كتب عادل الباز، رئيس تحريري المفضل، كلمات في نقض دعوة قوى الحرية والتغيير إلى هيكلة القوات المسلحة. وسمى مطلب هذه القوى بألا يشتغل الجيش بالاستثمار ب "الفرية". وطعن في الدعوة وقال إنها من إملاء القوى الخارجية. وسأل: من اين جاؤوا بها؟ ولدحضها نظر في تجارب جيوش "عريقة" اشتغلت بالاستثمار هي الجيش المصري والتركي والباكستاني والأردني. وزاد أجهزة الأمن والاستخبارات. والأخيرة لا غلاط أنها تستثمر كواجهات تعمية لنشاطها الخفي وما خفي أعظم. ولن نعود لها.

لابد أن يسأل المرء نفسه لماذا اختار الباز هذه الجيوش دون جيوش أعرق في الغرب الذي هو قدوة في الجيش المحترف والديمقراطية. تأتي الجيوش في تعبئات مختلفة كما يقولون. وتحضرني هنا طرفة من برامج الأحد السياسية الأمريكية في الثمانيات كان فيها كاتبي المحافظ المفضل جورج وِل. ثار النقاش حول حق المثليين في التجنيد بالجيش. وقال أحد مؤيدي الحق في الندوة:
-من حقهم. إن الجيش الهولندي يقبل بهم.
فقال جورج ول:
-وما هي آخر الحروب التي انتصر فيها الجيش الهولندي؟
كان ذلك في زمان أذن بمثل ذلك النقاش. ونقول لعادل "ما عمار أي من الجيوش التي عزلتها لتستقيم حجتك عن اباحة الاستثمار للجيوش؟"
غابت عني في كلمة الباز التي رخص فيها للجيش بالاستثمار ما شاء الاستثمار هويتي الباز الديمقراطية التي يحاكم قحت بها والإسلامية المعلومة.
لم يطرأ للباز مراجعة عقيدته عن الجيش والتمويل الذاتي على أفضل الفهوم حول الجيش والدولة والمجتمع. فأجاز للجيش أن يمول نفسه حتى لا يخضع لمن يريد إضعافه من المدنيين بوحي أجنبي. وربط بين مناعة الجيش وحقه في الاستثمار لتمويل نفسه ربطاً لا يتفق مع مجرى الممارسة في دول نريد أن نتشبه بها. فالجيش الأمريكي لم يحتج ليدخل السوق مستثمراً تاجراً ليعتو على العالمين. فالزم الدستور الأمريكي الحكومة الفدرالية بأن تعد له كل أسباب القوة لحماية البلد. فانعقد للكونغرس (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) بالدستور الإنفاق على الدفاع الوطني. وخول لهما سلطات إنشاء الجيوش والصرف عليها لتكون "تحت سيطرة مدنية". وبهذا المفهوم يكون القرار عن ما يتهدد الوطن وإجراءات التصدي له في الديمقراطية شاغلاً سياسياً واجتماعياً لا احتكاراً للقوى المسلحة. وهو ليس احتكاراً للجماعات الحاكمة منها خاصة في مثل بلادنا التي تجعل الأسبقية لحمايتها بالجيش من القوى المعارضة على ما عداها. ويكفيك أن ترى تفاقم الجيش والجيوش عندنا خلال الإنقاذ التي كانت بندقيتها على الشعب لا العدو الخارجي الذي انتهب أرضنا وسماواتنا.
وغيّب الباز هويته الإسلامية حين عزل جيشين هما التركي والمصري اللذين صفيا نظماً إسلامية غالية عليه. ولو جاء بالجيش الجزائري لاكتملت الناقصة. فقد ألغى الجيش التركي الخلافة العثمانية، وجعل نفسه وصياً للعلمانية في صورتها الفرنسية الحرفية وهي حماية الدولة من الدين لا الأمريكية التي هي حماية الدين من الدولة. وبلغ ذلك الجيش من الوقاحة في علمانيته أن حرم على أفراده سنة سعاية اللحى والشوارب أو إداء فريضة الحج. ويعود الفضل للديمقراطية التي قام بها إسلاميو تركيا (مهما قلنا عنهم) في التهميش السياسي الحادث للجيش منذ سنوات. وبالطبع لا احتاج لتفصيل ما فعله الجيش المصري بحكومة الإخوان المسلمين المنتخبة ديمقراطياً في 2013. فنعرف أنه فرتق حافلها بخسائر باهظة. والمفارقة أن استثمارات الجيش المصري وتجارته (المفروض حسب الباز أنها جرت لتكون للجيش أسنان لا يسخى بها المدنيون) بدأت في نحو 1980 على عهد حسني مبارك الذي رمت فيه مصر طوبة الحرب مع العدو الصهيوني إلى يوم المسلمين هذا. وصار جيشاً "قليل شغلة" سوى من اكتناز الأموال والأراضي.
وأكثر من تضرر من سلطان الجيش في بلدان عزلها الباز (ومن ورائه قوى حداثية) الحركة الإسلامية السودانية. فانقلاب 1989 ثمرة مريرة لطائف فكري غشي الإخوان المسلمين أنه لا سبيل لهم للحكم إلا بانقلاب من صنعهم. فانتهى الدكتور حسن الترابي من دراسة انقلاب الجيش على حكومة الإسلاميين في الجزائر إلى أن طريقهم إلى الحكم ليس البرلمان بل بالانقلاب. وحدس ما حدس.
كان قيد الباز الوحيد على تجارة الجيش هو خضوعها للمراجع العام لتتأكد الدولة من شفافيتها وجدواها. وما يدعو الباز إليه حقاً هو أن تتطفل الدولة على تجارة ليس لها سلطان عليها. وجربنا هذا التطفل على سنوات الإنقاذ وعاد منه مارن المراجع ومكتبه بخفي حنين. ورشحت الأخبار مؤخراً عن وجود 650 شركة مملوكة لوزارات منها 200 لوزارة الدفاع. ولا تورد هذه الشركات للدولة إيراداً سوى 12 منها. ومعلوم أن هذه الشركات لم تخلق لتنفع الدولة وإنما لاستفادة طبقة في الخدمة العسكرية والأمنية والمهنية الأخرى. فهي لم تكن، وما تزال، كناتين ناصية في سوق السياسة في مفهوم ألكس دي وال.
ومعلوم أن صناعة الجيوش وتجارتها في مثل ما زكاه لنا الباز لا تخضع لمراجعة مستقلة أو مساءلة عامة. وتبطل مراجعة الدولة لتجارة الجيش مرة واحدة في مثل مصر. فالقانون يمنع التحقيق مع الضباط في الجرائم المالية إلا بعد التقاعد. وجاء قانون "معاملة بعض كبار قادة القوات المسلحة" (16 يوليو 2018) ليجعل لرئيس الجمهورية حق جعل بعض كبار الضباط في الخدمة مدى الحياة. ويفلت مثل هذه الضابط "مدى الحياة" من أي مساءلة في فساد مالي حتى من القضاء العسكري طالما ظل ضباطاً في الجيش حتى يرتحل إلى دار البقاء الثانية. فما بوسع مراجع الباز فعله مع مثل هؤلاء الضباط "تموت تخليه" في جرائم لبعضهم كانوا على رأس قطاعات استثمار للجيش حتى لو أمطنا كل الأذى الآخر المانع للتحقيق
جعل الباز من نقد دخول الجيش في الاستثمار والتجارة عملاً مخرباً. ولو وقف ملياً في عرضه للجيوش التي عزلها لرأى أن هذا النقد ممارس في كتابات يطفح بها الإنترنت. ومن ذلك مقالة للدكتور عصمت أكسا منذ يوليو 2010 وغيره الذين أخذوا على تجارة الجيوش، بما تحظى به من امتيازات من الدولة، أنها عبارة عن ترجمة للنفوذ السياسي إلى نفوذ اقتصادي. بل أن من المتفق عليها أن الاستثمارات العسكرية أقل عائداً ونفعاً من الاستثمارات المدنية. فقالت شانا مارشال في ختام تحليل لاقتصاد الجيش الأردني إن اجماع الاقتصاديين أن الاستثمار العام يحقق إنتاجية أكثر حين يتوجه إلى الصناعات المدنية لا الصناعات العسكرية. ووصفوا دعم الدولة للصناعات العسكرية بالإعفاء الضريبي وغيره مثل زوبعة اقتصادية عظمى تمتص المال والأيدي العاملة بعيداً عن الصناعات المدنية. وأن على الحكومات أن توجه دعمها للبنى التحتية والخدمات الاجتماعية لا الصناعات العسكرية.
لعل الجيش أكثرنا احتياجاً للهيكلة "تحت قيادة مدنية" تغنيه عن "أوساخ" السوق. ولو تأمل الباز تاريخ الجيش منذ تطفل على الحكم في 1958 لرآه، على حاله الذي يغني عن سؤاله، كمن يستغيث مما جره بنفسه على نفسه من ويلات على مهنيته. لم يهن الجيش شعبه بتوجيه الرصاص إلى صدر شعبه فحسب بل أهان نفسه بتوجيه ضباطه وجنوده الرصاص على صدور بعضهم البعض. وظلوا خلال سبعة عقود مثل عقارب في زجاجة تلسع الواحدة الأخرى حتى الانقراض.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.