لم أجد عبارة عبرت عن سقمي من بيانات أطراف قحت المتبرئة من أداء الحكومة الانتقالية مثل ذاك الذي قال في سياق مماثل إنها مجرد تصريحات خلت من الحس بالمأزق. 

There are no dilemmas, only declarations.
فتصدر تلك البيانات عن حس بالصواب المرعب لصاحبها الذي لو كان الأمر بيده لأصلح الأمر إصلاحا. وتُعمم هـذه البيانات في تناول قصور الحكومة هرباً من النفاذ إلي التفاصيل التي تقطنها الشياطين، أو المآزق.
فلا أعرف عدد المرات التي قرأت للحزب الشيوعي يشكو من بطء لجنة إزالة التمكين بدون توقف عند ما أنجزت وما لم تنجز والعلة فيه. وفي المرة الوحيدة التي فعلها صوب الحزب نيران مدفعيته الثقيلة للجنة لخرقها حرية التعبير بوضع يدها على جريدة "السوداني". وبدا لي الحزب هناك محرشاً من شبكة الصحفيين التي تأثر صحفيون منها بإيقاف الجريدة، أو أنها جاملت آخرين طال التوقف معاشهم. ولم تتأخر الشبكة فأصدرت بيانها الخاص عن إيقاف السوداني لم يخرج عن منطوق بيان الشيوعيين. وتواضعت الأطراف في قحت، والحال يغني عن السؤال، على أن الحل المتنظر لمأزق الانتقالية وقحت والثورة في "فتح" مصفوفة في تاريخ لا مقطوع ولا معلوم. وستظل التصريحات ديدنهم حتى يلقوا الأزمة ذات مصفوفة.
وجدت بيان شبكة الصحفيين الأخير حول قناة الشروق حالة متأخرة جداً من جائحة التصريحات بدلاً عن الاشتباك مع المأزق. وجاء البيان محتجاً على إعفاء لجنة التمكين للأستاذ الشفيع الضو من قيادة قناة الشروق التي كانت اللجنة وضعت يدها عليها. والشفيع مستحق الدفاع عنه في كل منعطف. ولكن ما أزعجني في بيان الشبكة أنهم اكتفوا برواية الشفيع للواقعة. ولم يستحثهم حسهم الثوري في التعامل مع لجنة هي في خشم الثورة المضادة، ولا ميثاقهم الصحفي المهني، من سؤال اللجنة عما فعلت. ولا أقول بهذا لأن اللجنة كانت ستأتي بالقول الفصل. فقد أخذت أنا نفسي عليها أشياء كثيرة في أدائها. وما يلزم الشبكة باستيضاح اللجنة عن موقفها من الشفيع هو تكريم القارئ الذي خاطبه البيان برواية الطرف الآخر من الحادثة ليحكم على بينة.
أما بيان الشبكة نفسه فكئيب. غلب طبع التصريح فيه على طبع الاشتباك مع المأزق بكثافة. وتطابق في أكثر مواضعه مع نقد الثورة المضادة للجنة إزالة التمكين حذوك النعل بالنعل. بدأ البيان ب"ندين". وهو يدين الطريقة والأسلوب الهمجيين للجنة إزالة التمكين كأن "أساليب" لا تغني مغنى "طرق" والعكس. ولم يجدوا ما يعود ذهنهم إليه حيال طريقة وأسلوب اللجنة إلا أساليب وطرق السلطة الفاشية أي الإنقاذ. وتساءل البيان عن احتفاظ لجنة التمكين بالمؤسسات التي تضع يدها عليها مثل قناة الشروق "بدون مسوغ أو مبرر" كأن الواحدة لا تغني عن الأخرى. ولم تطرأ لشبكة الصحفيين أن تسأل اللجنة هـذا السؤال غير الملغز كما ينبغي لصحفي. و"نسنس" البيان بالمشي بالفرقة بين اللجنة ووزارة المالية. فقال إن وزارة المالية نفسها شاكية من مثل تسلط اللجنة على ما تضع يدها عليه. فهي لا تسلم الأموال المصادرة لها. وهذا موقف فاسد في قول البيان. بينما المعلوم أن اللجنة هي التي شكت من تباطؤ المالية في تسلم ما تسترده من أموال الشعب. وأكثر ما أزعجني أن تتردد في بيان الشبكة أصداء من غل الثورة المضادة على اللجنة. فتطابق البيان مع خصوم الثورة في "انزعاجهم" من أن اللجنة في طريقها أن تصبح إمبراطورية يتسلل الفساد إليها. واحتج بيان الصحفيين على اللجنة أنها في طريقها لاستغلال السلطات الواسعة التي منحت لها لفرض تمكين جديد. وكأن اللجنة تنقل هنا من دفتر الثورة المضادة بالضبانة.
ما ضر لو اتصلت شبكة الصحفيين بلجنة إزالة التمكين واستوضحتها الموقف برمته بل راجعتها فيه بروح الزمالة في ثورة هي في "أمر ضيق". لماذا هـذه العوة بين أطراف في الثورة حول مسألة لم يستكمل الطرفان التداول فيها سباقاً إلى إطلاق التصريحات ومراكمة الضوضاء؟
تذكرني عوة شبكة الصحفيين قبل استنفاد طرق إذا بليتم فاستتروا بفكاهة مروية عن جمال محمد أحمد. قيل إنه كان بمكتبه بوزارة الخارجية فسمع صوتاً عالياً يصدر من أحد المكاتب. فسأل عن مصدره. فقيل له إنه صادر عن مكتب السفير الحضري يحادث أهله في مدني. فقال رحمه الله:
-مش كان أحسن يتكلم معاهم بالتلفون.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.