قضيت شطراً من أيام الظل، وهي عبارة للشاعر المرحوم الجيلي عبد الرحمن في عهد الطفولة، بمدينة أبو حمد التي كان والدي ناظراً لمحطة السكة الحديد فيها بين 1949-1952. وأبو حمد هي المحطة التي يبدأ منها العد التنازلي للمحطات النمر: من نمرة عشرة إلى نمرة واحد قبل محطة حلفا. وبين بعض النمر سندات نمرية أخرى.

الأصل في محطة السكة الحديد خدمة المنطقة من حولها ركاباً وعفشاً وخدمة الخط الحديدي نفسه لصيانته، وإدارة حركة القطارات. ولوقوع المحطات النمر في وحشة العتمور الصحراوي، لا ناس ولا بضاعة، فقد انحصرت مهمتها في شقاء وحيد تليد هو خدمة الخط الحديدي نفسه وقطاراته. وهي شبيهة بأمر السياسة عندنا منذ حين: فالسياسة تخدم خط السياسيين الحديدي. والمحطات النمر في أمرها قريبة مما قاله ماركس في النقود بين السلع. فالنقود سلعة ولكنها سلعة تجردت من كل نفع مباشر حسي (أنت لا تأكلها مثلاً) وأصبحت خادمة متجردة لخدمة السلع الأخرى في دورانها بين الباعة والمشترين. ومفهوم ماركس عن النقود، الذي وصفها فيه بأنها FETISH، وترجمناه في العربية إلى "شيئية"، يحظى بقبول جدي على عهدنا هذا في دوائر أهل العلم. وال Fetish هو آلة من آلات الساحر. وقد يكون عوداً أو ريشة طائر أو غيره ولكنه في عملية السحر يكتسب حضوراً شفيفاً صميماً مستقلاً عن أصله ومعناه وغرضه.

والمحطات النمر "شيئيات". وعن وحشتها كان يؤانسني أخي المرحوم عبد الله أفندي محي الدين الحسن، من حجراب بار جلاس بالشمالية. فقد كان يعمل برئاسة هندسة السكة الحديد بعطبرة، ورمزها "بلنجه" في شفرة تلغرافات السكة الحديد، التي يقع أكثر عمل النمر تحت إدارتها. فقد روى يوماً طُرفة من طرفه الكثيرة عن النمر حين ذكر أن إدارة الهندسة بعثت إلى عمال الدريسة على طول الخطوط تحذرهم من الاشتراك في إضراب نقابي وصفته الإدارة بأنه غير مشروع على أيام نظام الفريق عبود. وطلبت الإدارة من حكمدارات الدريسة الإفادة ب"علم". وفعلوا ما عدا حكمدار نمرة ثلاثة الذي كان رده: "إلى بلنجه، عطبرة: أنا وعمالي مضربون". وهذه حملة حكمدار نمرة ثلاثة الانتقامية. وحكى لي المرحوم عبد الله عن حكمدار الدريسة الذي طلب النقل من إحدى النمر لأن بناته قد بلغن سن الزواج ويخشى عليهن من العنوسة في النمر التي هي بلا سكان أصلاً. وآمل أن تحتفظ "بلنجه" عطبرة بأرشيف النمر هذا لباحث مستقبلي يشق باب هذه الوحشة الضريرة يوماً.

ومن أبرع رواة حياة النمر الشاعر الرباطابي الهجاء الظريف، الأخ إبراهيم الدقاق، من ذرية ود الكليباوي الشاعر الرباطابي المطبوع. وإبراهيم الدقاق عامل دريسة قضى شطراً من حياته في نمر النمر من مثل 45 التي تقع بين نمرة خمسة وأربعة. وحكى لي يوماً بمدينة أبو حمد عن سعادته الشاعرية يوم حطت "رخمة" بتلك المحطة المجهولة حتى لبغاث الطير.

وسأكتفي بهذا دون ما جاء في المقال عن الأستاذ أحمد عثمان حمري مؤرخ النمر بغير منازع عاش فيها طرفاً من طفولته مع أبيه عامل السكة حديد.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.