لفتت الدكتورة هبة محمد علي الأنظار بقيافتها المتناهية في صورة لها وهي في طريقها للاحتفال بتوقيع اتفاق جوبا للسلام. ولو كنت مكانها لاعتذرت عن الوفود إلى حفل التوقيع أو لبست فردة دمور حزناً. فلو فهمت أنا ما جاء في وثيقة الاتفاق عن ولاية المال في السودان لكانت هبة آخر وزير مالية في المعنى المتعارف عليه. وسيتم وفق هذه الاتفاقية إحالتها للاستيداع في لغة الجيش خلال ٩٠ يوماً من حفل التوقيع عليها. لقد مضت هبة في كامل زينتها إلى حتفها بظلفها.
ستنحل وفق الوثيقة وزارة المالية كما عرفناها ليحل محلها صندوق قومي للعائدات يُنَظم بالقانون وله رئيس مستقل يعينه رئيس الوزراء. وهو صندوق تصب فيه كل الإيرادات والعائدات المالية القومية. وهذا الصندوق هو المؤسسة الوحيدة لإيداع العائدات. والفكرة من ورائه هي معالجة أوجه الخلل في تخصيص الإيرادات القومية الفدرالية وتوزيعها. وسيضمن الصندوق عدم حرمان الحكومة الفدرالية من التمتع بمستحقاتها المالية وضمان انسيابها في المواقيت المتفق عليها.
لا أدري إن تبقى لوزارة المالية الاتحادية ما تفعله بعد قيام هذا الجسد المبتكر. بل لا أدري إن كان للكيان التشريعي في الانتقالية وما بعدها من مهمة منتظرة. فأبطل هذا الصندوق بفقرة قصيرة وجود الخزانة الفدرالية التي هي مستودع الإيرادات القومية تعريفاً. وأفسد ما في هذا الصندوق أنه أبطل المؤسسة التشريعية. فبينما تتحصل وزارة المالية الإيرادات إلا أن توزيعها (في شكل الميزانية السنوية التي يجيزها البرلمان) فهو وظيفة الجهاز التشريعي مذ كانت هذه المؤسسة في الدنيا. بل نشأ البرلمان يوم نشأ لينزع عن الملك الأوربي الإقطاعي وظيفته في فرض الضرائب وجمعها والتصرف. وهي مأثرة جاءت بها الطبقة البرجوازية من تجار وصناعيين في المدن كرهت سفه الملوك في المال. وليس اعتباطاً إن سُميت هذه البرلمانية بالديمقراطية البرجوازية. فانعقاد ولاية المال لهذا الصندوق المستجد دون البرلمان ووزارة المالية بدعة. فالصندوق كيان مطلوق اليد في توزيع عائدات الدولة. بل لم يفت على الفقرة القصيرة التي عرضت له في الاتفاق أن تطمئن من قد ينزعج لقيامه أنه سيحرص ألا يحرم الدولة الفدرالية (وفيها المؤسسة التشريعية) مما تدير به دولاب الدولة.
صندوق الإيرادات بخصائصه المنصوص عليها في اتفاق جوبا دليل آخر على أن الديمقراطية ليست البيئة السياسية للسلام الذي يريده مسلحو الهامش. فانعقدت تجاربهم الناجحة وغير الناجحة في السلام إلى يومنا مع الديكتاتوريين. ومن أسف أنها لم تنعقد ولا مرة مع الديمقراطية التي شقي الشعب كثيراً لاستعادتها. والتالتة من مخايلها واقعة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.