يقال عندنا إن فلان سوى "المعيليمة". وهي أنه لم يأت بجديد بل بالمعلوم منه بالضروة.

وقياساً فقد فعل تجمع المهنيين (المناويء للأصم حتى ينفرزوا لنا) المعيليمة بلقائه بعبد العزيز الحلو رئيس الجبهة الشعبية وقائد الجيش الشعبي. فهو طريق الأولين والآخرين لحركات الهامش المسلحة تسارع الخطو فيه كل جماعة شمالية (أو أفراد) غاضبت أهلها. وهي خطة صارت بها السياسة تجاه قضايا الأقليات القومية لا رديفاً في خصومات الجماعات الشمالية في المركز وحسب بل ارتهنت تلك القضايا بتنظيم مسلح بعينه. فكان نقدي لمن سووا المعيليمة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب هو: هل أنت مع قضية الجنوب أم مع الحركة الشعبية خاصة بعد انقسام الحركة في 1990 إلى جناحي توريت والناصر؟ ولم يجنح سواييو المعيليمة إلى جناح توريت (قرنق) فحسب بل أطلقوا لسانهم في جناح الناصر لا يسألون أخاهم على ما قال برهانا.
سوى هذه المعيليمة السيد محمد عثمان الميرغني بالقائد بقرنق وتوقيعهما اتفاق الميرغني-قرنق في نوفمبر 1988. وكان الميرغني خرج مغاضباً من التحالف الحاكم آنذاك والمكون من حزب الأمة والجبهة الإسلامية القومية. ولم أخف مأخذ المعيليمة على ذلك الاتفاق في بعض كتاباتي بصحيفة الخرطوم. وإن هششت لمخايل السلام عليه بمثابة التعلق بقشة في بيئة مترعة بالحرب واليأس. وسوى المعيليمة المؤتمر الشعبي بعد عام من مفاصلته مع المؤتمر الوطني بتوقيع اتفاق مع الحركة الشعبية في فبراير 2001 عُرف ب" اتفافية جنيف" كان طرفاها باقان أموم وياسر عرمان من جهة الشعبية والمحبوب عبد السلام وعمر إبراهيم الترابي من جهة الشعبي. وسوى المعيليمة مؤخراً تنظيم الرجل الواحد كوش لصاحبة محمد جلال هاشم الذي لا أعرف من غاضب من أهله وحتى إشعار آخر. ناهيك من هجرات الأفراد الكثيفة وفيهم من اسميتهم "أولاد المراتب" من مثل مبارك الفاضل والتوم هجو وآخرين ممن أسرعوا للجبهة الثورية.
ما سر أن أول عمل قام به تجمع المهنيين (المكجن الأصم) هو سفره لكاودا للقاء الحلو للتواثق على اتفاقهم المعروف؟ إنه استظهار بعصاه الغليظة وبمثابة التهافت. فأعطى تجمع المهنيين للحلو نصاً صريحاً في فصل الدين عن الدولة وإن لم يصطلح على أنها العلمانية. وهذا باب في المعيليمة اسميه "ما يطلبه الهامش" تمنح به الجماعة المغاضبة الحركة المسلحة جزافاً ما لم تتراض عليه جماعاتها من مطالب الهامش المسلح بعد. فقد قبل الميرغني في اتفاقه مع قرنق ب"تجميد" قوانين سبتمبر 1983 الإسلامية. وكان هو في طليعة من عارضوا المطلب أول الأمر ثم قبله ليتقوى بالحركة. وهذا كيد يجعل من المطلب الحقيقي للحركة الشعبية بيدقاً في شطرنج سياسة المركز. وهي لعبة صفرية لا تقدم قضية الجماعات القومية الأصاغر إن لم تجعلها هزوءة.
واللعبة ليست مكشوفة للمسلح في الهامش فحسب بل هي مادة للتربح السياسي منها. فهي عنده حالة إعلامية في ميزان حسناته. فاستغربت لإعلان الحلو أن وفود تجمع المهنيين إليه "فلتة فى تاريخ الحركة السياسية السودانية منذ فجر الاستقلال". وكنت اتعشم من رجل في مثل خبرته أن يصدر عن شفقة بالانقسام في تجمع في خطر تجمع المهنيين بتعبير عن حزنه لوقوعه. وأن يهاديهم في غير العلن لرأب الصدع. فلربما كسبت الشعبية كتنظيم ب"فلتة" المهنيين الذين وفدوا إليها. ولكن لا أعتقد أن تلك الزيارة كسب لقضية القومية النوبية التي الشعبية مجرد تعبير واحد عنها وإن كان الأعظم. فالكسب لهذه القومية أن يحمل مثل وفد المهنيين الزائر سائر شعب المركز للوقوف معه عن فهم وتصميم. أما هذه الفلتات فهي زوبعة في فنجان.
وبدا لي أن الحلو لم يحسن وفادة الوفد برغم حرارة كلمات الترحيب. فصدر عن لقائه بالمهنيين بيانان لا بيان واحد: بيان فصل الدين عن الدولة وبيان العلمانية. فالبيان الأول معلوم وهو الذي احتلت مسألة فصل الدين عن الدولة واسطة عقده. أما البيان الثاني فمشمول في كلمة الحلو في الترحيب بالوفد. فطلب منهم بغير رأفة شطب المادة في الدستور التي تقضي بأن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع والغاء كل القوانين المستمدة منها واستبدالها بالنظام القانوني لعام 1974 القائم على الإرث السوداني الإنجليزي.
شكر الحلو الوفد لتكبده المشاق لسواته المعيليمة. ولم يكرمهم لهذا التكبد مع ذلك حين حوله إلى مناسبة علاقات عامة. فلم "يِتْسَم" بعرضهم الذي قطعوا له ظهور الإبل حين صصح بالعلمانية عرضهم بالمدنية عائداً بهم إلى المربع الأول.
قضية الجماعات القومية والقبلية لمن حرص عليها، لا التربح منها، في بسطام. وكان الصوفي الفاني أبو يزيد البسطامي ترك بلده بسطام بزعم طلب الحق. فقيل له لقد تركت الحق في بسطام.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.