رحم الله زينب بدر الدين محمد عبد الرحيم. وجئت بالاسم مربعاً ليعرف الجيل الذي بكاها لثوريتها أن لها "في خدمة الشعب عرق" مصداقاً لما قال قريبها صلاح أحمد إبراهيم. فهي حفيدة المؤرخ المهدوي الباسل محمد عبد الرحيم. وهو من بديرية الحدود مع الدناقلة. قاتل مع المهدي، واثخنته الجراح، ومد الله في أيامه. ثم عمل بعد الغزوة الاستعمارية في ديوان الحكومة كاتباً طاف أكثر ما طاف مديرية دارفور. وأنشأ مجلة "أم درمان" التي عمل بها الشاعر التجاني يوسف بشير. وله كتاب "النداء في دفع الافتراء" الذي بمثابة رد على كتابات لمحمد حسين (وليس حسنين) هيكل الذي زار السودان في العشرينات وكتب عنه ما لم يرض محمد عبد الرحيم. وأرخ لشعراء زمانه وكتابه في "نفثات اليراع" (1936). أما مخطوطاته عن تاريخ المهدية فكم هائل مودعة ولله الحمد والمنة بدار الوثائق القومية ولا أدرى بأي أشراط. فلم أسمع عن، أو ممن، وقف عليها مستثمراً إياها في بحث عن فترة المهدية التي عاشها مجاهداً ودونها مؤرخا.

من منن الله عليّ إنني لقيته في نحو 1962 وهو لزيم الفراش. وهي سعادة تعدل لقائي في نفس تلك الأيام بالمرحوم التهامي محمد عثمان من رجال الصف الثاني في ثورة 1924 وهو عامل بالري المصري. وكنت، وقد صادر منا نظام الفريق عبود الحاضر والمستقبل، نفتش عن أنفسنا في الماضي. وأندم إلى يومنا إن حياة التخفي والسجن والغربة حرمتني من الجلوس إلى رجال في الميدان العام ونساء. فلم التق بأي من شعراء الحقيبة مثلاً ممن استولوا على ذائقتي مؤخراً: درب العشق ساهل ودرب الوصال صعبان. ولم استثمر حتى وجود العبادي معي في لجنة التأليف والنشر في 1968 لأوانسه. كنا نخرج من الاجتماع في وزارة الإعلام وعلى رأسها عبد الماجد ابو حسبو في نحو المغارب ونتجه معاً للمحطة الوسطى. ونتبادل كلمة أو أخرى ونفترق.
أعود لمحمد عبد الرحيم. كنا في جمعية التاريخ بجامعة الخرطوم حين قرأنا استغاثة من أحدهم عنه كمؤرخ مهمل في أصيل العمر. وتنادينا في الجمعية لزيارة الرجل ورد الجميل. وكان فينا السفراء لاحقاً إبراهيم طه أيوب وحسن عابدين وآخرون. ورتبنا للزيارة. وكانت المفاجأة أن من سيلقانا ويعنى بنا كانت قريبة المؤرخ المرحومة فاطمة أحمد إبراهيم. فأنظر صدق صلاح أحمد إبراهيم: "ولنا في خدمة الشعب عرق". دخلنا على رجل نحيل حمّال سنوات مستلق على سريره تحيط به كتبه وأوراقه. وحدثنا عن معاركه في المهدية وكشف لنا عن بطن انطوت على جراح أقحوان للدين والوطن. وقلبنا مع فاطمة مخطوطاته.
ولم نكتف بذلك بل خصصنا صفحتنا "للتاريخ" الأسبوعية للحديث عن زيارتنا له والدعوة للعناية بالرجل وآثاره. وهي صفحة تكرمت بها على جمعيتنا إدارة جريدة السودان الجديد وعليها فضل بشير. وكتب إبراهيم ايوب كلمة عنوانها "نحن ندق الناقوس" او شيء من هذا القبيل في مناشدة الجهات المعنية بتدراك الأمر واستنقاذ مأثرة المؤرخ. وكانت كلمتي بعنوان "كنز العرضة". ولا فضل لي في العنوان فهو في أصل كلمة من نبهنا أول مرة إلى منزلة محمد عبد الرحيم والاهمال الذي ران عليه. فسمى المؤرخ "كنز العرضة" الذي يضرب عنه أهل الحكم والرأي. والعرضة هي الحي المعروف بالطبع الذي هو مسكنه. وجاءتنا فاطمة من حي العباسية لترعانا. قلت في كلمتي:
"هزتني تلك الزيارة الصغيرة لأستاذنا الشيخ المؤرخ محمد عبد الرحيم. هزتني الملامح العجوز الطيبة التي عاشت أعرض حياة وكتبت برحابة عن مجد باهر تحجبه عن جيلنا مئات الأصابع الاستعمارية التي امتدت إلى تاريختا تعبث به. وتشوهه وتمسخ ثوريته. وتلفه في ضباب التناول المجزء الفاتر الممسوخ. هزتني (تلك الزيارة ) من الأعماق. إن التراث الطيب الممتليء الذي يملأ حجرات منزل متواضع بشارع العرضة يحمل أكثر من إشراقة، أكثر من زاد لرحلة المصير السوداني. إن هذا التراث لهو المادة الغنية الاساسية للباحث والمؤرخ ليستطلع أسرار تاريخنا. وبدونه نضرب في التيه وفي البيئة التاريخية المزيفة بفعل المحاولة الاستعمارية الدائبة على النطاق العالمي لطمس معالم الثقافة الوطنية"
ولم أحسن تصوير ما تبقى من الكلمة وهو قليل.
حين أعود بالذاكرة إلى ذلك اليوم في شارع العرضة أحس وكأني كنت في طقس ثوري. لم تكن المهدية وحدها هناك. كنا بصحبة فاطمة وهي قائدة في حزبي الشيوعي. وكنت بين صحبة اجتمعنا في قيادة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم كما في جمعية التاريخ بالجامعة. كان الماضي والحاضر والمستقبل في عناق مثير.
كان ذلك طقساً ليوم واحد في حالتي. وكان هذاالطقس ما خرجت زينب من صلبه، ورضعت نجيماته البعيدة: "ولنا في خدمة الشعب عرق"
رحمها الله

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.