لا أعرف إن انصرف تفكير أي منا، ونحن نعجب بأستاذنا عبد الخالق محجوب أو نهجوه، إلى أنه كان طفلاً في يوم من الأيام. فقد انطبع في ذاكرتنا أنه لم يأتنا بالغاً فحسب بل جالباً بضاعة وجدت من استحسنها واستقبحها رهط كبير.

والسبب في تجاوزنا طفولة أهل الشأن عندنا إلى بلوغهم خطأ في الترجمة لهم. فلا نرى الواحد منهم يولد في بيت ويتربى فيه. فلا نهتم بسيرته إلا متى دخل المدرسة والثانوية خاصة وحنتوب على وجه الدقة. وبهذا "الفط" للطفولة يفلت من بين يدينا طور التكوين الأول لهوية أو ذاتية الفرد. وهي ما تعرف في الإنجليزية ب (subjectivity). وهذا الطور، لو فهمت عالم النفسي الفرنسي لاكان، هو حجر الأساس في تكوين ذاتية المرء. وحجر الأساس لحجر الأساس هذا هو تعلمه اللغة في محيط الأسرة والوسط. ولذلك استعجب بمن يستهين باللغة (والعربية بالطبع) في خطاب الهوية السودانية ويصرفها كوسيط تواصل لا تفرق إن كانت العربية أو الإنجليزية طالما تحدث الواحد منا وبلغ الآخر ما يريد.

درس عبد الخالق في مدرسة الهداية القريبة من بيتهم في حي السيد المكي بأم درمان وبيت المرحوم عبد الله خليل. وهي مدرسة أهلية أنشأها الطاهر الشبلي والد المرحوم أمين الشبلي نقيب المحامين المتين خلال الستينات والسبعينات. وقيل إنه حتى الزعيم الأزهري درس بها. ولم يكن الطاهر الشبلي، إن لم أخطئ، اسماعيلي الطريقة فحسب بل من عترة شيخها السيد المكي نفسه.

وحدثتني السيدة فاطمة محجوب، شقيقة أستاذنا، أنه ما وقف طابور المدرسة، وفيه أخوها، صباحاً حتى ارتفع صوت التلاميذ بدعاء في شعر:

يامن الى رحمته المفر ومن اليه يلجا المضطر
ويا قريب العفو يا مولاه ويا مغيث كل من دعاه

وبحثت عن أصل قصيدة الدعاء هذه لأجدها مغربية الأصل وأتعجب. فهي دعاء التوسل الناصري في المغرب لسيدي محمد بن ناصر شيخ الناصرية الشاذلية توفي 1085 هجرية. وبالطبع شغفت لأعرف كيف تسربت إلى مدرسة الهداية وصدح بها استاذنا ضمن آخرين يرطبون صباح حي السيد المكي والشهداء. ووجدتها كثيرة الورد على اليوتيوب ومنها واحدة من أداء الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط بالرابط أدناه.

في طفولتنا جميعاً شفرة لهويتنا لم نحط بها فتشردنا في سنيّ بلوغنا والباقي تاريخ.
رحم الله استاذنا عبد الخالق محجوب.

https://www.youtube.com/watch?v=XO4QcyPyWPA

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.