إذا صح سمعي لخطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، لجنود الجيش في الوادي فهو لا يعارض وضع الدولة المدنية، ممثلة في وزارة المالية، يدها على شركات القوات المسلحة. فشكواه حقاً هي من عجز هذه الدولة استلام موجودات القوات المسلحة التي بذلتها طوعاً لها. وماطلت وزارة المالية. وقال البرهان في الصدد إن من نذر نفسه للموت في سبيل الشعب لن يبخل عليه بمال وعقار وغيرهما. وقال "تعالو شركاتنا شيلوها" أكثر من مرة وبصور مختلفة من مثل "حاجات الجيش رهن طوع الشعب". ومن جهة أخرى بذل البرهان دعوة للشباب أن ينضموا للخدمة لأفرع القوات المسلحة المختلفة. كما عرض عليهم ألف محور ري ليزرعوا الآلاف الأفدنة في أرض للجيش بحظائرها وكل ما يحتاجون.
لا أعرف ما دهى وزارة المالية حتى صار أداؤها موضوع نقد مرتين في أسبوع واحد. فعاب عليها السيد محمد الفكي، عضو مجلس السيادة ونائب رئيس مجلس إزالة التمكين، أنها لم تنجح بعد في استلام المؤسسات والمنقولات التي وضعت لجنة إزالة التمكين يدها عليها. وها هو البرهان يأخذ عليها نفس المأخذ. لربما للمالية عذرها الذي ننتظر بيانه. ومهما يكن وددت لو لم يكن تقاعس وزارة المالية (ونقول بذلك جدلاً) حجة للبرهان علينا. فالمرء يود لو أملت عليه شراكته في الثورة والحكم، التي اعتز بها كثيراً، أن يعرف من موقع المسؤولية، أي عن كثب، ما علة هذه الوزارة الرافضة للنعمة. فهو السيد فينا والآمر. فاستغربت ألا ينزعج لتراخي وزارة تحت قيادته عرض عليها ما يعينها في شرطها شحيح الموارد فتأخرت. فتوقفه عن مساءلة الوزارة من موقع الرئاسة لا يتناسب مع قناعته بإن الحكومة الانتقالية ورثت وضعاً اقتصادياً مفخخاً، وأن الشباب بحاجة ليلمس تغييراً ملموساً في حياته. وأقول عرضاً: ما الذي عطل مشروعه الزارعي للشباب واستيعابهم في الجيش الذي ليس للمالية دخل فيه؟
وددت لو لم تجنح عبارة البرهان لاتهام الانتقالية لا بالفشل في إدارة الاقتصاد فحسب بل بما أوحى أنها مخربة تدس بين القوات النظامية. فالأمر هين. فالجيش في قوله لم يمانع في دمج شركاته في الاقتصاد الكلي بصور اقترح بعضها في مثل شركات مساهمة ينظر فيها ويفاد. فشكواه ليست من هذه الجهة بل من حكومة لم تحسن التسليم والتسلم من الجيش. ولا أعتقد إن مثل هذا القصور مما يستدعى أن ينادى البرهان الشعب لتفويض آخر للاستمرار بالثورة إلى الأمام، أي بدون أولئك الفاشلين الذين يغطون على خيبتهم بالالحاح على وضع الدولة يدها على شركات للجيش وغير الجيش. فإذا كان الأمر كذلك سيصعب علينا أن نصدق أن البرهان كان يعني ما يقول عن استعداد الجيش للتخلص من شركاته فداء للشعب. ولم تفت الرسالة في خطاب البرهان عن التفويض على الفلول وحسني النية فتنادوا لجمعة تولى الجيش الأمر خالصاً. ولربما هذه طريقة البرهان في القول غير الصريح إن شركاتهم خط أحمر. من قبل بها قبل ومن لم يقبل ألف من يقبل.
للأمريكان قانون طريف اسمه قانون الحُفر. ويقول القانون إذا وجدت نفسك في حفرة أوقف الحفر.
وهذه دعوتنا للشريك العسكري في ثورة ديسمبر 2019: أوقفوا الحفر.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.