كسلا، لمن أمه مثل أمي، رحمها الله، ختمية في الصميم، هي المدينة التي تنشأ على حبها قبل أن تزورها أو حتى لو لم تزرها. فسيدي الحسن في كسلا. وجراحها النازفة اليوم مدية في كل كبد. تقبل الله صرعى الصراع الدائر فيها، وعوض عن من خسر التخريب عوضاً حسناً، وصبرنا على مشهد جمالها المضرج بالدم.

وقيل مع ذلك إن أحر البكاء حقاً هو البكاء على الحي. وبكائي على الحي هنا مصوب إلى نهج تعاطي الدوائر السياسية مع حادثة كسلا. فبان لي من تعليقاتهم عوار الحداثيين والمركزيين في التعامل مع الريف. وهذا عوار قديم وقفت عليه لما ذاع خبر الرق المتجدد في منطقة سفاهة في 1987. فرأيت استنكاراً حكومياً وصفوياُ لوقوعه. وحتى من قبل بالذائعة سماها "اختطاف" لا رقاً. ولم تجد وزارة الخارجية سوى نكران الأمر حطبة. وقلت لهم شامتاً "أخرج الريف أثقاله وقالت الصفوة ماله" في مقال بكتابي "الثقافة والديمقراطية" كيفت فيه نهجاً مختلفاً لمقاربة ذائعة الرق.
وها الريف يخرج اثقاله على أيامنا وتقول الصفوة ماله. فصرف من جاء إلى تحليل مأساة كسلا بأنها إما فتنة أو دس خارجي. فهي فتنة من عمل الفلول أو من جماعة بلا هوية هي "الفتانون" أو "أصحاب الأجندة". ومنتهى دعوة الداعي هنا هي التحذير من الاستماع إلى هذه الدوائر الساعية بالفتنة. وهي في نظر آخرين دسيسة من عمل أصابع أجنبية لها استراتيجيات اقتصادية للبحر الأحمر أو ديمغرافية. ويأتي هنا ذكر الأمارات العربية المتحدة وأرتريا.
وبهذا النهج أفرغ المعلقون النزاع المأساوي القائم بين الهدندوة والبني عامر حول والي الولاية من أي معنى باطن وردوه إلى باعث خارجي من نوع أو آخر. فمن رأي البعض أن الواقعة كلها مصطنعة. فتأسى هذا البعض على الناس الكانوا أحباب طول عمرهم فدخل الفرفار بينهم. وبالنتيجة نزع هؤلاء المعلقون السياسة عن الصراع في كسلا. فالسياسة هي ما يصيب صفوة الحكم في الأحزاب وغيرها. أما أرياف السودان فهي عندهم إما عاشت خارج السياسة أو جاءتها السياسية من أصحاب الأجندة. فالسياسة فيهم تلويث لا حقاً ومعاشاً.
تجريد الريف من السياسة قديم مع الصفوة الحداثية. وحدث ذلك حين تراضت هذه الصفوة على نظامين للحكم في السودان. نظام حديث للدولة في مدنها ونظام للإدارة الأهلية في الأرياف. وسمى الأكاديمي اليوغندي الأمريكي محمود محمداني هذا "التقسيم للعمل" نظاماً للفصل العنصري تعيش أمتان تحت ظله. وسوغ هذا الفصل للقوى الحديثة سحب كل وجود لها بالريف، أو بالعناية به، بعد أن شاغبته في مثل حل الإدارة الأهلية في 1971 بنظريات إدارية تبناها المرحوم جعفر محمد على بخيت. ثم كفت هذه الصفوة المركزية عن شغبها وسلمت الريف صرة في خيط للإدارة الأهلية من جانب أو الحركات المسلحة من الجانب الآخر. وبالنتيجة لم تستقل هذه الصفوة بنهج للتعامل مع انفجارات الريف التي اشتدت خلال فترة الإنقاذ فوق كل فترة أخرى. ومتى أخرج الريف أثقاله دعت صفوة الحكومة رجال الإدارة الأهلية (لم تنشأ فيهم نساء بعد) ل"قلد" الصلح. ولكل قلد عمره الافتراضي لأنه رتق للفتق المؤقت لا نفاذاً لأصل المسألة. وأصل المسائل سياسة في حين لا تعتقد صفوة الحكم أن بالريف سياسة.
للريف سياسته. واكتفي بضرب مثل من نوع الأقل ولا أفيض لأنني كتبت المطولات عن هذه السياسية منذ اندلاع الحرب في دارفور. فكان طلب منذ شهور وفد من الهدندوة من وزارة التربية والتعليم سحب صفحة أو نحوها من مقرر التاريخ لمرحلة دراسية لا أذكرها. وكان في الفقرة ما يوثق لوجود البني عامر التاريخي في السودان. واستجابت الوزارة لهم. ولو كان للصفوة قرن استشعار معرفي حاذق بثقافة الريف وسياسته لوقفت "دت". فالرسالة التي أراد الهدندوة ارسالها هو أن البني عامر أغراب، أو هم ضيوف دارهم على أحسن تقدير. وضيف الدار حسب خبرتي في الكبابيش آمن إلى عيشه وسط أهلها ولكنه تابع عليه شاة للحوض (ضريبة ماء)، وشراية (ضريبة زرع). ولا مطلب له مطلقاً في سياسة الدار. فهو ممنوع حتى من ضرب نحاسه في عموم الدار، أو رسم وسمه على الشجر، أو حفر بئر واصلة الحجر. فهذه من رموز السيادة التي لا دخل له فيها. وأشهر عباراتنا "كسار قلم مكيمك" هي عن واقعة رفض كواهلة عبد الله ود جاد الله تتبيعهم للكبابيش لأنهم أهل الدار.
لو قرأ صفوة التعليم والحكم رسالة الهدندوة من التماسهم نزع تلك الفقرة من منهج التاريخ بعناية، ومن فوق علم بسياسة الريف، لتدبروا أمرهم بأفضل مما نرى. فنحن في الريف بإزاء مواطنتين. فالمواطنة الأولى قطرية للسوداني فيها حقوق السفر والتنقل والإقامة والانتفاع من موارد البلد حسب اجتهاده. أما المواطنة الثانية فهي مواطنة الدار أو الحاكورة التي تميز صاحب الدار على من لجأ إليه أو اعتقد أنه لجأ إليه.
واصطدمت المواطنتان في دارفور بأظهر ما يكون وإن سبق إليها الرزيقات والمعاليا بعد ثورة أكتوبر 1964 وعلى مرات خلال عهد الإنقاذ. وتفادت الصفوة المعارضة النظر لهذه السياسة وفضلت أن تجيرها لصالح معارضتها للإنقاذ. فصورتها كنزاع عرب وأفارقة بغير تأطير لها في سياسات الحاكورة. وقد حملتُ على هذا النهج كما تجلى عند الشيوعيين في كتابي "أصيل الماركسية: المقاومة والنهضة في ممارسة الحزب الشيوعي".
أعقل ما رأيت في ذيول ماساة كسلا أو سمعته هو امتناع الحكومة للدعوة ل"قلد" وهو مجلس الصلح لرجالات الإدارة الأهلية (عدمانين الكنداكة) لأن أحد رجالها وهو السيد ترك في قلب العاصفة. وأسعدني أن أسمع من السيد فيصل محمد صالح، وزير الإعلام، أن مأساة كسلا ذات جذور غائرة.
لربما وضعت صفوة الحكم، بما سمعت ورأيت، أرجلها في السكة الصحيحة لمقاربة مثل مأساة كسلا بسبر غور الريف والعلم الوثيق بسياساته لاستصحابها بقوة وذكاء في السياسة الوطنية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.