تم في مارس 1963 اجتماع أنصاري مثير الأجندة. فقد التقى وكلاء الإمام (المرحوم الهادي المهدي وقتها) للتعبئة لمقاطعة انتخابات المجس المركزي الذي اصطنعه نظام الفريق عبود لتغطية عورة استبداده. وكان بين أجندة الاجتماع مناقشة البرنامج السياسي لحملة المقاطعة. وجاء فيه بند عجيب هو تصفية علاقات الإنتاج القديمة في الجزيرة أبا (أي في مشروعات دائرة المهدي الزراعية) وتحويل الجزيرة ملكاً تعاونياً للأنصار، وأن تبنى ذلك دائرة المهدي (سيرة في مسيرة. السيد الصادق، الجزء الأول، 171).

مؤكد أن السيد الصادق المهدي هو الذي كان من وراء ذلك الإلغاء لتلك العلاقة التي سنرى لا ظلمها للأنصار في الجزيرة أب فحسب بل واحتجاجهم عليها. وهي العلاقة التي وصفناها بالعلاقة شبه" الإقطاعية" في محاولاتنا الماركسية الباكرة لتحليل نظم الإنتاج وعلاقتها في السودان. وكان الإمام الصادق أدرك سوء صيتها على الأنصار في صباه قبل أن يصطدم بها عند خصومه في ميدان السياسية. فلم يعجبه في ميعة الصبا رفاه الأسرة الذي اعتادته بعد الحرب العالمية الثانية من جراء ارتفاع اسعار القطن الذي تنتجه دائرتهم في أبا. فكان داعية اخشوشان لتأمين بيت في عين العاصفة. وكات عاش في العباسية بين أترابه ومثلهم له "طبلية" يكدح بها كدحاً.
وعليه كره مظاهر النعمة التي طرأت على أسرتهم بما لا يتفق مع حسه الصبي بالسواسية. فكتب يحتج على ذلك التنعم في 1952 وقد بلغ السابعة عشر من العمر لوالدته من مصر حيث كان يدرس بكلية فكتوريا بالإسكندرية. فاعتراض على الثراء الذي صار يحدث عن نفسه على أفراد الأسرة. بل كاتب جده، الإمام عبد الرحمن المهدي، يحتج على سكنى القصور وتجليات الثراء وسطهم. وجاء في خطابه لوالدته عبارة قوية في الصدد تساءل فيها عن غزو أفراد الأسرة للبلاد الشرقية بعد غزوهم أوربا لعام مضى. وتساءل بصورة لم تخل من تهكم: أهذا مفعول الحر أم مفعول القطن؟ وكان ذلك من أعوام ارتفاع أسعار القطن، منتوج مشاريع دائرة المهدي الرئيس، عالمياً فسعد بها كل من ارتبط بزراعته. ولم يخمد فيه جمر عداءه لمن كسروا المهدية. فكان ذا شدة في نكيره على الإمبريالية. وما وقع العدوان على مصر عام 1956 حتى طلب من جده السيد عبد الرحمن أن يعيد للمستعمرين خُلعهم ونياشينهم احتجاجا وموقفاً. وكان تساءل في ختام خطابه لأمه محتجاً على تفرج الأسرة بالنعم: "آه لو كان الأمر لي!". وها نحن نراه يلغي علاقات إنتاج دائرة المهدي مصدر ثراء الأسرة في 1963 ولما لم يؤول كل الأمر له بعد.
كنا سمينا في أدبنا الماركسي علاقة الإنتاج التي ألغاها السيد الصادق المهدي ب"شبة اقطاعية". ولم يسعد حيدر إبراهيم في كلمة أخيره بالمصطلح. وعده وصفاً غامضاً لعلاقات الإنتاج في الريف السوداني (ولم نقصد به كل علاقات الإنتاج في الريف السوداني بالطبع). وساق هذا التغميض دليلاً على أننا لم ننتج فكراً ماركسياً صادقاً يعبر عن الواقع بالنظر فالماركسية لا تعدو كونها فهم الواقع. فلم نقدم، في قوله، تحليلاً طبقياً علمياً للمجتمع السوداني ولا خريطة طبقية له.
وربما طلب حيدر بهذا النقد فوق ما اتفق لنا عن واقعنا والماركسية معاً. فعقيدتنا أننا خرجنا لتحليل واقع مجتمعنا من فوق ما سميناه "عموميات الماركسية". فلم نرد أن ننتظر حتى نستكمل دراسة هذا الواقع والماركسية لأن في هذا تغليب للتربية على الممارسة. والممارسة عندنا مقدمة. وانتظرنا أن نبلور نظريتنا الماركسية لمجتمعنا من خوضنا الصراع الاجتماعي في هذا الواقع. ونترقى بمعارف مستحصلة من هذا الخوض بعموميات الماركسية إلى وعي بها متساوق مع ذلك الواقع بغير تعسف ولا حذلقة. وقلنا إن هذه طريقنا ل"التطبيق الخلاق للماركسية على واقعنا". وهذا ما حاولناه بشكل أكثر نضجاً في "الماركسية وقضايا الثورة السودانية" (1967) برسمنا، من فوق ممارسة طويلة في مشروع الجزيرة، خارطة طبقية لفئات المزارعين والعمال الزراعيين علاوة على مواقع الرأسمالية الوطنية والبيروقراطية بالذات التي ابتلينا بها في النضال ضد نظام الفريق عبود.
وسنفصل في كلمة قادمة في علاقة "شبه الإقطاع" التي وسمت عملية الإنتاج في دائرة المهدي. وصدر عنها كتاب مميز بقلم الطيب أحمد هارون عنوانه "الجزيرة ابا: همس التاريخ" أحسن عرضه صديق أم بدة على الأسافير.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.