خرج الدكتور عبد الله حمدوك بخطاب خليق برجل دولة في مناسبة مرور عام على تقلده مسؤولية رئاسة الوزراء. كان الخطاب رصيناً، قسيما، مكاشفاً. فتحدث عن وعورة الفترة الانتقالية من وجوه عديدة. لم تمنعه ذائعة ألا يعلق قصور حكومته على "شماعة" النظام البائد من أن يحاكم النظام البائد بما ورثه عنه وهي دولة "كروي". أي أنها كأنها لم تكن. فقد سرى بين دوائر مختلفة أنه قد انقضى وقت كاف لتتحمل الانتقالية ورزها ولا تحيله إلى نظام شبع موت في ظنهم. وهذه العقيدة المستسهلة لإرث الإنقاذ المعوق هي ثمرة معارضة لها انفصلت فيها الممارسة السياسية عن الثقافة. فلم تنفذ هذه المعارضة ً لبنية دولة الإنقاذ متجاوزة الفضح الأخلاقي لفسادها بينما فسادها محصلة لدولة "البِطانة" التي لا قيام لها إلا بالفساد. والسبيل لهذا استباحة المال العام. ولا بقاء لها في الحكم إلا برمرمة النادي السياسي فيه. ولا أعرف من سمع من لجنة إزالة التمكين عن ما وراء رائحة فساد الإنقاذ ولم يخجل لجهله المطبق بالنظام الذي اسقطه. فخراب الإنقاذ للوطن ليس شماعة نتجاوزها متى غادرت المسرح. إنها خرائب.

سمة التوكل القيادي في خطاب حمدوك بارزة. فقد جدد التزامه بما يسميه تجربة الهجين السوداني الماثلة في حلف المدنيين والعسكريين في هذه التجربة نحو الديمقراطية. فقد جاء لرئاسة الوزراء بنص الوثيقة الدستورية التي نصت على هذا الحلف. فهو لا يملك ترف من اعتقد أنها وثيقة مزورة وقرر حربها بصورة أو أخرى. فقد جاء بعد توقيعها بتراض أطراف الحلف ولن ينتهز وجوده في سدة قيادة الانتقالية ليتحايل علي الوثيقة الدستورية أو يتذاكي.
كانت أول ردود الفعل على خطبة حمدوك من المكون العسكري في كلمتين للفريق أول البرهان والفريق أول ياسر العطا. فلم يرتاحا بالطبع لإثارته بقوة وجوب رفع القوات المسلحة يدها عن استثمار لها طغى في الاقتصاد. فلم يمنع حمدوك التزامه بالهجين السوداني من الحوار مع العسكريين فيه على الملأ. ولن يجدي العسكريون في المجلس الطعن في مثل هذا الحوار بأنه بحث عن كبش فداء في الجيش لفشل جهات لم يسمها هي الحكومة. فالمتفق عليه اقتصادياً أن استثمار الجيوش في الاقتصاد ضار بالاقتصاد الوطني للبلد. ولن يجدي القول إن شركات الجيش تخضع للمراجعة (على أنها مراجعة ضرب الحبيب) لأن الأمر يتعلق بوظيفة الجيش ووصفه الوظيفي. فمتى دخل الجيش الاقتصاد فهناك مشكلة كبيرة نحن طرف فيها. فالجيش لا يحتكر الحديث عن شرفه. إننا سواء في الأمر. ولا أعتقد أن الفريق أول برهان أعاننا لنرى سداد هذا الاستثمار حين أخذ يعدد "عطايا" الجيش للحكومة من أفران وغيرها لم تنجح حتى في استلامها. ولا اعتقد أن يسوء ظن رئيس فينا حتى يمن علينا بسقط متاع هنا وهناك في حين يطنب في إعلاء شأن ثورتنا وشهدائها. إننا لرنو ليوم يخرج الوطن من محنته ولا يشتغل الجيش بغير أن يقعد في صون بيضة الوطن كل مقعد.
وستجد سمة التوكل القيادي في مساءلة حمدوك لقحت، حاضنة حكومته السياسة، مساءلة شديدة. فأكثر متاعب حكومته في اختصام أطراف قحت اختصاماً فضيحة. فلم تقم بتوسيع قاعدتها هي نفسها لتعزيز الثورة وحكومتها. فانقسم تجمع المهنيين ولم يكون نقاباته لجماهير المهنيين والعاملين بعد. واكتفى أهله إما بمطالبة الحكومة بإصدار قانون للنقابات وعش يا حمار، أو التهويش بمسميات "لجنة إعادة نقابة كذا". والأدعى للأسى أنهم لم يستنهضوا نقابات للعمال أو اتحاد للمزارعين أو الطلبة الذين كانوا تحت نقابات الزور الإنقاذية أو لم تكن لهم نقابات اصلاً. وشاركوا في الثورة فرادى. ومن جهة أخرى تجد أهل قحت يكثرون من الاحتجاج على بعضهم البعض، أو من سوءة الحكومة وببرود حتى قال إسلامي: نمسكم من وين لكين؟ نحاسب منو فيكم؟ وهذه عبارة في السأم من فعل المؤاخذة في مثل قولنا "ود الموية".
رغبت لو اكمل حمدوك نصف قيادته بحديث صريح من نفس العيار مع الحركات المسلحة. فقد خلا حديثة المشرق عن السلام من مؤاخذة (ولتكن رفاقية) للحركات على اختطافها مفردة في أصل تكليفه وهي تعيين الولاة وأخرى دستورية وهي تكوين المجلس التشريعي الانتقالي. ومعلوم أنه نجح بعد لأي في تعيين الولاة وما يزال المجلس التشريعي بعيد المنال تضع الحركات المسلحة (التي جنجت للتفاوض) العصي بين عجلاته. وليس نقد الحركات المسلحة من شيم صفوة السودان الليبرالية والمعارضة. فلا أعرف في قحت من لم يستثقل مفاوضات جوبا أو من عبر عن لاجدواها. ولن تجد مع ذلك من يضع الجرس على رقبة القط. وودت لو ناشد حمدوك الحركات أن تتحدث إلى بعضها هوناً طالما تواصت جميعها على أن حل المسألة السودانية في كسر صنم المركز. ف"حِربهم" الذي منع التواصل السياسي الدارج بينهما عيب غير خليق برجال قضية. لقد كلفوا حكومة انتقالية ورثت من الإنقاذ بلدا "كروي" ما لاطاقة لها به. فلا ترفع حجراً إلا تشب مشكلة في وجهك. وهم لا يطيق الواحد منهم الآخر. .
والكلام كثير. واسعدني أن يكون بين من تحدث إلى س 24 بعد خطاب الدكتور حمدوك أحد مستشاريه وهو الدكتور أمجد فريد. كان زينة، حاضر الذهن، مطلعاً على مفردات الخطاب وخلفياته وأفاد.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.