عاتبني صديق الفيس بوك سيد أحمد كوراك على كلمة الأمس عن بروف غندور التي استنكرت فيها قوله إن المؤتمر حزب وأنه فكرة وأنه باق ولو ترك الحكم. فالفكرة لا تموت. والحق أن التطبيق المسيء لفكرة ما لا يعني بالضرورة خروجها نهائياً من الملعب. ولو صح "لانطم" هذا الماركسي كاتب هذه الكلمات. فلم تَفْسد فكرة غراء أمام ناظرينا في التطبيق مثل الماركسية. وما ابقاني على حرف الماركسية إلى يومنا هو أنني خرجت من حزبها المسجل في 1978 لأنني لم أقبل الطأطأة للحزب. ولا تعرف، والحمد لله، خشية الرؤساء طريقها إلى نفسي. فصادر المرحوم محمد إبراهيم نقد، من منصة سكرتارية الحزب المركزية، كتاباً لنا بعد طبعه كنا سهرنا عليه في مكتب التعليم الحزبي عاماً بأكمله. وأمضني أن يكون رأي سكرتير الحزب أن عمل الرفاق من دونه كله ضلالة وكل ضلالة إلى النار. وخرجت على الحزب منذ 40 عاماً قابضاً على جمر ماركسيتي فطاب "مراحها والمشرب" كما قال أستاذنا عبد الخالق محجوب: كاتباً كادحاً مستقلاً.

هل أعطى غندور الفكرة التي قال بفشلها "ضحوة" (وهي نوبة العمل في الضحى) خلال 3 عقود لاستنقاذها من براثن من أفسدها؟ هل استنفر، وهو يشهد ابتذالها، الفتى الإلهي (في قول التجاني يوسف بشير) فيه الذي رأيته في نحو 1988 في منظومة عيادات الحركة الإسلامية، واقفاً على شفاء الناس بأجر زهيد، ليغير حرام المؤتمر الوطني بيده أو لسانه أو قلبه حتى؟ وأشهد أنني ما ذكرت الرجل إلا عادني يوم لقيته في عيادة لطب الإسنان الإسلامية التي صنع لقريب لي فيها طقم أسنان بلا فلوس تقريباً. فما كانت ضحوة غندور صهيلاً بالفكرة وهي تذبل وتهان متى كانت لها هذه العزة عنده إلى حد تولى كِبرها بعد سقوطها المدوي بالثورة؟ لقد عتقت الثورة لسان غندور وغير غندور يفاخرون بفكرتهم ويهرجون بالدفاع عنها دفاعًا عزّ حين كانت تذل ولا نصير، ويُسَفل بها ولا رافع، ويضرب بها عرض الحائط ولا عاصم. لقد ردتكم الثورة إلى فكرة اعتزلتموها. فزينتها لكم بعد قبح وذكرتكم لها بعد زهايمر. فصارت لكم فكرة بعد أن ساء ظنكم بالفكرة والفكر. وهذا فعل الثورات العظيمة.

ولن يقول غندور إنه لم يجد ناصحاً للاعتصام بفكرته دون خشية الرؤساء في مساره الطويل في الإنقاذ. فهذه كلمة لي في 2004 أخذت عليه فيها الطأطأة للرؤساء، أو خشيتهم، التي تفسد كل أمر جليل. وهو الفساد الذي ضرب أطنابه في المؤتمر الوطني فقتل الفكرة التي يريد غندور بعثها ألان في حين لم يضربه فيها حجر دغش ثلاثين عاماً حسوما.

فإلى الكلمة القديمة
قرأت بعناية حديث البروفسير إبراهيم غندور، مدير جامعة الخرطوم، الي الأستاذ عارف بجريدة الصحافة (15-5-04). ومما يحسب له فيه أنه جلس بخاطر طايب يجيب على أسئلة من عابوا تعيينه في هذا المنصب المميز. وهذه عادة ديمقراطية ليست شائعة بين قادة العمل التنفيذي. وربما "هدت" الحركة النقابية علي غندور فأزالت منه أورام كبار الأفندية. فعامة السودانيين، وفي النقابات، يؤثرون في قيادتهم "الواطي" كما يقولون الذي لا يضيق بأسئلتهم أو مساءلتهم. وقد كان المرحوم أبو سليم يضيق احياناً بطاقم موظفيه. وقد حسدني على تجربتي النقابية والسياسية قائلاً: "لقد وجدت نفسي مديراً من أول يوم تعينت فيه في الحكومة. ولم أنتم الي حزب. وددت لو أن لي حظك من السياسة. أحتاج إليها احياناً".

أريد مع ذلك أن أراجع غندور في بعض مقولاته لا لجاجاً بل طلباً للخير. فقد قال إن تعيينه من قبل رئيس الجمهورية هو أكثر التقاليد ممارسة في تنصيب السلف من مدراء جامعة الخرطوم. وقال إنه لم تجر الانتخابات إلا لمديرين من 15 مديراً مروا بالجامعة. ولست متأكداً إن كان اختيار المرحومين نصر الحاج علي (آخر الخمسينات) والنذير دفع الله (أوائل الستينات) ممن انطبق عليه التعيين انطباقه علي غندور، أو بروفسير حميدة، أو بروفسير علي فضل، أو المرحوم بليل مثلاً. فقد جري اختيار نصر والنذير بواسطة مجلس الجامعة بغير ضوضاء سياسية كبيرة كالتي جرت لدى اختيار المرحوم عمر عثمان (1968) أو البروفسير يوسف فضل (1986). فإذا صح تقديري هذا يكون التعيين قريناً بالنظم الديمقراطية والتعيين قريناً بالنظم الديكتاتورية. ولما كانت النظم الأخيرة هي الفاشية عندنا تكاثر التعيين وقل الانتخاب. وهذا باب في السياسة لا في حسن إدارة الجامعة. وكان المرحوم محمد عمر بشير قد حكي لنا بعض ملابسات تعيين المرحوم نصر الحاج علي. فقال إن جماعة من الاتحاديين بالجامعة قابلوا المرحوم الزعيم الأزهري وقالوا له كيف تقبل أن يكون علي رأس الجامعة المرحوم نصر الأنصاري وفي الجامعة المرحوم شبيكة الاتحادي. فقال لهم الأزهري: "قبلت لأنني إذا أطلقتم يدي في التعيين بالجامعة فلن أقتصر علي المدير وستكون يدي لاحقة". وفهم من جاءوا لتأليبه علي المرحوم نصر الكلام.

من الجهة الأخرى انزعجت للطريقة التي انتمى بها غندور لرئيس الجمهورية وجهازه التنفيذي بغير قيد ولا شرط. فلما سأله عارف إن كان سيبقي في أمارتيه، الجامعة واتحاد العمال، قال: "هذا ليس قراري. فبقائي بالجامعة في إدارة الجامعة رهين برغبة رئيس الجمهورية الذي كلفني بالأمر وبقائي رئيساً لاتحاد العمال رهين بالحركة النقابية. وبقائي بالمنصبين رهين بالذين أوصلوني لهذين المنصبين". وقال مرة ثانية إن الرئيس طالما كلفه بإدارة الجامعة فهو جاهز وإن رأي غيره فهو جاهز وإن رأي أن يهجر مدارة الجامعة واتحاد العمال فهو جاهز. ومع أننا بالطبع نعرف ونقدر ولاء غندور للرئيس إلا اننا لم نرد له أن يشتط في التعبير عن هذا الولاء بما يشففقنا على الجامعة. فقد تأذت الجامعة كثيراً من مثل هذا الولاء المطلق لنظام سياسي. فقد وقع أكبر تطهيرين سياسيين في الجامعة في 1969 و1992 لأن المدير المعني لم يغلب مصلحة الجامعة على مصلحة النظام.

وقد أعجبني من غندور أنه شدد قائلاً إن للجامعة رباً يحميها من سيطرة الحكومة بما كفله لها القانون من مؤسسية وإدارة ذاتية. ولكن من حقنا أن نفترض موقفاً كان الخيار فيه لغندور بين نازع الجامعة ونازع الدولة. وهو موقف كثير الحدوث. ولن يصعب علينا أن نتكهن الي أين سينزع غندور بعد ما قاله عن فرط جاهزيته لخدمة الرئيس. فقد توقفت مثلاً عند مشغوليات غندور في اتحاد العمال. فقد اشتكي هو نفسه من كثرة اجتماعاته التي تبلغ 7 اجتماعات في اليوم. وعليه بدا لي الجمع بين اتحاد العمال والجامعة (بالبرنامج الواسع الجيد لتطويرها الذي التزم به في حديثه الصحفي) من ضروب المستحيل برغم ما أعرفه عن غندور من شدة وجلد. فالواضح أن ليس بوسعه أن يعيد ترتيب أسبقياته لأنه سلب نفسه من حق هجر اتحاد العمال ليولي الجامعة جهده غير الموزع ورهن ذلك بإرادة الرئيس.

وددت وغيري أن يأتي الي سدة الجامعة أستاذ ممن لا شاغل آخر له غير الجامعة. وهو ممن وصفهم البروفسير صافي الدين عوض يوماً للسيد أبو القاسم محمد إبراهيم. وكان أبو القاسم قد اجتمع بنفر من أساتذة جامعة الخرطوم لبناء فرع للاتحاد الاشتراكي بينهم. فقال له صافي الدين: "يا جنابو نحن الشايفين ديل بقينا اساتذة جامعة عشان ما لينا في الفروع والسياسة الحزبية. لمن كنا نقوم عصراً بدري على المكتبة ناس السياسة ما غابننا دربهم على اتحاد الطلبة يجتمعوا وينفضوا ليلهم كلو". وليس في نفسي غصة خاصة علي غندور. وإنما هو الشأن العام والتناصح في المعاش والمعاد. وأتمني ان يستخدم نفوذه الحسن في الدولة ليسترد الإحسان لهذه الجامعة التي هي سفينة القيادة في التعليم الجامعي. وأتمني أن يحمل النظام على إعادة النظر في قانون الجامعة لكي يأذن بالانتخاب كما حملهم علي فصل نقابة الأساتذة عن نقابات الجامعة الأخرى. وليهنأ.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.