ربما حمل بعضهم سؤالي إن كان السيد صديق يوسف من قال ما تواتر نشره عن نيتهم، ضمن أشياء أخرى، تطبيق الشريعة على الإنقاذيين محمل ما بيني وبين الشيوعيين من خصومة. غير إن لي ذاكرة أخرى عن نهج معارضي الإسلاميين في تطبيق الشريعة. سنأتي إليها. وهي ذاكرة لشيخ مثلي يسوئه أن يخوض بعض هؤلاء المعارضين في شأن الشريعة بإهمال. وهي ذاكرة من رأى الثورة التي أشرقت في روحه في أكتوبر 1964 تهدها معاول من خرجوا عليها باسم تحكيم الشريعة. ورأى الحزب الشيوعي الذي أعطاه جهده الخالص يُحل في 1965 باسم تحكيم الشريعة. فركب الحزب اليأس من الديمقراطية، واكتنفته انقلابات طوت صفحته. وكان، يا للحسرة، الحزب الوحيد الذي خرج لنصرة المستضعفين علناً كما لم يفعل حزب من قبله ولا من بعده. كان عنواناً للنبل سعياً وموئلاً للوسامة نساء ورجالا.

ولا يصح بعد هذا الخسران المبين لقضة التقدم والحداثة أن نرتجل الحديث عن الشريعة ارتجالاً أو مواتاة بطريقة قدر ظروفك. ومن ذلك أن موقف معارضي الدولة الدينية لم يتسم بالصمامة والاتساق. فلم يستقر رأيهم على رأي صديق من إقامة الحد على سارق المال العام بقطع الأيادي السافلة. إذ لم يكن هذا رأيهم خلال محاكم العدالة الناجزة على آخر عهد نميري (1983-1985). فاشتهرت آنذاك محاكمة صراف مدرسة ثانوية حكمت عليه محكمة من تلك المحاكم بقطع اليد حداً متهما باختلاس مبلغ من المال من خزينة المدرسة. وقامت قيامة المعارضة على الحكم والمحكمة، واستنكرته بحجة أنه لا عقوبة حدية على سارق المال العام لشبهة أنه طرف في تملكه. وعاد الدكتور عمر القراي منذ أيام إلى تلك الواقعة في معرض "نبيشته" للإسلاميين تاريخياً. فذكر من ضمن خراقتهم وجهلهم بالإسلام قيام محاكم العدالة الناجزة في 1984 بالحكم بقطع يد محاسب مدرسة مداناً بالاختلاس من مال في ذمته. وقال القراي إن المحكمة جرؤت على حده "مع أن الشريعة لا تقطع في الاختلاس من المال العام، لشبه مشاركة المختلس فيه".

لم أقبل بدفع المعارضين عن المحاسب من جهة استباحة المال العام دون المال الخاص. وبالطبع لم يكن مصير المحاسب شاغلي فيما انصرفت إلى الجدال فيه. وكتبت في وقتها أقول إن موقف المعارضين هو من باب مواتاة ساس يسوس للتنكيد على نظام يعارضونه. وعليه فهو قاصر دون تنمية شفافية في الثقافة والتشريع تصون المال العام من امتداد الأيدي. ومن ذلك الا نقبل بمبدأ استباحته هكذا للسارق بشرعة أنه جزء من ملاكه بينما الأقرب للرشد أن نغلظ له العقوبة لأن شراكته فيه موجبة للتعفف لا للتبذل. وقلت للشيوعيين بالذات إن عقوبة مختلس المال العام في الاتحاد السوفيتي كانت الشنق من خلاف.

هذه هي الذاكرة التي كانت من وراء سؤالي إن صح المنسوب لصديق عن إيقاع الحد بالإنقاذيين سراق المال العام. فاستغربت كيف صح عنده وخصوم الدولة الدينية، وفي وقت معاً، القول بأن لا حد في المال العام مرة وتطبيق الحد في مرة أخرى؟ ورأيت في هذا تشوشاً حول شأن دقيق في الدين والقانون والسياسة غير خليق بفكر محاصر واقف على أمشاطه الحداثية لنصف قرن وأكثر. وخصمنا فسل يا ناس ووجهه ناشف لا يتورع ما يزال عن وصمنا بعداء الإسلام الذي لم يحسن مثله في تهوينه ولا أجاد تبخيسه. إن أمرنا مع قضية الحرية والتغيير لعظيم ولا سانحة فيه للغفلة أو الارتجال.


آه يا المحاسب يا خي كر عليك

تجد أدناه أغنية بنات عن العدالة الناجزة التي كان نجمها د. المكاشفي طه الكباشي. وفيها احتجاج على تبرئة المحاكم اثنتين من الصفوة بينما نال بعض غمار الناس منها أحكاماً فظة. وورد من الصفوة اسم المرحومة فاطمة أحمد إبراهيم التي برأتها محكمة للعدالة الناجزة وقفت أمامها متهمة ب"الشغب". كما ورد اسم "فائزة" ولا أعرف كنهها. وستجد ذكراً للمحاسب وآخر اسمه الواثق (صباح الخير اعتقد) ممن جرى إعدامه. وللمرحوم على المك كتابات مشفقة على الواثق لو أذكر.

آه يا الحرامي أنا خايفه عليك
ومن قطع إيديك
ما تخافي عليه
المكاشفي بيبقى ليه
آه يا المكاشفي انت حاكم ظالم
ليه برات فائزة وعدمت الواثق
آه يا المكاشفي إنت حاكم فاشل
ليه برات فاطمة وحكمت على المحاسب
آه يا المحاسب يا خي كُر عليك
من قطع إيديك
مليون ما تكفي ليك
بس إيد المكاشفي هي كفايه عليك
أصلها عدالة ناجزة
واللا استئناف لفائزة
واللا واسطه فاسده
واللا عدالة ناجزة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.