حين رأيت هـذه الجماعة منا على مراكبها تغني كأن الفيضان الذي يحتويها إشاعة بلقاء تذكرت ما كتبه المرحوم معاوية نور (١٩٠٩-١٩٤١)، الكاتب الفذ، عنا ناظراً إلى منزلة الغناء في تكويننا النفسي في مقالته "أم درمان مدينة السراب والحنين “. وأم درمان مدينته وهو من صرة عمراب الموردة منها. ولم آت به مصداقاً لأي شيء سوى التفاتته الباكرة أن في غنائنا ربما هو أدل علينا بجانب الطرب.

في لمحة خاطفة عرض معاوية نور لتاريخ الهجرة العربية وخلطة أهلها الشقية بسكانها الأصل ليخلص إلى أن الأغاني التي سمعها في أم درمان هي مستودع لمعرفة وجدان سكان المينة. قال:

"وأبلغ ما يدل على تلك النفسية وذلك الخلق الأغاني التي يرددها الكل، من أكبر كبير إلى الأطفال في الطرقات. بل أٌنني لا أعرف شعباً فِتن بأغانيه وأعجب بها فتنة السوداني وإعجابه بها . . . وقل أن يمر الإنسان بأيشارع من شوارع أم درمان إلا ويعثر على إنسان أو جماعة تدمدم بتلك الأغاني في شبه غيبوبة حالمة وصوت باك حزين".
وقال إٌنهم ليرقصون "على تلك الأغاني الحزينة الكئيبة ولا يرون فيها حزناً ولا كآبة لاعتيادهم سماعها وارتباطها الوثيق بحياتهم. فإذا غنى المغنى قائلاً "يا حبيبي خائف تجفاني"، وكان هذا المقطع الأخير الذي يرددونه مثل الكورس المسرحي، وغناها المغني بصوت عال وترديد شجي ناعم طرب الكل واشتد الرقص، واشتعل النظارة حماساً، ونسي كل نفسه في موجة طرب راقص. فيعرف المشاهد أن هذا الشعب قد وطد نفسه على قبول الحياة كما هي. وكان له في آلامه الدفينة البعيدة القرار نعم السلوى عن الحاضر ونعم العزاء عن الآلام والمتاعب. وتلك هي نعمة الاستسلام والحنين ومظهر الاستهتار بألم طال وتأصل فانقلب فرحاً ونعيماً"

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.