جرى أمس التوقيع على اتفاقية جوبا لسلام السودان. ولن تمنعني تحفظاتي الجذرية عليه من التفاؤل به عملاً بقول تشرشل إنه متفائل لأن كل ما عدا التفاؤل لا نفع منه. فتفاؤلي وسط ما نحن فيه من شرور غريزة في البقاء. وقال تشرشل أيضاً إن وجدت نفسك خائضاً في جهنم فواصل خوضك ففيه نجاتك. 

أحاول هنا عرض ما بدا لي من قراءة لوثائق الاتفاق مساهمة مني في تيسير سبل تنزيله المحفوفة بالمخاطر.
ستواجه التنفيذ جملة تعقيدات مرتبطة بتعريف مصطلح الاتفاق أو آجاله. ونبدأ بمن الدافوري ناهيك عمن هو من مسار الوسط للتمتع بما ورد من تمييز إيجابي. فليس في تقاليدنا الإدارية أعراف لتعيين منشأ الفرد منا بعد شهادة الميلاد مثل موقع تسجيل الواحد منا للانتخابات أو إيصال دفع الأسرة للضرائب مثلاً. ناهيك أن التمييز الإيجابي حيث نشأ في الولايات المتحدة كان لون المستفيد منه يكفي تقريباً. فاتفاق دارفور حجز لطلابها ١٥٪ في الكليات العلمية والطبية والهندسية في كل جامعات السودان بعد حجز ٥٠٪ لهم في الجامعات بدافور. فما هو تعريف الدافوري القاطع الذي يمنع التبذل ويحفظ الحق لمستحقه؟ فمثلاً قضي اتفاق دارفور بتمثيلها في لجنة إزالة التمكين. فهل وجود دارفوريين بها منذ قيامها كاف أم أنهم من حصة غير الإقليم؟
مما نحتاج إلى التدقيق فيه أيضاً هل هذا الاتفاق مع الحكومة الانتقالية أم أنه مع الحكومة السودانية بإطلاق. فجاء في اتفاق دارفور أن يتمتع الطالب منها بإعفاء الرسوم وغيرها لمدة ١٠ سنوات تبدأ من توقيع الاتفاق. وهذا بالطبع عهد ملزم لحكومات ما بعد الانتقالية التي في الغيب. وقد يمتد الإعفاء إلى ١٤ سنة وأكثر لأن الطالب الذي دخل الجامعة في السنة العاشرة، سنة نهاية العهد، سيظل يتمتع بالإعفاء حتى تخرجه.
وتتحرج مسألة التعاقد مع الانتقالية كثيراً في النص الذي قضى بتمثيل تفضيلي لأبناء جبال النوبة والنيل الأزرق وغرب كردفان في المركز لمدة عشر سنوات من توقيع الاتفاق. وواضح أن هذا اتفاق متعدي يطال الانتقالية وحكومات سودانية لنحو سبع سنوات قادمة.
وينضح بالارتباك النص الخاص باستعادة الحكم الإقليمي (بين المركز والولاية) على غرار ما كان سائداً قبل انحلال الأقاليم في الولايات. فستستعاد بالاتفاقية الأقاليم في ظرف ٦٠ يوماً من توقيع الاتفاق. وسينظر في ذلك مؤتمر ما. ولن تتقيد دافور بقراره استعاد الأقاليم أم لم يستعدها. فهي ستكون إقليماً خلال ٧ شهور بغض النظر. وهكذا فرضت الثورية دارفور إقليماً لم تنتظر انضمام حركة تحرير السودان-عبد الواحد وغيرها للسلام. ناهيك من هذه المجازفة لإعادة شك نظام إداري بحاله بتوقيت عجول كأن الدنيا طايرة.
ووجدت خلطاً معيباً في اختصاصات مستويات الحكم المختلفة: الفدرالي والإقليمي والولائي. ولاحظ أن الاتفاق رسم سياسات للمستوى الإقليمي المعروض للنقاش بعد ما عدا دارفور كما رأينا. فسبق له بسلطات وهو في علم الغيب. فنظرت في سلطات هذه الكيانات ووجدتها مرتجلة جداً فيما تعلق بمسؤولية كل منها تجاه التعداد السكاني. ففي فقرات متفرقة من نص الوثيقة ستجد دم التعداد مفرقاً بين تلك المستويات جميعاً. ففي فقرات متفرقة منه أعطى الاتفاق حكومة الولاية والإقليم والمركز صلاحيات إجراء التعداد السكاني (٩-٢١ و١٠-١٤ و١١-٢٤). وهذا لا يجوز.
ونواصل إن شاء الله

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.