(أنشر هنا مقدمة كنت كتبتها لكتاب أستاذنا عبد الخالق محجوب "آراء وأفكار حول فلسفة الإخوان المسلمين" صدر في نحو 1968 (الطبعة الثانية من دار عزة) في حمى المناقشات التي دارت حول الدستور الإسلامي الذي كانت الجمعية التأسيسية قد أجازت مسودته. وكان ذلك الدستور تتويجاً للثورة المضادة لثورة أكتوبر 1964 التي خرج منها الحزب الشيوعي حزباً معززاً شديد النفوذ. فتضافرت قوى تلك الثورة (حزب الوطني الاتحادي-الأزهري، حزب الأمة والإخوان المسلمون) لكسر شوكته. ففرقت حافل حكومة الثورة الأولى التي كان نفوذ الشيوعيين قوياً في أبريل 1965، ثم حلت الحزب نفسه في ديسمبر من نفس السنة وطردت نوابه من الجمعية الـتأسيسية، ثم أجازت مسودة دستور إسلامي في 1968.
لم أرد بالمقدمة تقديم الكتاب المخصوص عن فكر الإخوان المسلمين بل لعرض تفاكير عبد لخالق حول الدين والماركسية في بيئة سياسية تربصت بحزبه تربصاً شقياً. وقال عن هذه البيئة إنها فرضت على الماركسية غربة عن الدين والمجتمع. واعترف بأنها غربة ليست مختلقة كلياً بل لها حواضن فكرية حتى بين جمهرة الناس. واتجه عبد الخالق في كتاباته باسمه، أو في دورات اجتماعات الحزب الشيوعي، إلى تفكيك هذه الغربة وعرض نهجه للخروج منها إلى الرحاب الثورية. وعرضنا في الحلقة الثانية لتفريق عبد الخالق، في معرض شحذ همة الماركسي المسلم لامتلاك سرديته هو أو هي لدينه، بين إسلام المستغلين وإسلام المتدينين اليوتوبيا. وأراد بهذا الإسلام اليوتوبيا العالم المثالي الذي يشد أفئدة الناس في واقع يحدق بهم: الفساد فيه وحل، والمحسوبية عاهة، تغلب فيه الإثرة والتفاوت الطبقي اللئيم والفردية القاتلة. ويجد عامة المسلمين أنفسهم أسرى تناقض بين عالم المثال هذا الذي الإسلام فيه مستودع العدالة والإيثار والمساواة وبين ارتباطهم بقوي النادي السياسي التي تفسد في الأرض، تناقض بين المثال الذي يجعلها ترفض الواقع الفاسد وبين قلة حيلتها وهي أسيرة النادي السياسي وخطته السياسية. ولا مخرج لها من هذا التناقض سوي بنظرية اجتماعية للسلطة تنتقل بها من رهن إرادتها بانتظار فيض القلب الرحيم والمدد المثالي إلى اكتشاف القوة الاجتماعية للتغيير لتحرير نفسها من لعنة وعبودية المال. ونختم:
من المؤسف أن نظرات عبد الخالق حول غربة الماركسية والدين لم تجد من الخلف الشيوعي لا تجريحاً ولا تطويراً. فلم يتسن للحزب أن يتخطى أطروحة "استغلال الدين" في العمل السياسي" إلى الرحاب التي افترعها عبد الخالق. فلم يكن بوسع الشيوعيين انتهاج فقه ماركسي غير فقه "التهويس الديني للسياسة" بالنظر إلى الشروط السياسية والفكرية التي اكتنفتهم لعقود أربعة منذ آخر الستينات. فقد توالت على الخَلف الشيوعي واليساري عامة النكسات بعد محنة حل الحزب الشيوعي في 1965. وكان الدين، بصورة أو أخرى، من الملهمات الرئيسية للذين أوقعوا بالشيوعيين الأذى.
وصح هذا التقدير أو لم يصح، فالذي استقر في خاطر الشيوعيين هو أن خصومهم كادوا لهم بالدين وما زالوا يكيدون. والمعروف أن الدين قد أصبح أيدلوجيا الرئيس نميري البديلة لليسارية الثورية بعد فراقه الدامي مع الشيوعيين بعد انقلاب 19 يوليو 1971. وقد تدرج نميري بالشعار الديني حتى أقام دولته الإسلامية في 1983. ثم جاء انقلاب 1989 الإسلامي الذي شتت شمل اليساريين في أطراف الأرض والغرب المسيحي بالذات. وليس من المستغرب إذاً أن ينشغل الشيوعيون بمحض غريزة الدفاع عن النفس بأطروحة استغلال الدين وتنويعاتها مثل إرث الإسلام في مجافاة حقوق الإنسان، واضطهاد المرأة وغيرها مما اتفق للغرب من صور نمطية عن الإسلام. وهي صور يعاد إنتاجها وترويجها في ملابسات عالم ما بعد الحرب الباردة الذي جري تصنيف الإسلام فيه ك "خطر" دولي بواسطة دهاقنة الفكر الأمريكي. وهكذا تناصر واقع محلي سوداني وواقع عالمي لكي يبعدا الشيوعيين عن افتراع معني للإسلام في السياسة غير معني استغلاله في هذه السياسة.
ولم يتسن للشيوعيين وهم بهذا الانشغال ب "تهويس" الدين أن ينموا فكرة عبد الخالق عن يوتوبيا الإسلام التي تعبئ المسلمين حول المثال الباكر لمجتمع النبي (ص) والصحابة الذي اتسم ببساطة الحكم وكرامة الرعية. وقد رأينا كيف حاكم المسلمون حكومتي نميري والإنقاذ الإسلاميتين بقواعد هذه اليوتوبيا الناقدة النافذة حين اشتطتا في البوليسية أو الفساد أو المحسوبية. وقد أخرج هذا النقد النميري من طوره فقال ببجاحة وكفرانية إنه يعلم أن للبيوت في الإسلام حرمة غير أن إسلامه هو إسلام "النط" في البيوت وتفتيشها. وقال الدكتور الترابي إن هذه اليوتوبيا قد قعدت بالحركات الإسلامية دون استحداث برنامج متدرج عملي تأخذ به مجتمعاتها من واقعها إلى مثال الإسلام. فهذه الحركات، في نظر الترابي، تعلقت بمُثل تَشْخص نحوها بالأماني. فلن تقارب الدولة الإسلامية المستعادة حالة الكمال الإسلامي "العمري" وقد لا تبلغها. فهذه الدولة لن تنشأ تامة وهي تولد من واقع إسلامي منحط، بل ستبدأ من بعض الطريق ثم تتقدم نحو مثل الإسلام. وأضاف الترابي أن الحركات الإسلامية المعاصرة اعتزلت المجتمع وتجافت عنه لإخفاقها في تحقيق المثال الإسلامي. وانطوت على هذه اليوتوبيا تنتظر حدوث معجزة تحقق أمانيها. وهكذا يري هذا الناشط الإسلامي الكبير كيف أن اليوتوبيا الإسلامية قد تصبح قيداً على الحركة الإسلامية المعاصرة وسبباً للنكوص والخيبة (8).
وكان بوسع الخَلف الشيوعي أيضاً أن يصوب بعض خاطرات عبد الخالق. فكلمة عبد الخالق في أن الدعوة للدستور الإسلامي لم تنشأ عن تنوير إسلامي سوداني هي عين الصواب إذا انصرف بها إلى الأحزاب التقليدية الطائفية. ولكننا، وبآخرة، قد نميل إلى تخطئتها إذا عنت الحركة الإسلامية الحديثة الناشئة آنذاك والتي تحالفت مع تلك القوي الطائفية على المستوي السياسي وآذت الحزب الشيوعي. غير أن تحالفها السياسي لم يمنعها من احتضان جذوة ما تروم التجديد الديني والتحديثي وبخاصة تحت قيادة الدكتور حسن الترابي منذ نصره على خصومه التربويين في الحركة في عام 1969. والمعلوم أن الشيوعيين لم يحتاطوا فكرياً لدرس هذه الحركة التي عدوها اجتماعياً فريقاً من أتقياء الريف "الكيزان" وعدوها سياسياً امتداداً فاشستياً للحركة المصرية التي اشتهر إرهابها بين شيوعي السودان نقلاً عن خبرة لهم بها في مصر (9)، وفي مقاومتها للناصرية التي عقد الشيوعيون معها أحلافاً متأرجحة. ولم يقرأ الشيوعيون الحركة الإسلامية في نصها وتجلياتها السودانية وبخاصة خلال صراعها المرموق للاستقلال عن قبضة "الشيخ" المصري المتمثل في التنظيم العالمي لحركة الإخوان المسلمين الذي أراد للتنظيم السوداني أن يكون فرعاً تابعاً. وقد شددت حركة الترابي طوال هذا الصراع على أصولها في الديمقراطية السودانية في طيات الحركة الطلابية والشعبية (10). وقد استحسنت دائماً خاطرة للأستاذ محمد إبراهيم نقد، السكرتير العام للحزب الشيوعي، قال فيها إننا حاكمنا الإخوان المسلمين في السودان بما نعرفه عن الإخوان المسلمين المصريين. وهذه خطة عاجزة.
*(بوسعك طلب نص هذه الكلمة بهوامشها متى بعث لي ببريدك على إيميلي لا المسنجر: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)
*الصورة للصفحة الأولى للنص الإنجليزي لدفاع أستاذنا عبد الخالق محجوب أمام محكمة عسكرية في 1959 وهو اشبه بترجمة ذاتية لشباب جيله وملابسات تعلقهم بالماركسية. نُشر النص العربي مستقلاً في 2007 من دار عزة وبين طيات كتاب "ثورة شعب" (1965). وتجد النص الإنجليزي هذا في:
Southern Atlantic Quarterly (108:3), Summer 2009


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.