كادت أبا مارس 1970 أن تكون أبا أغسطس 1881 لولا أن كان لجيش 1970 شوكة في النار والعدة والعتاد والمدد غالبة. ولولا هذه الغلبة على المدى الطويل في المعركة للقيت حملة أبو القاسم محمد إبراهيم المايوية على أبا ما لقيته حملة أبو السعود التركية قبل نحو قرن. فقد ظن الأتراك أن حملتهم لقبض "درويش" الجزيرة ميسورة كما ربما ظنت مايو أن القبض على "رجعي" الجزيرة نزهة سلاح قصيرة. ولكن تجرعت حملة مايو غصص الهزيمة في يوم 27 مارس حين تربصت فرق الأنصار، جيش الجبهة لوطنية الذي لا غيره، بقوة أبو الدهب على جسر الجاسر، و"هنظبوها"، فأقعت. وتجرعت قوة مايو العسكرية في 28 مارس بقيادة أبو القاسم محمد إبراهيم هزيمة أخرى سنرى خجل التاج حمد، قائد القيادة العسكرية في كوستي، حتى عن مجرد ذكرها. بل كانت هي الهزيمة التي أخرجت نميري من وقاره ليطلب من مصر أن تسعفه وإلا انفرط نظامه وتداعى أمام قوة الجبهة الوطنية التي لن تقف، متى انتصرت، إلا عند الخرطوم

لم يترك أبو الدهب، الذي عاد مهزوماً مهزأ من الجزيرة أبا، لنميري في مساء 27 مارس في كوستي سبباً ألا ينزعج ويقرر إنهاء رحلته على النيل الأبيض في كوستي. فحكى له عن حشود للأنصار بالجزيرة لم ير منها سوى قمة جبل الجليد. ونقل له قناعته أن الإمام الهادي والجبهة الوطنية رتبا للصدام مع الحكومة لما رآه من عظم استعدادهما له. وعن هذه الحشود كتب السيد الصادق الهادي المهدي أخيراً أنه "تنادى الأنصار من كل بقاع السودان وتجمعوا بالجزيرة أبا لمناصرة الدين . . . كان المشهد مهيباً حيث تراصت الصفوف، واكتظت وامتلأ مسجد الكون، وسرايا الإمام، والمنازل. الجزيرة أبا تحولت إلى تجمع ضخم لمقاومة مايو الحمراء."

صدرت الأوامر يوم السبت 28 مارس صباحاً بالتحرك لمهاجمة الجزيرة بقيادة أبو القاسم محمد إبراهيم. واستنكر عبد السلام صالح عيسى، من السلاح الطبي، أن يكون الأحمر، وهو كود السلاح الطبي في الجيش، بين عربات المقدمة. وصدرت الأوامر للأحمر أنه، متى وقع الصدام بين القوة والأنصار، في الجاسر أسرع بالتحرك لمنطقة المرابيع. وحدث ضرب نار شديد عند الجاسر في نحو السادسة مساء. ونفذ الأحمر أمر التحرك نحو المرابيع تحت وابل من النيران. وتوقف الضرب. وانتظروا لمدة ساعة. واستغربوا لما جاءهم الأمر بالتحرك إلى الخرطوم بما في ذلك قوة البوليس في البلدة وتبليغ القيادة. وكان ذلك بمثابة إخلاء مخيف. ولكن شرعان ما جاءهم اثناء إعدادهم للانسحاب للخرطوم أمر آخر بالانسحاب عن طريق "قفا"، أي الخلاء لا البحر، وتبليغ قوات ربك. وفعلوا. وسمى عبد السلام تلك"لخمة شديدة". ووجد لها تفسيراً مؤخراً. فقد تنامى إلى مسامع القيادة أن القوة التي دخلت أبا أبيدت عن بكرة أبيها. وكان أمر العودة للخرطوم للأحمر والشرطة لإخلاء المنطقة من أي وجود حكومي في ظرف انتصار متوهم للأنصار.
وبدا أن عبد السلام كان يريد أن يسمع من قائد مباشر للأمر سبب تلك "اللخمة الشديدة". فذهب لكوستي صباح 29 مارس ليقابل التاج حمد قائد منطقة كوستي. وكان التاج في اجتماع. فخرج عليه وأخذه بالأحضان وقال له: "عليّ الطلاق ما تقول حاجة". ولم يعد عبد السلام ليسأل عن مبعث "اللخمة الشديدة" التي اعترت الحملة. فخلوها مستورة. فالواضح أن القوة بقيادة أبو القاسم محمد إبراهيم لقيت من الأنصار هزيمة أخرى في معركة الجاسر الثانية حتى ظنت أنها النهاية لتأمر السلاح الطبي أن يخلي الميدان.

وترددت أصداء تلك الهزيمة في غرفة العمليات في الخرطوم تردداً اضطر نميري لطلب العون من مصر كما فصله مجمد حسنين هيكل في أحاديث أخيرة قبل وفاته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.