(تناهي إلى سمعي تصريح مقتضب للسيد أكرم على التوم، وزير الصحة، عن التزام وزارته بمجانية العلاج متى فرغت من استئصال الفساد من وزارة الصحة. ولا أعرف إن كانت العودة لمجانية العلاج التي انتهكتها الإنقاذ هي السياسة الأمثل في إدارة العلاج في البلد. ولكني لست من أنصار العودة البسيطة لها على طريقة "كما كنت". وتصادف أن فكرت في أمثل الخطط للنهضة بالعافية في الوطن حين كنت أصمم برنامجي الانتخابي عشماً في رئاسة الجمهورية في 2010. وأدناه بعض ما كتبته عن انشغالي بالمسألة أعيد نشره عسى أن يقع موقعاً حسناً في خطابنا حول ما نريد للخدمة الصحية في بلدنا)

ستصبح كتابة برنامج انتخابي في مثل حالنا الذهني تحصيل حاصل. فالبرنامج تخييل جديد للوطن أو هو إعادة اختراع له. وهو مما تسهر عليه معارضة مجتهدة ذات حلف دؤوب مع المستقبل. ولم يقسم لنا الله هذه المعارضة. فهي سلفية مسكونة بالحنين إلى ماض ذهبي (وقع لنا أو نتوهم أنه وقع لنا) أطلقت عليه "الزمن الجميل" وكفى بالله شهيدا. فكل شيء جميل عندها وقع لنا في الماضي. فإذا قلت التعليم قالوا بخت الرضا وحنتوب وغردون. وإذا قلت الحكم قالوا هلا هلا خدمة الإنجليز المدنية أو الإدارة الأهلية. ولو تطرقت للمواصلات بكوا لك الترام بل حاول بعضهم استعادته وبيعه لنا وإذا قلت وزراء الخارجية قالوا المحجوب وزروق . . . ومنصور خالد. وإذا قلت الفكاهة حكوا لك من حصائل سينا وود نفاش والهادي الضلالي المحدودة جداً. وقس على ذلك. وهذه آفات في التخييل تجعل من المصابين بها في خصام عديل مع المستقبل الذي هو موضوع البرنامج الانتخابي. ونقول في عبارتنا عن كل طعام لم نستسغه: "إنه قد جرى أكله من قبل". وسيكون المستقبل المستخرج من مثل ذهننا السلفي المعارض وكأننا عشناه من قبل في الزمن الجميل.

أفكر منذ حين بمستقبل الخدمة الطبية في بلدنا. وهو تفكير لا مهرب منه لمن عاشوا في الولايات المتحدة. فالرعاية الصحية فيها شغل شاغل كما عرف كل متابع لانتخابات الأمريكيين الرئاسية الأخيرة. وانتبهت بذلك لمساع حكومة الانقاذ لتبني خطة للتأمين الصحي على النهج الأمريكي. وبدأ اهتمامي بذلك من حديث عابر مع سائق تاكسي بجهة الكلاكلة. حكي لي عن نجاته من موت محقق من مرض عضال بفضل التأمين الصحي الذي وفر له العلاج في مستوصف لم يكن يسطيعه لولاه. ثم التفت إلى وقال: "أنا من المحالين للصالح العام. لا تظن أنني اقول هذا عن عاطفة سياسية." وانتهزت أول فرصة لأعرف أكثر عن التأمين الصحي. وجاءت وحضرتها. كان ذلك قبل عامين أو نحوه. فقد عقدت إدارة التأمين الصحي بولاية الخرطوم مؤتمراً صحفياً عن بدء حملتها لإدخال سكان الولاية في مظلة التأمين. وتوقعت أن يكون ذلك نبأ عظيم. فأسفت أنني لم أجد في المؤتمر قادة الرأي أو المعارضة ممن يسلقون الحكومة بألسنة حداد لبؤس الخدمة الصحية. وأوفدت أغلب الصحف بعض المتدربين بها لتغطية المؤتمر. ولم تحسن حتى صحف لسان الحكومة عكس هذه المناسبة الهامة للدولة كما ينبغي. وكتبت عمودي بالرأي العام أنعى هذه السلبية تجاه هذا الاجتهاد الحكومي اتفقنا معه أو لم نتفق.

ثم بدأت بعض الدوائر المعارضة تسفر عن خططها للرعاية الطبية على حياء. ووجدتها عادت إلى مربع مجانية العلاج. وبالطبع لا غضاضة في اعتقاد جماعة ما أن مجانية العلاج هي بالتحديد نوع الرعاية الاجتماعية التي يستحقها مواطنونا. ولكنني لم أقف بعد على بينات رقمية وسياسية ومهنيه لسداد فكرة مجانية العلاج في مثل ظروفنا وعالمنا. فلم أسمع من المعارضين نقداً لمنهج التأمين الصحي الإنقاذي يتجاوز "تفنيط" عيوب الخدمة الصحية نفسها (من جهة التردي وضيق نطاقها) لينظر في فكرة التأمين ذاتها وخططه لتغطية القطاع الفقير من السكان. وهذا مظهر واحد من مظاهر "كُجنة" المعارضين للإنقاذ. فهم لم يعترفوا بها بعد ويرون سنواتها وأعمالها مما يمكن شطبه من سجل الوطن بجرة قلم. وكما كنت يا بلد. كما لم أر اجتهاداً معارضاً يأخذ في الاعتبار إشكالات الرعاية الصحية في السياق العالمي مثل أن العلاج أضحى صناعة مكلفة أثقل كاهل دول أعتى منا. ولم يأخذ دعاة المجانية حقائق مجتمعنا الذي نشأت فيه شرائح حظية (كما يقول الترابي) شاعت فيها عقيدة العلاج بالثمن من بناة المستوصفات والجامعات الطبية. ومنهم من ارتبط بتأمين صحي عولمي ولا يرغب أصلاً في مجانية العلاج. وبقروشك تحلي ضروسك.

بل لم أجد من أنصار مجانية العلاج تحوطاً تجاه تأمين المجانية نفسها من الابتذال بالتفريق بين مقدم الخدمة (المستشفى) والدافع للخدمة (الدولة) على مبدأ أكلوا أخوان واتحاسبوا تجار. ومن زاوية هذا التحوط أن يقدم المستشفى مثلاً العلاج كخدمة رأسمالية بالثمن للدولة. والحساب ولد. خشية أن تصبح إمكانات المستشفى (حقن وشاش وحبوب سكسنايرثري) مالاً سائباً عرضة للنهب من القائمين بالخدمة الطبية نفسها. وتحاسب الدولة المستشفى على دائر المليم عن كل قطعة شاش من مشترواته. وكان هذا رأي المرحوم جعفر محمد على بخيت حين فرق بين مجانية التعليم بجامعة الخرطوم وبين من يدفع لها. فقد كان رأيه هو أنه لضمان استمرار الجامعة في تقديم خدمتها التربوية النوعية فعليها، كمؤسسة ذات استقلال ذاتي ومهني، أن تفرض ثمناً عليها. وعلى الحكومة (من مستوى المحلية حتى الحكومة المركزية) أن تدبر أمر كيفية سداد ثمن هذه الخدمة. ولم نسمع حكمة الرجل قبل أربعين عاماً حين كان مشرفاً على الطلاب. وأنظر ما جنيناه. فالكل يعرف أن الجامعة فشلت في توفير المجانية وبخاصة في معاش الطلاب ف"عصرت" على الخدمة التربوية الأكاديمية وأنقصت مالها. وانتهزت حكومة الانقاذ هذه المفارقة ففعلت ما فعلت. والله غالب.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.