من أثقب النظرات في ثورة ديسمبر ما جاء في كلمة السيد ضياء الدين البلال في لقاء البشير بالصحفيين يوم الثلاثاء 6 فبراير على أنه شديد السلبية تجاهها حتى لا نقول العداء. فقال بأن الثورة بدأت في مرحلتها الأولى لأسباب اقتصادية ثم حاولت الأحزاب استثمارها في مرحلتها الثانية. ودخلت الآن في مرحلة سماها الأخيرة وزاد قائلاً "اعتقد أنها أخطر مرحلة وصلتها احتجاجات في السودان. هي مسألة بتاعة أنها تصبح حالة اجتماعية، مزاج اجتماعي واسع".


وثورة ديسمبر بالحق كذلك. واجتماعيتها هذه هي التي تربطها بثورة التغيير الاجتماعي في السودان التي وضعت ثورة أكتوبر 1964 حجر أساسها. فقد كنا نرنو خلال الصراع ضد نظام 17 نوفمبر إلى عودة الديمقراطية وعودة الجيش إلى ثكناته. وكانت يا عرب. ولكن أخرج المجتمع اثقاله بما تجاوز التغيير السياسي المحض إلى ثورة اجتماعية. وتمثلت دعائم هذه الثورة في الاعتراف بمواطنة المرأة والشباب والآخر. فصار للمرأة حق التصويت وكذلك للشباب في سن الثامنة عشر. ولم يعد الآخر الجنوبي "متمرداً" تُحرق من فوقه الغابات، كما جرت العبارة، بل مواطناً انعقد مؤتمر المائدة المستديرة المحوري لمعالجة تظلماته من الدولة المركزية وثقافتها. من جهة السياسة لم نعد بالثورة للديمقراطية فحسب بل عدنا لها بحكومة لم تطرأ على ذهن أحد وكأنها من الأحلام. فمثلت الحكومة عن طريق جبهة الهيئات، المنبر الذي قاد الثورة، المهنيين والعمال والمزارعين. وكانت الغلبة في مجلس وزرائها لجبهة الهيئات بوضع اليد لا تحنناً من أحد، ولا اختلاساً كما يروج البعض على أيامنا هذه بقولهم بتكويش الشيوعيين عليها. فكانت الأنصبة في الحكم بقدر الكسب السياسي على مدى ست سنوات من النضال ضد نظام عبود. واستنكار هذا "التكويش"، جدلاً، هو وجه من وجوه استنكار المحافظين والتقليديين (الرجعيين في لغتنا يومها وربما ما يزل) للمدينة ذاتها التي تفرخ هذه الكائنات الجديدة مثل الشيوعيين ولا مهرب. وما لبث أن أنقلب النادي السياسي التقليدي على هذه الإشراقة في الحكم ودبر انقلاباً مدنياً عليها في 18 فبراير 1965 شكل شعب الأنصار قوته الضاربة في "تاتشرت" أرهبت المدينة بقيادة الشيخ الأصم.

كانت ثورة أكتوبر ثورة اجتماعية نفذت بها المدينة السودانية الديمقراطية إلى سدة الحكم التي استأثر بها ناد سياسي من الأعيان وكبار ضباط الجيش. وأقف قليلاً هنا لتوضيح ما أعني بالمدينة الديمقراطية. فهي عندي المدينة النقابية التي ينتظم أهلها في هيئات ترعى شأنهم مع مخدم. فصفتهم دون أهل القرى أنهم تعاقدوا على العمل المأجور أي الذي يبيع فيه الواحد قوة عمله لمخدم مقابل أجر. وليس هذا الحال في الأرياف التي صورة العمل فيها الأسرة الممتدة والنفير. ويُؤجر البعض القليل للعمل ويسمى "المكري" احتقاراً له لتجرده من أي ملكية. وتنشأ النقابة أو الهيئة المهنية لتأمين العيش الميسور والحقوق المعاشية وبعد المعاشية لأهل الصنعة.

وانتزعت المدينة هذا الحق من الإنجليز بنضال معروف في مدينة عطبرة تكلل بصدور صدور قانون تنظيم النقابات في 1948. وما صدر القانون حتى شمل التنظيم النقابي 135 منشأة في عام 1956 فيها علماء المعهد العلمي، زسائقو العربات الخاصة، والمخابز، وعمال وموظفي الطيران الملكي، والأطباء والممرضات، وسايقو لواري كردفان ودارفور، وعتالة كريمة، وملاحة بورتسودان، وجناينية الحكومة، وعمال سكوني فاكوم، وعمال مكافحة الملاريا، وعمال الميناء البجا، وعمال محجر سلوم، والعمال السابقين بقنال السويس، والفنانين والموسيقيين، والشحن والتفريغ بورتسودان، والباشممرضين، وممرضي غرفة العمليات، وملاك التكسي، وموظفي مشروع القاش ناهيك عن نقابة غزيرة العضوية مثل نقابة عمال السكة الحديد. فمظلة النقابة سابغة. وليس مستبعداً بالطبع أن تسعى لوظائفها في خدمة أعضائها أن تعنى بالشأن السياسي العام لمساسه بحياة أعضائها، وأن أتطلب أن يتكيف هذا الشأن بتدخل ذكي منها.
لم تكن مصادفة أن جاء في حداء ثورة أكتوبر الناصع مقطعاً عن عزيمة الكيان النقابي الذي قام بها لكتابة تاريخ جديد:
من غيرنا ليقرر التاريخ والقيم الجديدة والسير
من غيرنا لصناعة الدنيا وتركيب الحياة القادمة
وهو تاريخ مُستقبل بينما تاريخ النادي السياسي للأعيان هو تاريخ مُستدبر. و"تقرير القيم الجديدة والسير" في ثورة أكتوبر مما نبه إليه كل من منصور خالد ومحمد أبو القاسم كل من ناحيته. ولا نطيل وسنرى قولهما عن ديمقراطية النقابة التي نفذت إلى ثورة أكتوبر لتصنع "الوجود المغاير" والعبارة من شعر التجاني يوسف بشير.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.