نصر الحاج علي
(أسعدني تعليق من الأستاذ نصر الحاج علي (1907-1982)، التربوي المعتق وأول مدير لجامعة الخرطوم في 1956، على كلمتي التي نشرتها في 1980 وأعدتها عليكم أمس بعنون "داكي تاريخ أو قاديه". وكان عنوانها الأول "سوق المذكرات النافقة". وسترى انزعاج المرحوم، من فوق عمر في صالح التعليم، للظاهرة التي تناولتها بالنقد)
في عدد من أعداد الصحافة وتحت عنوان "سوق الامتحانات النافقة" كشف الأستاذ عبد الله علي إبراهيم النقاب عن داء خطير. حيث قال إن مذكرات الامتحانات في التاريخ وغيره لمرحلة الشهادة الثانوية وما دونها يعدها بعض المعلمين معروضة في أكشاك بيع الصحف في حجم الفولسكاب تباع بثلثين قرشاً لكل مادة. ويمكن لأكثر من معلم واحد أن يعد لأكثر من مادة واحدة. وركز على خطر هذه المذكرات على التربية.
وهذا خطر داهم أطل برأسه وإن لم يقض عليه في المهد انتشر كالورم الخبيث واستعصى علاجه. وأرجو أن يكون قد استرعى هذا الخبر المروع انتباه اتحاد نقابات المعلمين ومنظمات الآباء قبل وزارة التربية. فهو في المقام الأول يمس روح التربية واخلاقياتها، ويفقد مهنة التعليم طعمها وما تبقى لها من جاذبية، ويحيلها إلى مصنع لروشتات الامتحان ليستغني بها التلميذ عن المعلم والمدرسة حتى لو تظاهر بالتعامل معهما. ويصبح أنجح المعلمين من أجاد صناعة الامتحانات وعندها يا خيبة أمة علقت كل أملها على تربية أبنائها.
وهذا المرض الذي نتحدث عنه ليس بجديد وإن كان جديداً علينا. فقد عرفته بعض البلاد التي فلت زمام تخطيط التعليم من يدها. واستقام تزايد الأعداد التي تطلب التعليم والحصول على الشهادة حتى ولو بدون تعلم عملاقاً شرساً يخيف من يتصدى لتسويته. ولكن العجيب هو أن هذه البلاد عرفته أكثر ما عرفته في مراحل التعليم العليا حيث اكتظت المدارج بالطلاب وقل عدد الأساتذة وطغت المادة على سواها من مقومات الحياة عامة. فظهرت المذكرات على شكل كتيب يحوي محاضرات الأستاذ النابه يدر عليه دخلاً يبقيه في مهنة التعليم، ويحقق للطالب بغيته في إجازة الامتحان، والحصول على الشهادة، ويوفر عليه مشقة الحضور لقاعات المحاضرات المكتظة، وتدوين المذكرات التي فقد الكثير منهم المقدرة عليه لسوء تدريبهم. وربما وجد (الطالب) هو الآخر متسعاً من الوقت ليعمل عملاً يعينه على نفقة الدراسة. خليط عجيب من الخير والشر وإن كان الخير هنا قطرة في بحر إلا أنه أقرب إلى النفس وأدعى لتحقيق مآربها.
ومن الواضح أن الطالب لا يجد كبير عناء في استظهار المادة في كتاب الأستاذ الذي هو خلاصة المنهج الذي يدرسه الأستاذ يُمكنه أيضاً أن يصبها لفظاً وأسلوباً في ورقة الامتحان. ويا حسن حظه أن كان المصحح هو صاحب الكتاب، أو من يتعاونون معه. إذ الحصول على درجة ممتازة ليس ببعيد. وهل يعني شيئاً بعد هذا ما استفاد من الجو الجامعي بمكتبته، وأوجه تشاطه، وتهذيب شخصيته وقدرة اساتذته؟ وهل بقي للأستاذ بعد هذا من قدوة غير المقدرة على كسب العيش بأي وسيلة؟
حسب علمي اصابنا رشاش من هذا ضمن ما استوردناه من جرثومة هذا الداء في بعض مؤسسات تعليمنا العالي. ولا أدري إن كان قد نما وترعرع. ولا استبعد أن يكون من نوع الجراثيم الدفينة؟ التي تطفو على السطح متى ما تهيأ المناخ المناسب. أفلا ترون أن المسرح قد أعد لذلك فليحذر كل مسؤول تفشى الداء.
أما الذي أشار إليه الأستاذ عبد الله فهو جديد بالنسبة لي. وأتمنى على الله ألا يكون قد تمكن. وهي ظاهرة نشأت بسبب ازدحام الفصول، وتسرب المدرسين الأكفاء الملتزمين، وسوء شروط الخدمة، والنقص في الكتب والأدوات، وامتهان التعليم ممن لا يحفلون بأهميته، والضائقة المالية التي حفزت كثيراً من المواطنين إلى الحصول على مورد مالي معين، ولهفة الإباء على نجاح أبنائهم وبناتهم بأي وسيلة بعد أن قل مفعول الوساطة والدروس الخصوصية.
وهذا الداء الذي لحق بمراحل التعليم الدنيا أشد خطراً على مستقبل الأمة. إذ أن المدرسة هي أساس التربية. ويكمن خطره في عظيم إغرائه بسوقه الرابحة، وعظيم فاعليته في اجتياز الامتحان لأن كثيراً من المعلمين يتابعون سير الامتحانات سنة بعد بسنة، ويلمون بالمادة التي يركز عليها الامتحان في سنة بعينها. وبعملية استبعاد يمكن التنبؤ بها يمكن أن تتناوله ورقة الامتحان للسنة القادمة. وحتى النهج والصورة التي تكون عليها ورقة الامتحان يمكن التنبؤ بها. وقد حدث وحقق بعضهم سبعين في المائة من النبوءة. فلو حدث وتركز سوق المذكرات فسيكسب من يريد من المدرسين أضعاف مرتبه. ولا استبعد، لا قدر الله، أن يأتي يوم يعزف فيه بعض المدرسين عن الترقي الذي يبعدهم عن حقلهم. وربما نسمع يوماً بظهور دهاقنة صناعة المذكرات فيقال هذه الورقة من إعداد الأستاذ فلان وكفى بذلك إعلانا.
فنحن أمام كارثة قومية أناشد اتحاد نقابات المعلمين ومنظمات الإباء أن يتصدوا لها بعنف، وأن يستعينوا بوزارة التربية والتوجيه بأن تصدر قانوناً يوقف المؤلفين والطابعين والبائعين دون جريمة فيها افساد أمة بأجمعها.
وحمانا الله وهدى الظالمين منا.
تجد أدناه نبذة موجزة عن المرحوم نصر الحاج علي
https://www.sudaress.com/alintibaha/43997

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.