انتهز أحدهم فرصة ما روي عن دكتور عمر القراي، مدير المناهج بوزارة التربية والتعليم، عن الاقتصاد في إيراد الآيات القرآنية في منهج العلوم وغيرها للصيد في الفكر العكر. فجاء برواية عن المرحوم عبد الله الطيب ليطابق بين كلمة القراي المزعومة وخطة الإنجليز في تعليم الدين في مدارسنا. فقال عن المرحوم إن الإنجليز قالوا لهم خلال إعدادهم للمناهج بعد السودنة "بتقليل الحفظ من القرآن والأحاديث والأدب العربي بحجة أن العقول هشة والتلاميذ صغار لا تقوى عقولهم على استيعاب كل تلك المحفوظات". وقال إن المرحوم فضح فساد قول الإنجليز بأنه لما ابتعثوه لإنجلترا وجدهم يطلبون من أطفال الرياض حفظ نصوص شكسبير من الغلاف إلى الغلاف.

وقال الكاتب الصائد في الفكر العكر إن المرحوم وصف نصح الإنجليز، الذي لم ينتصحوا به هم أنفسهم في بلدهم، ب"الخيانة العظمى". وقال إن القراي عاد يرتكبها بعد أربعين عاماً (في الواقع أنها فوق الستين سنة) بالقول المنسوب له.
وصدف أنني حضرت المحاضرة التي ذكرها الكاتب صائد العاهات أو صورة معادة منها. وأذكر أنه قال إن التلاميذ الإنجليز يحفظون تلك النصوص ب"ضبانته". فهم يبالغون في الحفظ حتى القول ب (إكزت) وهي (يخرج) عن مغادرة ممثل الدور للمسرح بعد قول ما قال أو فعل ما فعل.

وسيضطرني الصائد في الفكر العكر إلي أبغض الحلال وهو الدفاع عن الإنجليز. ولا ينكر أحد سوء ظن الإنجليز بثقافتنا جمعاء سوءً عرضت له في كتابي "التعليم والاستعمار: بخت الرضا والتعليم" بما لا مزيد عليه. ولم يصدقه عني تربويون إسلاميون اجتمعت بهم مرة لمناقشة الكتاب. وعابوا عليّ ما عدوه شطحاً في حجتي. ومأخذ الإنجليز علينا في الواقع هو أن العلم عندنا تلقين سواء في تعلم الدين أو قواعد العربية في مثل "ألفية ابن مالك". فنحن ننظم العلم المعين في أرجوزة نستظهرها ومتى سؤلنا عنها خرجت عنا اجتراراً. وهذا نهج في التعليم أخذت منه بخت الرضا الإنجليزية خلسة وأحسنت. فما وجدت من زكى بخت الرضا ولم يُشِد ب"في القولد التقيت بالصديق" واضرابها. وهي، لو يعلمون، "ألفية" جغرافية نظم فيها جيل بخت الرضا الباكر المعلومات عن كل زيارة قام به التلاميذ بخيالهم. وساغت. ولم يبق من المدرسة الإنجليزية سواها.

كانت المواجهة التي ذكرها المرحوم عبد الله الطيب بين منهج التلقين (في نظرة الإنجليز التربوية) ومنهج التفكير (الذي يعدونه ميزة لهم) لا بين كثرة الآيات أو قلتها في المنهج كما زعم الخائض الوحل الفكري. ومنهجا التلقين والتفكير منهجان مصطرعان في التعليم حتى لو كنا اصطنعنا هذه الثنائية اصطناعاً. ولعبد الله الطيب نهج سائغ في التأليف بينهما أسفت كثيراً أنه لم يوفه في كتاب مرقوم بدلاً عن بثه في مقالات هنا وهناك وفي كتابه "حقيبة الذكريات". ولم يطلب المرحوم تعليم اللغة العربية للطفل بحفظ سور من القرآن في المرحلة الأولى. بل قال بتعليم الطفل العربية عن طريق الأغاني البسيطة والأحاجي والقصص الديني. ثم يتعلم الطفل قصار السور والأحاديث في مرحلته الثانية. ويحفظ الشعر متى بلغ الثامنة. وهكذا لم يكن المرحوم معنياً في محاضرته بكثرة الآيات أو قلتها كما زعم الكاتب الأخرق. كان بالأحرى مهتماً إلا نقبل صاغرين بأن التلقين (بحفظ الآيات أو الشعر أو غيرهما) رجس من عمل متخلفين أمثالنا. فالإنجليز أنفسهم من "الكبابين".

أرجو إلا يكون وضع المنهج الخالف للإنقاذ سبباً للشعواء والاستثارة. وأن يكون خلافاً لذلك "استفزازاً" ثقافياً لعقولنا ولأفئدتنا جميعاً لتخرج من صناديقها للرحاب. ولا يزايدن الإنقاذيون علينا في تعلقنا بديننا وولائنا له فيجهلون فوق جهل الجاهلينا. فإن كان من ارتكب منا "الخيانة العظمى" للإسلام فهمو شاهد الله وعالم. وجئنا بالثورة لنستر فطائسكم في الوطن فاحتشموا. أما جدل التلقين والتفكير فباق فينا. وسنرى من تعليق قصير لي عن كتاب "الشامل في التاريخ"، من كتب مقرر الإنقاذ أنشره إن شاء الله، كيف صارت المقالة التاريخية، موئل البحث والتفكير والتركيب، مادة للحفظ والاجترار.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.