يقولون في الإنجليزية متى حزنوا لمصاب إنسان لا يستحق ما ألم به من أذى إنه وُجد في المحل الخطأ في الوقت الخطأ. ومتى تأملت مصاب الفريق أول الكباشي في الحتانة بدا لي أنه وُجد في المكان والزمان الصحيحين ولكن بالمنصب الخطأ. فناصرته مع ذلك قريحة الثورة المضادة وبعض حسني النية بإدانة الوقفة الاحتجاجية التي اكتنفت زيارته لقريبه الصحفي جمال عنقرة ومدعويه من صناع الرأي العام. وفسقت اقلام الفلول في هضم شباب الحتانة وترويعهم. ولم تزد عن ترتيب معان موغلة في الخطأ في التعاطي مع وقفة الحتانة الغراء.

كان الكباشي في الوظيفة الخطأ وهو يزور قريبه في الحتانة. فلو كان فريقاً أولاً بالجيش لما اكترث أحد له. فالفرقاء الأوائل من نظاميين وخلويين كثر. غير أن الكباشي زاد بأنه عضو بارز في مجلس السيادة اقحم نفسه على ذلك المنصب في وجه ثورة شعارها "مدنيا". وصحائفه دون غيره ليست بيضاء كما نعلم. بل لا يجد حرجاً، وهو الدخيل على المنصب، من إطلاق لسانه بالسوء عن نظام سياسي لا فضل له في إيجاده أول مرة. فتوعد من سدة المنصب الغصيب بأنهم، أي العساكر، إن ذهبوا للثكنات لن تبقى الحكومة الانتقالية ساعة واحدة . وأضاف أنه كاذب من يريد حكم البلاد بدون القوات المسلحة. وهذا قول ثقيل من نظامي مالي قاشو ناهيك من عضو بمجلس السيادة. ولربما كان سحب نقاط الحراسة من مباني الحكومة في بربر بعد تسلم الوالي المدني مهامه عن عسكري موقوت تطبيقاً أخرقاً لعقيدة الكباشي في منزلة الجيش في الحكم: إما أنا سيدو أو أطفيهو. وزاد الطين بلة بقوله إن الأوضاع بلغت من السوء مبلغاً صار "الواحد يخجل يقول أنا المسؤول". وودت لو صدق عسكريون قبله على عهد عبود ونميري والبشير صدق الكباشي في الخجل على تقلدهم مسؤولية الحكم. فلم يحسنوا لها على مر تاريخنا المعاصر وهم في الوظيفة الخطأ. ولم يمنعهم خجلهم الذي صرح به الكباشي ليسكنوا إلى الثكنات حتى بعد ثورات ثلاث الحفت السؤال عليهم أن يفعلوا.
تباكت أقلام الثورة المضادة على القيم السودانية التي أساء إليها شباب مقاومة الحتانة. فرأوا في وقفتهم الاحتجاجية خروجاً على أعراف المجتمع. وفات عليهم هنا التفريق بين أعراف المجتمع كافة والديمقراطية. فهما ليسا شيئاً واحداً. فمن أعرافنا ألا ترفع المرأة صوتها ناهيك أن تصير فينا كنداكة بل جرت أعرافنا أن تخلع نعالها متى مرت برجل. والديمقراطية غير ذلك وإن لم تبعد النجعة. فزاوج أستاذنا عبد الخالق محجوب بينهما حيث صحت المزاوجة في دفاعة أمام محكمة عسكرية انعقدت له في 1959. فاستنكر أستاذنا الإشفاق الذي يبديه النظام العسكري على التقاليد السودانية في حملته على الشيوعيين. واستعجب أن يصدر هذا االتباكي عليها ممن داسوا عليها كالقاتل يسير في جنازة قتيله. وتساءل أين كان هؤلاء المشفقون والاستعمار يطأ الوطن بمنسم في حين نهض الشيوعيون بالقتال دونه. وقال:
إننا نفهم التقاليد السودانية مرتكزة في حب الحرية والكرامة والصراحة والشهامة. وفوق كل ذلك في قولة الحق. ونفهم أنها انحدرت إلينا من المجتمع القائم على الملكة الجماعية للقبيلة فتأصلت في نفوسنا. ولكن هذه التقاليد عرضة للانهيار بالتدريج إذا تحطم أساسها واندفعت البلاد في طريق الأنانية والفردية التي تعبر عن المجتمعات الراسمالية والإقطاعية".وختم بقوله هذه هي التقاليد التي حق لنا أن ندافع عنها.
الديمقراطية شيء مختلف على مجاورتها لتقاليدنا كما رأينا من اجتهاد أستاذنا عبد الخالق محجوب. فالاحتجاج لبها، أو هو لحمتها وسدايتها. وليس عبثاً أن يزكيها الأمريكيون مثلاً بكلمة منسوبة لرئيسهم الثالث جيفرسون (وهي ليست له) مفادها أن مفارقة القوم أعلى مراحل حب الوطن:
Dissent is the highest form of patriotism
ولا يفحم من كانت هذه عقيدته من الأمريكان من يأخذ عليهم نقده لبعض حروب وطنهم الجزافية لأن مثل هذا النقد مما يصعب مهمة جيشهم. فيرد عليه بقوله: إن أفراد جيشنا يموتون حيث هم لكي ينطلق لساننا أحراراً نقول ما نريد. وصار ضابط ممن قاتلوا في الحرب العالمية الثانية نائباً في الكونغرس لأنه، كما قال، يريد أن يكون حيث يُتخذ القرار بالحرب فيدلي بدلوه فيه.
جاء الكباشي إلى المكان الصحيح في الزمان الصحيح ولكن بالوظيفة الخطأ. وهي الوظيفة السياسية التي لا حرمة لها في الديمقراطية سوى صونها من العنف الجسدي. والشبال بشرو. ولا تعلو الأعراف أياً كانت عليها قولاً واحدا. فيخضع كل زعم بحماية الديمقراطية بأعراف سودانية إلى فلترة على بينة من أصول الديمقراطية. وسنرى في الحلقة القادمة مدى "استباحة" الوظيفة السياسية للمحتجين في المجتمع الديمقراطي. فشارع دار صاحبها حلال. وشارع من استضافه حلال، وإزعاجه في داره حلال. وحتى اقتحامه وهو يتناول طعامه في مطعم حلال. هذه هي الديمقراطية حتى يقعد في علبه كل متنطع طاعن شباب المقاومة بقوله "أهذه هي حرية وسلامة وعدالة" التي انشقت حلوقكم بها. نعم هي. وسيقى علينا فقط أن تعلمها تهجية من ألف باء. وقوات الشعب المسلحة ومجلس السيادة والفلول يمتنعون.
محتجون يقتحمون مطعماً مكسيكيا خلال تناول سكرتيرة وزارة الأمن الداخلي كرستين نيلسن الغداء فيه هاتفين "العار عليك".
https://www.nbcwashington.com/news/local/shame-protesters-interrupt-department-of-homeland-security-secretarys-nielsens-meal-at-mexican-restaurant/2029672/

‘Shame!’: Protesters Interrupt Department of Homeland Security Secretary Nielsen’s Meal at DC Mexican Restaurant – NBC4 Washington
www.nbcwashington.com
Protesters disrupted Department of Homeland Security Secretary Kirstjen Nielsen’s meal at a Mexican restaurant in Washington, D.C. while chanting “shame”...

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.