجحا؟" منعاً للتطويل وليوازن المرء بين القول والصمت. وتعرفت على عهدي باتحاد طلاب جامعة الخرطوم على كتاب "الطريق إلى البرلمان" للزعيم إسماعيل الأزهري الذي أراد به تنوير جيل الحركة الوطنية بضوابط الاجتماع التي لا تنظم فرص التدوال وأشراطه في الاجتماع بل تحمل المجتمعين إلى غاية من اجتماعهم. 
الأصغاء عادة ديمقراطية لأن الحكمة مبثوثة لا يكتنزها اصحاب الامتياز الخاص. فالإصغاء يستقطر الحكمة من حقولها القصوى. وكل الصيد في جوف الفرا. 
2-سين أنجلو بيدا:بين العزة بالثقافة العربية وبين الاستعلاء بها
لن يخلو منبر أكون فيه ممن يؤأخذني على عزتي بانتمائي للثقافة العربية الإسلامية في بلد متعدد الثقافات. ووجدت بندوتي بالقضارف من أثار هذا المسألة ولوح بأن من ينتمون إلى ثقافات أخرى لن يقبلوا بي رئيساً على البلاد. وأنا فاهم لمخاوف من يري أن مثل هذه العزة بثقافتي مفسدة للتعدد الثقافي الذي يميز وطننا.فقد تعاورت علينا نظم مستبدة جعلت من مثل هذه العزة (التي هي ذوق ووجد وإنسانية) سياسة للدولة يكون بها حملة الثقافة غير العربية الإسلامية موضوعاً للتبشير أو الإرغام على هجر تقاليدهم. ولكني فاهم  أيضاً أن مبدأ التنوع الثقافي يعني طلاقة انتماء المرء لثقافته وتحييد الدولة بالكلية في الشأن الثقافي. فهي جهاز لا دين له ولا ثقافة. ولا يعني ذلك أن تتطهر الدولة من نازع الثقافة فتصبح بلا طعم ولا رائحة. فالدولة تتثقف حين تكفل لحملة الثقافات قاطبة وبغير فرز أن يعتزوا بها ويروجوا للمعاني الخيرة فيها.
استصحبت في عزتي بالثقافة العربية الإسلامية وعي يقظ بحقوق الثقافات الأخرى من لدن كتابي "الماركسية ومسالة اللغة في السودان" (1976) و"الثقافة والديمقراطية في السودان" (1996). فحذرت في ندوة بمؤتمر الإعلام والثقافة انعقد بمبادرة من دولة الإنقاذ في 1990 أو نحوه من الاستخفاف بالثقافات غير العربية. وووصفت هذا الاستخفاف بأنه ثمرة من ثمرات نظرية "الخلاء لثقافي". ومعنى ذلك أن الذي يريد فرض ثقافة ما لابد أنه انتهي إلى رأي سلبي في ثقافة القوم. أو هو نفى الثقافة عنهم فأصبحوا مجرد خلاء ثقافي يغري بتبشيرهم بالثقافة الغالبة وجذبم لصفها. 
وبلغ بي الأمر في كتاب الثقافة والديمقراطية أن عرفت التنوع الثقافي بأنه غبن. وقصدت بذلك أن حملة الثقافات غير العربية لا يحسون بأن ثقافتهم لاعبة دور كبير في  حياتهم. فهي ليست مفردة معتبرة في التنوع ينعم بها أهلها بل مفردة مطرودة من موكب ذلك التنوع. فإذا كان ثمة تنوع ثقافي فهم لا يشعرون به إلا كغبن مصدره أن حياتهم مفرغة من ثقافتهم.
ونبهت من أخذوا عليّ عزتي بثقافتي العربية إلى أنها عزة بشرها. وشرها هو ولاء منقطع النظير إلى حقوق الثقافات السودانية قاطبة في أن يعتز بها أهلها فرحي بثقافتي العربية. وسهرت في أعمدتي على الصحف على هذا المعني أميز بين عزة الإنسان بثقافته القائمة على قدم المساواة مع الثقافات الأخري وبين الاستعلاء بها. وأنقل أدناه كلمة كتبتها في      5 فبراير 1989 بعمودي "ومع ذلك" بجريدة الخرطوم احتج على فيها على مشهد من مشاهد الاستعلاء باللغة العربية بين سياسينا "في الزمن الجميل". كما سيجد القاريء سبباً وجيهاً لعزتي بثقافتي العربية الإسلامية حين يرى حديثاً مروياً عن أفضل البشر سيدي رسول الله مشرقاً بالإنسانية داعياً للتسامح وعبور الفروق العابرة في الثقافات إلى بر الإلفة والاتحاد الطوعي للبشر.
فإلي تلك الكلمة القديمة:  
سيذكر دعاة التسامح  اللغوي السيد الصادق المهدي تعميمه السياسي القوي لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم القائل: "إن سين بلال عند الله شين". وكان الحديث هو رد المصطفى على جماعة طلبت منه ألا يسمح لبلال بالآذان لأنه كان لا يحسن نطق الشين العربية فتصدر منه سيناً. وقد كنت سمعت هذا الحديث أول مرة من جار لي عامل دنقلاوي بمربع 5 بحي جبرة في آخر السبعينات. وكان الرجل ورعاً ذا رجولة يأمنا في الصلاة.
وسرعان ما احتجت لهذا الحديث ليطمئنني على سماحة إسلامي وعروبتي حين قرأت تعليقاً فظاً لأحد غلاة العروبيين المتشنجين في الصحافة (24-1-1980). فقد احتج الكاتب على أداء بعض المؤذنين الذين ينادون في قوله "للصلاة بقولهم هيا إلى السلاة، هيا إلى الفلاة بدلاً عن حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح. والفلاة لغوياً معناها الصحراء". وناشد العروبي المسدود أن لا ينهض بالآذان إلا اصحاب اللسان العربي المبين. وحديث أفضل البشر العذب حجة على مثل هذا التزمت والتضييق.
ولكن مما يزعج في حديث السيد الصادق أنه وصف كلمة السيد أنجلوا بيدا في الجمعية التأسيسية في عربيتها "البسيطة" بأنها قبيحة المظهر جميلة المخبر بالمقارنة مع كلمة للشريف زين العابدين ذات المظهر البلاغي الجميل والمحتوى القبيح. وسألت نفسي: إلى أي المقاييس اللغوية والبلاغية احتكم السيد الصادق ليصف كلمة بيدا بقبح المظهر؟ تقتضي السماحة اللغوية والسياسية أن نحس بالدين تجاه من يتطوع بالحديث بالعربية من غير الناطقين بها من السودانيين تقديراً منهم للعربية كوسيط للتفاهم الوطني العام.
"للعتو" بالعربية مصادر عديدية. ومن ذلك تبخيس عطاء الذين يخرجون من فصاحة لغتهم إلى الحديث بعربية "بسيطة". لقد ارتضى هؤلاء الخارجون لأنفسهم النقص ليكتمل عقد الحديث. وفي باب أدب اللغة والتسامح أخذت يوماً على المرحوم الشريف حسين الهندي (وكان وزيراً للمالية في آخر الستينات) تعييره للسيد دريج، زعيم المعارضة، لأنه نطق "القروض" فخرجت منه وكأنها "القرود". واعتبرت ذلك عنفاً من شريف عرفت عنه العبارة الناصعة والذوق العربي المميز.
أعطانا السيد الصادق حديثاً عذباً لأفضل البشر يحتاج له دعاة التسامح لكسر الاستعلاء اللغوي. والناس على دين ملوكهم. ولذا ما كنت أريد للسيد الصادق أن تحمله خصومة الشريف لعقد مقارنة بينه وبين بيدا ظلم فيها الأخير من حيث أراد تزكيته. وقد نظرت مؤخراً في أرنيك لوزارة التربية والتعليم وجدت فيه فيه سؤالاً عما إذا كان الطالب من "الأعاجم". فكلمة "عجمي" مشحونة بالإساءة واستخدامها في دولة متعددة اللغات فيه سوء أدب صريح. فأفصح العرب قاطبة عجمي متى استخدم لغة أخرى.                     
3-تصريح لمزارع من القضارف: رثاء زهرة الشمس
بلغ من هول فساد موسم زراعة زهرة عباد الشمس بالقضارف هذا العام أن صاغ السيد التهامي عبد الله سليمان مأساته شعراً. وللتعريف الأفضل بالتهامي نقول إنه  رئيس لجنة الإعلام باتحاد المزارعين بالقضارف. فقد تدافع المزارعون لزراعة الزهرة في مساحة مائتي ألف فدان. وخسر المزارعون من جراء فساد الموسم "عشرون ملياراً (جنيه) فهل نتعقل؟" أو هكذا قال الشاعر. فلم يحصد المزارع سوى شوال أو شوال ونصف هذا العام في حين حصل على سبعة شوالات في العام الماضي. ورد الشاعر هذه الخسارة إلى التقاوي المضروبة التي استوردها البنك الزراعي بواسطة شركة صافولا:
والبنك مسؤول عليه رقابة   ومن رام حقاً دون حقه يعزل
والزهر مضروب وأمره واضح   وشركات أرباح تحيد تضلل 
كنت قد بدأت الاهتمام بمسألة عباد الشمس منذ بدأت اخبارها الخاسرة تغزو الصحف. وكان النزاع بين المزارعين من جهة وشركة التأمين من جهة والبنك الزراعي من جهة ثالثة. فالبنك الزراعي متمسك بأن تقاويه عال العال. أما الشركة المؤمنة للمزارعين وهي شيكان (التي كانت ستدفع 70% من قيمة الخسارة) فتملصت من التبعة. وتذرعت بنص في عقد التأمين عن الإذعان الذي يعفيها من تعويض الخسارة. وهو نص غالباً ما لم ينتبه له المزارع في عقده معها.
وقفت في تتبعي لمسألة زهرة عباد الشمس عند إعلان نتيجة منتظرة عن صلاح التقاوي أم فسادها. وجاءت النتيجة لغير صالح المزارعين. واسم هذه اللجنة بين المزارعين هي لجنة الإعيسر كما علمت من السيد هارون الصافي نائب أمين اتحاد مزارعي جنوب القضارف. وسبقتها لجنتان. الأولى حكمت بصلاح التقاوي. وحكت الثانية بفسادها. ثم جاءت لجنة الإعيسر وجددت حكم اللجنة الأولى. واستدعت الأطراف لجنة محايدة من جنوب أفريقيا (لا أدري إن كانت هي مصدر التقاوي اصلاً) لم تخرج على الناس بنتيجة بعد.
وجدت في حديث هارون عقلاً كبيراً لم يتوقف عند المأزق الراهن للتقاوي بل وسع مستقبل الزراعة في القضارف. فهو مزارع منذ 1968 وعاش أيامها الطيبة. قال إننا جميعاً، مزارعين وبنك، بلا مصداقية. فقد اختلطت الأشياء. وهو يريد لهما أن يرجعا للعادة الأولى. كان فيها البنك شريكاً للمزارع. فهما توأمان في المبادرة الرأسمالية. فالبنك لا يرهن عقار المزارع بل مشروعه الزراعي. وكان يشرف على الزرع خطوة خطوة عن طريق خبرائه الزراعيين ويسند ذلك بالإرشاد الزراعي. ويجدول الصرفيات على ضوء تقارير مفتشيه بعد زيارات مرتبة للغيط. وكانت هناك خدمات وقاية النباتات. حتى التقاوي كانت تأتي من البحوث الزراعية التي لم تبق منها سوى خرائب في المدينة يستخدمها من أراد لخزن العلف.
من رأي هارون أن الزراعة حساسة. وقال إن البركة انقطعت عن مال البنك الزراعي. فالمال مثل ماعون الروب إذا نزل فيه شيء يتقطع.  وتقطع مال البنك عليه وعلى المزارع بالإعسار لأنه يستخدم ودائع البنوك الأخرى. وفيه مال سحت ملوث كثير. ومن جهة أخرى فهو لا يعفي المزارعين من الذنب بمطالبته أن لا يسلف البنك مزارعاً إلا على ضوء سيرة ذاتية في كونه مزارعاً مداوماً ملتزماً بالسداد. وهو يطلب أن يخرج الموردون للالآت الزراعية من حقول الزراعة لأنهم يستأثرون بالإعفاءات الجمركية عليها ولا يقع للمزارع منها شيء. ولكي ينتفع المزارع من هذه الإعفاءات فعلى البنك الزراعي تولي استيراد هذه الالآت وبيعها بالأقساط للمزارعين.
من حق المزارعين على الدولة والمعارضة معاً أن يستمعوا لفكرتهم الكاملة عن محنتهم ولا يكتفوا بالإثارات السنوية حول موضوع الإعسار. فهم يريدون البنك الزراعي خالصاً لهم مزوداً بقدرات كانت تؤمن الإنتاج الزراعي من المفاجآت. فهم زاهدون بحسب قول هارون من هؤلاء الوسطاء في سوق استيراد الالآت الزراعية والتأمين الزراعي. فهم  زوائد اثقلت على المزارعين. وهارون زاهد فيما يبدو في الموضات الطالعة مثل هيئة المواصفات قائلاً: كيف فاتت عليها التقاوي المضروبة؟ وأين هي من نزاع فسادها وصلاحها؟ وتحسر على كوننا قد أصبحنا كوشة العالم. وهذا ما قال به الشاعر التهامي صراحة:
والداء أصبح ولا من آفة     فإسرائيل تصنع والمصائب ترسل.
فكرت طوال استماعي لهارون ما بوسع حركتي، القائمة الوطنية للنهضة -قون (التي أريد أن استنهاضها خلال مسعاي  لفوز برئاسة الجمهورية)، أن تعمل لمزارعين في مثل هذه المحنة. وأطلعت من حضروا ندوتي في مدينة القضارف على فكرتي. فبوسع علماء تربة وبذور من أنصار الحركة أن يضعوا خبرتهم بصورة مؤسسية تحت تصرف اتحاد المزارعين (لهم أو عليهم) بما يسمى شهادة خبرة. وبوسعهم، متى كانت لصالحهم، أن يعرضوها على المحاكم. ومن شأن هذا العمل الخدمي لقون (مقابل رسوم) أن يخرق حجب السرية التي تحيط بأداء الدولة والكيانات المالية التي لا ينفذ أحد إلى حقائقها ولا دقائقها. يكفي أن ثلاث لجان فحصت التقاوي ولا يعرف أحد بالتحديد ما يطمئن إليه سوى النتيجة. أما إجراءات البحث نفسه فهي طيلسان كما قلت بندوتي في القضارف. وتبعة خبراء قون أن يزيلوا الحجاب عن الدولة وإنهاء طيلسانها لتشرق شمس الحقيقة والسياسة على المواطنين.    
4-مركز مالك عقار الثقافي وحامد المطري وابو الجعافر إلخ
رغبت قبل ترشيحي لرئاسة الجمهورية وبعد الترشيح في زيارة "ضريحين" أو رمزين للثقافة  والكتاب. أما الضريح الأول فمقامه في المطمر في دار جعل المحروسة. وعنَّ هاتف روحي لي أن أسير إليه لأعزي آل المرحوم حامد المطري صاحب مكتبة المحطة الوسطى بالخرطوم في الستينات. وحامد ثالث ثلاثة من غمار الناس خلدوا في ذاكرة جيلنا الجامعي. فمنهم المرحوم حمودة العركي حلاق جامعة الخرطوم. كنت أغشى صالونه بالخرطوم بحري رغم أن صلعتي الناشئة او الناشبة كانت تذكره بغير كلل أن يحكي لي (وأنا تحت رحمة موس الحلاقة ومقصها) حكاية الأصلع النزهي الذي اختفى عن الرجل بأمر زوجته حين وجدهما في حالة خلوة. فزنقه الزوج زنقة كلب لحس الخمارة. وظننت أنه سيكف عن إعادتها عليّ ولكن هيهات.
ثم كان هناك عم السر صاحب بوفيه قهوة النشاط بجامعة الخرطوم وليمونه الزلال وإشاراته الغزلة للجكس البعيدة القريبة. ثم حامد المطري الذي أسعفنا بالكتاب على ظمأ للمعرفة التي اشتبكت بمشاغل سياسية عاجلة. وكنا نريد لهذه المشاغل أن تنحل ب" فتح" الكتاب الصحيح. واذكره ربعة مائلاً للامتلاء سمح الوجه عليه شرط ودماثة. وحببني في زيارة قبره وعزاء أهله كلمة رثاء مسوؤلة كتبها رفيقنا محمد على جادين عنه. وفيها نعى مؤسسة نهلنا (وهي الشربة الأولى) منها وعللنا (وهس الشربة الثانية). وسبقه إلى تذكر عهد مكتبة المطري البسَّام الصديق محمد ابو القاسم حاج حمد ممتناً لخدمتها له وهو يعالج التأليف لم يكد يتخرج من المدرسة الثانوية بعطبرة حيث جمعنا الزمان. وكشفت عن خطتي لزيارة مطمر المطري لجادين وتواعدنا ولم نوفق. وما أزال أمني النفس أن البي هذا النازع الروحي للوقوف عند قبر هذا الوراق النبيه.
أما الرحلة الثانية فقد قصدت أن تكون للدمازين أزور مركز مالك عقار الثقافي. فمنذ قرأت عنه بقلم يوسف عبد المنان (آخر لحظة 26-10-2008 وأنا أمني النفس بزيارته. ولما بدا لي أن طريقي الانتخابي سيأخذني لنواحي الصعيد اتفقت مع أبننا أحمد عبد الرحمن  ممن نشأ في الدمازين أن نترافق في الرحلة. ولم يتيسر الأمر لظروف سفري للولايات المتحدة. ولكنها رحلة ستأتي وإن تأخرت وخاصة وقد علمت أن الصديق الأستاذ وجدي الكردي واقف على رأس إدارة المعهد..
علمت من كلمة آخر لحظة ما حبب إليَّ عقاراً في القراءة. فلم تحل شهادة الثانوية التي دخل بها الغابة ضمن كادر الحركة الشعبية، ولا شواغل القتال، من العناية الدقيقة بالإطلاع. فقد عاد من ميادينه بخمسة ألف كتاب وأثني ألف أسطوانة جعلها نواة للمكتبة. ولا أعتقد أن هناك من دخل الغابة دكتوراً مختصاً عاد بمثل هذا الحصاد الجميل من الثقافة. فقد خرج دكاترة الغابة ضيقاً بالثقافة: "بيض الصحائف (وهي السيوف) لا سود الصحائف (الكتب) في متونهن جلاء الشك والريب" او كما قال الشاعر. ثم وظف عقار وجاهته في الولاية ليبني هذا المركز على مساحة 3 ألف متر وكلف  أرضاً ومبنى نحو نصف مليون جنيه سوداني. وقال عقار إنه بنى هذا المركز لأن الثقافة لأهله عبَّارة للمستقبل وللآخرين. وهذه عقيدة نادرة من بين متعاطي السياسة فينا.
أسعدني هذا من عقار الحركة الشعبية التي حال استغراقها في الكفاح المسلخ دون أن تتحول إلى مدرسة علم ونظرية بغير سبب وجيه. ولم أر تعبيراً منها في قوة مركز عقار إلا خلال مدرسة الكادر التي دعاني معهد التدريب السياسي وإعداد القادة التابع لسكرتارية الشئون السياسية والتعبئة بالحركة الشعبية للحديث إليها في يناير الماضي عن موضوع الهوية. فقد أسعدني أن زميلي الدكتور أبكر آدم إسماعيل قد حط على هذا العش الثقافي ليعطيه جهده المتفرغ. كما غمرني عرفان جم بحضور الرفيق الكوماندر عبد العزيز آدم الحلو، سكرتير الشئون السياسية والتعبئة،  محاضرتي وغير محاضرتي بمزاج تربوي رائق يذكر له لأنه مما يلهم قادة المستقبل في الحركة ويؤدبهم في احترام المعرفة وفن الاصتنات.
لمركز عقار مهمة دعوت لها طويلاً. فقد استرعي انتباهي منه أنه سيعني بلغات الفونج وغيرهم من سكان ولاية النيل الأزرق وتاريخهم ودورهم في بناء الوطن. وكنت دعوت دائماً في معرض اهتمامي بحفظ ونشر الثقافات غير العربية ولغاتها أن يتكامل الجهد الأهلي مع الجهد الحكومي لتلك الغاية. فقد صدمني أن حولت صفوة هذه الثقافات واللغات مسألة بعثها إلى شعار سياسي لإحراج حكومة غير مكترثة حتى بنشر ثقافتها العربية بوجوها الكريمة الإنسانية. وتراخت هذه الصفوة عن تلمس طاقة هذه الثقافات عند أهلها لتفجير كامن عزتهم بها لتصب في مؤسسات من شاكلة مركز عقار. وقد ظللت أتحدث إلى صفوة النوبيين دائماً عن أرقي هذا. فقد أكثروا من التعبير عن ترويع اللغة العربية وثقافتها لهم. وفي هذا حق كبير. ولكن ساءني أن اكتفوا من هذا الشاغل الملح بشجب الحكومة الإسلاموعربية مرة بعد مرة بعد مرة. ولم يحركوا ساكن الجهد الأهلي صابراً مصابرا فاعلاً لنشر ما انطوى من ثقافة اهلهم. فكأنهم جعلوا تلك الثقافة مادة للتباكي عليها لا مادة للعبرة بها.
كنت قد كتبت في الثمانينات عن "للكتاب أحزان في أم درمان" بعد إغلاق المجلس البريطاني والمكتبة المركزية فيها. واستبشرت بالطبع بمكتبة البشير التي حلت محل المجلس البريطاني بعد حذفه. ثم أرقني تشميع مركز القبة الخضراء الثقافي منذ عامين أو نحوه. ويسعدني أن أقول إنه ربما نحن على مطالع أفراح للكتاب بالسودان. فعلاوة على مركز عقار أسعدني خوض فرقة عقد الجلاد بكل جمالها تشارك منظمة "عافية سودان" لإنقاذ الكتاب بدعمه في مكتبات الجامعات والمكتبات العامة. فثمن تذكرة حفلات الفرقة التي ستقيمها لهذا الغرض ستكون كتباً لا نقوداً. وهذا فكر مبتكر. كما سبقني صديقي كمال الجزولي في روزنامته بالتنويه بجهود أبو الجعافر (جعفر عباس) في دعم المكتبة المدرسية والجامعية. وهذه أفراح متزاحمة منبئة أن البلد الطيب يحرج نباته طيباً.  تفاءلوا بالوطن تجدوه. والله أكبر. 
5-جريدة الميدان: يا عمال العالم بلاش دوشة
لا أعرف إضراباً يتيماً مثل إضراب مستخدمي هيئة البريد والبرق البالغ عددهم فوق الألف المعلن منذ آخر فبراير لنيل استحقاهم كاملاً بعد خصخصة الهيئة. فكتاب الرأى عندنا في الصحف في شغل عنه بأكامبو وما أدريك. وانعقد مؤتمران حزبيان قبله وفي أثنائه (الشيوعي والأمة) لم يصدر عنهما حسب متابعتي ما يفيد أنهما اخذا علماً بالإضراب وانهما يسندانه. فقضية مستخدمي البريد هي شاغل معلوم للمعارضة التي عدت الخصخصة من جرائر الحكومة . ولكن المعارضة بسلبيتها حيال إضراب مستخدمي البريد والبرق بدت مهتمة بترويج الخصخصة كمفسدة محض للإنقاذ ومأكلة لا قضية تستنهض الهمم لمكافحتها أو التوقي دون شرورها. فلو كان ذلك الاستنهاض هدفاً للمعارضة لوقفت مع مستخدمي البريد وقفة رجل واحد.
وليت الأمر اقتصر على تغاضي المعارضة عن الإضراب. فقد لمست في بعض أدب المعارضة كيداً للإضراب عجيباً. فقد كتبت "الميدان" في 10 مارس عنه كلمة استغربت صدورها من صحيفة أصلها في التضامن مع الحركة النقابية وكسب النصير لها. ومعلوم أن هذا الإضراب بدأ في 28 فبراير الماضي لنيل الاستحقاقات المالية المعروفة المتبعة متى خصخصت الدولة مؤسسة من مؤسساتها مثل هيئة البريد والبرق. وصفت الميدان نقابة البريد والبرق بالفشل في تحقيق أية مكاسب للمستخدمين الذين أٌلغيت وظائفهم بعد خصخصة مؤسستهم. وقالت إن المستخدمين تساءلوا عن جدوى الإضراب بعد امتناع وزير المالية عن التصديق بأي من تلك المستحقات في اجتماعه بالنقابة. وعدت الجريدة هذا الاجتماع الخائب دليلاً على فشل النقابة. ولم تر الجريدة جدوى في تمديد النقابة للإضراب. وقالت إن العمال تساءلوا عن قيمة إضرابهم وحتاما يستمر. وجاءت الجريدة برأي لمستخدمة حجبت اسمها عن النشر قالت فيه "إلى متى يستمر هذا الإضراب وماهي المكاسب التي تتحدث النقابة عن تحقيقها خاصة وقد دخل الإضراب يومه التاسع." واضافت العاملة أن على النقابة أن تعي حقيقة فشلها في تحقيق مطالب المستخدمين  وأنها تلعب في الوقت الضائع. وقالت إن العاملين ما زالوا معلقين بعد استلام خطابات الغاء الوظائف في 28 فبراير لا يدرون هل هم ما زالوا في الخدمة أم أن وظائفهم الغيت حقاً. ومن رأي الجريدة أن النقابة لم تباشر أية خطوات في المحاكم لمناهضة قرار الخصخصة         بالغاء الوظائف الشيء الذي يعتبره القانونيون ضاراً بمصلحة العمال. 
لم أصدق أن اقرأ في جريدة الميدان مثل هذا التخذييل لإضراب نقابي ضد أضرار الخصخصة. و لا يقتصر سقمي من كلمة الجريدة (التي تدعو عمال العالم وشعوبه المضطهدة ليتحدوا) على خذلانها لعاملين في أمس الحاجة للتضامن  بل هو أشمل من ذلك. فقد سقطت الجريدة من جهتين. سياسياً لما ذكرنا من أنها من المفروض ان تكون صحيفة للعاملين. وسقطت مهنياً في تعليق خلا من مقومات المهنة الصحفية في التبليغ والتعليق. فالجريدة لم تستمع إلا للناقدين للنقابة بما في ذلك جهات قانونية تخطئها لأنها لم تتخذ إجراءات معينة في وقت مناسب. ولم تسع الجريدة للنقابة لتعرف وجهة نظرها في أي من ذلك. فهي لم تحمل تساؤلات العاملة (التي فضلت حجب اسمها عن النشر) الواضحة إلى النقابة طلباً للإجابة. كما أنها لم تساءلها عن قصورها  في مقاضاة الحكومة في الوقت المناسب حسب زعم جهات قانونية مبنية على المجهول.
أرخت صحيفة الميدان أذنها لمستخدمين في البريد والبرق يائسين من الإضراب. وهذا كما قلت مستغرب من جريدة كان مؤسسوها من اشاعوا بين الناس أن سلاح الإضراب هو سلاح العمال المجرب لنيل الحقوق. وليس من فقه هذه العقيدة عن الإضراب أن يسأم الناس في جدوى هذا السلاح من بعد اجتماع فشلت النقابة في الحصول منه على حقوق للعاملين. ولم أر سبباً للميدان لتورد بغير تعليق قول العاملة حتاما هذا الإضراب الفاشل. فمن المفروض في فقه الإضراب أن يستمر حتى النصر متى تمت إدارته في شروطه الصحيحة. وعلى رأس تلك الشروط تضامن الميدان بالذات معه سياسياً ومهنياً. 
إضراب نقابة مستخدمي البريد والبرق ممارسة ديمقراطية لم تجد نصيراً من المعارضة. وسبب هذا الخذلان هو أن المعارضة لن  تصدق وقوع مثل هذه الممارسة طالما لم تضع الإنقاذ تشريعات التحول الديمقراطي. وهذه من آفات سيادة الفكر القانوني على الذهن المعارض للنادي السياسي. فالإضراب في فهم هذا الفكر ليس تحولاً ديمقراطياً ولو طار واستطال. ولن يبدأ التحول الديمقراطي إلا بقانون. فقد وجدت حتى كاتب نابه في مقام السيد عبد العزيز حسن الصاوي ممن ينتظرون التحول الديمقراطي يخرج بقانون من الإنقاذ. فقال في مقال أخير إن التحول الديمقراطي (الذي وصفه بالعتيد) لا زال حبيس نصوص نيفاشا والدستور بفضل تلكؤ الإنقاذ وتهربها من استحقاقاته. و ما يطمع فيه الصاوي من قوانين للتحول الديمقراطي واجب التحقيق بالطبع شريطة أن نرى هذا التحول أيضاً حين يسعى بيننا في الأرض بدون إذن او تصريح من الإنقاذ. وهذا باب في فضل الممارسة ونفاذها. وكان إضراب مستخدمي البريد والبرق وما يزال هو ممارسة للتحول الديمقراطي من تلك التي تسبق القانون الذي ياذن بها. بل هو الممارسة التي تنزل مثل هذه القوانين إلى أرض الواقع. فما راح حق وراءه مطالب. فالحقوق تؤخذ غلابا.