عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أنشر مثل هذه الكلمات أريد بها "توريط" الناس في برنامجي الإنتخابي لرئاسة الجمهورية لا كمنجز (product) جاهز ألقيه على العواهن بل كعملية (process   ) من الأخذ والعطاء للتخلص من "دم التاير" الذي في عروق فكرنا. فإن لم نتحوط من تسرب الفكر الذي زجنا في الأزمة سنعيد إنتاجها. ونقد الذهن المعارض مما ابتلاني الله به منذ زمن طويل. فقدمت لكتابي "عبير الأمكنة" (1988) بكلمة ناقدة لهذا الذهن. وعقيدتي أن نقد الذهن المعارض أوجب لأنه الذهن الحاضن للمستقبل. إنه "المستقل في الظل" يتنظر الصعود إلى المسرح. إنني واثق إن لكم ما تصدعون به في هذا التوريط مع مودتي. عبد الله
في نقد الذهن المعارض
1- الشفقة تطير
لعل أصعب ما أواجهه من ذوي النية الحسنة تجاه ترشيحي لرئاسة الجمهورية هو سؤالهم عن برنامجي. ومصدر الصعوبة ليس لأن كتابة برنامج إنتخابي من الأمور العصية. بل لأنني شديد الاقتناع بفساد أي برنامج من هذا النوع نكتبه على عجل وبحكم العادة. فالبرنامج في مثل ظروف الأزمة الوطنية العامة هذه ليس "تفنيط" لما يزعم المرشح انجازه للناخبين. إنه صنو تخييل جديد للوطن الذي وقف حماره في العقبة. وهو شغل للمعارضة بشكل رئيسي. وللأسف لم يقع لنا هذا التخيل أو إعادة التخيل للوطن لأن المعارضة خلال دولة الانقاذ وما قبلها لم تنشغل ببناء هذا الوطن الجديد في الخيال أولاً. فقد كان أكثر همها التخلص من النظام القائم كيفما اتفق. أما تخيل الوطن السعيد المستعاد من الظالمين فهي مهمة لاحقة قد لا تأتي أصلاً.
وأفضل ناقد لمثل هذه المعارضة هو أستاذنا عبد الخالق محجوب. فقد عاشها في حزبه خلال فترة الريئس عبود (1958-1964) ووصفها بأنها "إثارية" اكتفت بمطلب "عودة الجيش إلى الثكنات" دون النفاذ إلى تراكيب القهر في نظامنا الاقتصادي والاجتماعي. وقال إنهم حاربوا نظام عبود كنظام عسكري بينما كانت المهمة الجد هي ان يحاربوه كنظام طبقي بستخدم العسكرية أداة له. ومهما كان الرأي في مصطلح عبد الخالق الطبقي وخلافه فلا يملك المرء إلا أن يقر بأن الرجل ناقد ثاقب للمعارضة متى تنكبت طريق النهضة واقتصرت على المقاومة تهز بها الشجرة لتسقط الثمار حيث تسقط.
وبدات متاعبي مع المعارضة على عهد نظام الريئس نميري. وخرجت على الحزب الشيوعي في 1978 في هذه الملابسات. فقد رأيت حزبي يعود من غنيمة النهضة الوطنية بإياب المقاومة الباسلة الضريرة. وأذكر أنني لقيت في هدأة الليل وستره ناشطاً من رفاقي الشباب في ميدان ما بالحلة الجديدة بالخرطوم. وكنت سكرتيراً لاتحاد الشباب السوداني وقتها. وبدا الرفيق يلعن نظام نميري لأنه ينفق مالاً كثيراً على الدورة المدرسية من رياضة ومسرح وفنون وغيرها. ولو كنت من أنصار المقاومة كيفما اتفق لوافقته بالطبع. ولكني كنت قد كرهت مثل هذا التربص بالنظم التي لا نطيقها. فقلت له: "أليس الانفاق على هذا النشاط كسباً وفيه صقل لمواهب الطلاب وتنميتها؟ نعم النظام مسرف ولكن علينا تحديد أوجه إسرافه الضارة لا أن يتشابه علينا البقر فلا نميز ضربنا". وغير خاف أن رفيقي كان يخشى أن ينشغل الطلاب بضروب إبداعهم عن النضال ضد النظام. وقد ورثنا هذه الحزازة ضد النشاطات غير السياسية منذ عهد اللواء محمد طلعت فريد في وزارة الاستعلامات والعمل. فقد حرص فيها على الانفاق على رياضة كرة القدم بما فهمنا منه إنه يريد أن يلهي الناس عن السياسة. وذاعت نكات كثيرة عن هم الوزير الرياضي من مثل المذيع الجنوبي الناطق بعربي جوبا الذي وصف الوزير بأنه "وزير بتاع لعب" لتبسيط الفكرة لمستمعيه. ومن المؤكد أن عبارة أن بلدنا هذه  "يا كفر يا وتر"  تعود إلى هذه الفترة التي اصطنعنا فيها جفاءً لا مكان له بين الرياضة والفن والسياسة.
هذه معارضة "الشفقة". فالمعارضة تريد أن تزيل النظام بأعجل ما تيسرلتعود إلى الحكم فوراً. وفي شفقتها هذه ترى الرياضة والفن نوعاً من "أفيون الشعوب" فأجتنبوها. وقد اعترفنا بآخرة بفضل الدورة المدرسية، التي استنها نظام نميري، على الوطن حين خرج علينا منها رياضيون وشعراء ومسرحيون ومطربون أثروا وما يزالون ساحات الرياضة والفنون. وكثيرا ما وجدت نفسي بعد لقاء الحلة الجديدة على خلاف مع عقلية المعارضة الإثارية في صفوف الحزب الشيوعي خلال عهد نميري. وأذكر أنني غشيت صديقاً في ليلة ما. ووجدته يشكو من زميل لنا طالب لسوء أدبه مع ابن عمه الذي رعاه ورباه. وعلمت من الصديق أن هذا الطالب اختاره الحزب لبعثة بأحد بلدان شرق أوربا. فكتبت للحزب في مديرية الخرطوم رسالة أطلب منهم التحقيق مع الطالب حول مسلكه الأسري وأن نرهن سفره للبعثة ببيان كاف حول الشكاوى منه. وكنت أعلم في قرارة نفسي أنني اصرخ في واد. فالطالب قد استحق البعثة لدور مقاوم أو آخر وكل اعتراض على سوء أدبه مجرد تحصيل حاصل.
وتنزهت من يومها عن نظم المعارضة التي لا ترى أبعد من أرنبة تغيير الحكومات الظالمة بغير تدبر في العواقب. والعواقب عندي هي النهضة. فكتبت أول بيان عن زهدي في المقاومة الإثارية  بعنوان "نقد الذهن المعارض". وقدمت بها لمجموعة مقالات نشرتها في كتاب بعنوان "عبير الأمكنة". وسبق لي نشر هذه المقالات في جريدة الصحافة في 1978. وحاولت فيها أن عرض وفي ذهني صورة للوطن القادم الذي لم يتخلص من نظام مستبد فحسب بل من نظم الاستبداد جملة واحدة.
كتابة برنامج انتخابي من أسهل الأمور متى ما اعتقدت أن هدف الكفاح ضد النظم الجائرة هو اسقاطها وليكن ما يكون. خلافاً لذلك فأنا اعتقد أن هذا الكفاح تربية تتخلق بها صورة الوطن الجديد فتنطبع في الحس والذوق والعادة. الشاهد هنا أنني أريد أن أجعل من كتابة برنامجي الانتخابي إشكالاً لا متنفساً. أريد أن أزج فيه أنصاري وغير أنصاري خلال تشكله ذاته. فأنا لا أخبزه بليل وأوزعه على البقالات المنتظرة. أنا لا أكتبه . إنني أورط الناس فيه. 
   2-   من المقاومة إلى النهضة
كنت قلت إن سقمي بما أطلقت عليه " الذهن المعارض" يعود إلى مقدمة كتابي "عبير الأمكنة" الصادر عن دار نسق لصاحبها الدكتور عبد السلام نورالدين عام 1988. وصفت نظام نميري (الذي كتبت تلك المقالات في ظله) بأنه هدم مؤسساتنا الوطنية وقيم تلك الوطنية بغير وازع. واتسم أداء طاقمه بتقويض تلك المباني والمعاني لأنه يظن أنه جاء بما لم تبتدعه الأوائل. ولم يحتكم هذا الطاقم في هذا التقويض إلى نهج أو إعمال فكر. فمشروعاته غالباً ما ما عبر عنها أحدهم بمقالة وحيدة في الصحف السيارة لفت أولاد الدفعة لها نظر نميري فأصبح صاحبها وزيراً مكلفاً بتنفيذ الفكرة الشبح.
وقلت أن ما فاقم من بؤس إداء دولة نميري هو الذهنية المعارضة له. فقد اتخذت من هدم نميري للأبنية الوطنية مناسبة للتأجيج السياسي المجرد. فنسجت حول المؤسسات المقوضة هالة من الحنين إلى أيامها الذهبية معروفة بالنوستالجيا في الإفرنجية. وشملت هالة الحنين هذه الخرتيت رمز الجمهورية الذي تحول به نميري إلى صقر الجديان. وكذلك علم الأزهري الذي حل العلم الحالي محله. ومن ضمن مشمولات النوستالجيا معهد بخت الرضا الذي أنشأه الإنجليز في  1934 . فأنظر إلى ما انتهى إليه حين صار مؤسسة تبكي عدوان نميري عليها وتبالغ في الاحتفال بمرور ذكرى تأسيسها. وهو بكاء واحتفال حصنها من النظر الدقيق في جدواها في ظروف متغيرات تربوية وذوق للسكن. فالواضخ أن التربويين من هذا الجيل لا تستهويهم الفكرة القديمة التي رمت ببخت الرضا في خلاء النيل الأبيض ويريدون مثل غيرهم العيش في أمن العاصمة البشعة.
لا شك أن الدفاع عن إرث الماضي عمل نافع ومطلوب خاصة حين يجري تغييره بلا وازع. ولكن مثل هذا الدفاع ينبغي أن يستصحب نظراً نقدياً مستقلاً للمؤسسة المستهدفة من قبل النظم الجائرة. فلربما كان مثل هذا النظر الفاحص المستقل هو أهدى أساليب الدفاع عنها. فبمثل هذا الدفاع البصير ربما نجحنا به في إصلاح المؤسسة المقصودة في ظل النظام المستبد. أما الدفاع الضرير عنها بغض النظر فلا يعني سوى انتظار النظام ليسقط حتى نسترد المؤسسة ضحية نظام الفرد والقهر بحذافيرها. كما كنت.
اكتفى الذهن المعارض بتأجيج الناس دفاعاً عن المؤسسات الضحية بصورة سياسية عامة. فلا صبر له على قراءة هذه المؤسسات من زواية مهنية. فهو لا يهتم إن كانت المؤسسة معيبة بغض النظر عن تحرش نميري بها. مثلاً كان عبد الله الطيب كثير التلميح إلى عيوب تربوية في نظم بخت الرضا. وقد تمنبت دائماً لو أنه توسع في نقده ذلك ومنهجهصورة منهجية. فتحرش نميري ببخت الرضا إذاً ليس صك براءة يجعل المعهد البقرة التربوبة المقدسة التي صارت فينا. ولعل أفجع ما في منهج الذهن المعارض التأجيجي هو إهماله مقاومة أهل المؤسسة لتخريب النظام المستبد من الباطن. ربما لم تكن تلك المقاومة فاقعة، أو في مستوى توقع المعارضة للإطاحة بالنظام (أو تسجيل نقطة كبيرة ضده وكفى). ولكنها مقاومة مختصين عن قيم مهنة ونافعة لطويلة.
وسيجد قاريء كتابي إنني اتبعت خطة غير خطة الذهن المعارض في الدفاع عن المؤسسة الوطنية ضد تعديات نميري. فمثلاً احتفلت مثل ما احتفلت الإذاعة بمرو 40 عاماً على تأسيسها في 1940. لم أنشغل كثيرا باستنزاف النظام للإذاعة كبوق في "تعليق على الأنباء" فاجر كاذب. بل قلَّبت مع الإذاعيين هذا التاريخ المهني الطويل لشغلهم بنظر حادب متعاطف أعطاهم ما لهم وأخذ عليهم ما بهم. ونوهت بطفل سأله الأستاذ الشيخ درويش في كسلا ما يعرف عن العاصمة فال: هنا أم درمان". وقلت للمذيعين هذه مكفأة لكم ضخمة فأغتنموها كمهنيين وأبنوا عليها بشجاعة. لم أبك على الإذاعة ولم أتباك. أوقدت شمعة.
لقد كانت كلمتي موجهة لمعنويات الإذاعي كمهني بين مطرقة الصفوة (التي قبلتها "هنا لندن" ولا ترضى بغيرها بديلا زل أحسنت) وسندان الحكومة التي تريد الإذاعة بوقاً لها.  فحتى نقد الصفوة للمذيعين على سوء لغتهم وجدت له سبباً ومخرجاً في احتفالي بالعيد الأربعين للإذاعة. فقد قلت إن إصلاح الأداء اللغوي ميسور ولا يحتاج لأكثر من حلقات للتدريب خلال الخدمة يشرف عليه إذاعيون ولغويون بصورة مؤسسية ومنهجية. وبلاش تريقة.
وهكذا لا يقتصر عمل المعارض على التربص بالحكومة الهدّامة. ولا أقول هذا شفقة بها. بل أقوله شفقة أن يتحول العمل المعارض (مستودع التخييل لمستقبل الوطن) إلى مجرد مقاومة لنظام مستبد. فالتحدي أن تكون المقاومة سبباً للنهضة. كفانا تغيير حذاءاً مستبداً بآخر.        
3-الزمن الجميل الذي غنى عليه كرومة
توخيت في امتناعي عن تأبط برنامج انتخابي في هذا الطور من مسعاي لأكون رئيس السودان القادم حكمة أمريكية تقول إنك ستزيد الطين بلة متى عالجت أزمة ما بنفس الفكر الذي ورطك فيها. وربما جاء العرب بمعنى قريب من هذا بقولهم "وداوني بالتي كانت هي الداء". وحين أنظر ما حولي من أفكار لصياغة برنامجي لشفاء الوطن لا أجد إلا تلك التي كانت هي الداء. وبيت الداء في منظومة هذه الأفكار الرديدة هو الذهن  النوستالجي المستولي على عقل النادي السياسي المعارض بالذات. والنوستالجيا هي النزوع إلى شيء في الماضي (ربما لم يوجد أصلاً) ولكن الجماعة تحس بفجيعة فقده بحق وحقيق.
العبارة الشائعة بيننا عن تحسرنا على ذلك الماضي المفقود هو "الزمن الجميل". ومن رأي الذهن المعارض أن كل شيء سيكون على ما يرام متى ذهب هؤلاء "الزويلين" (الإنقاذ) واستعدنا مفردات ذلك الماضي مفردة بعد مفردة. وأنا اسمي هذا الزمن الجميل المزعوم ب "شارع السلك" جريا وراء نادرة عطبراوية. فقد تنادى نفر من أبناء المدينة إلى تطويرها بعد انتفاضة 1985. ولم تعجب هذه الحماسة أحدهم فقال: "إذا أردتم تطوير عطبرة حقاً فعودا لنا بشارع السلك". ولمن لا يعرف عطبرة فشارع السلك هو شارع البارات بها الذي ذهبت قوانين سبتمبر 1983 بتجارته.
والذهن النوستالجي درجة سفلى في التفكير و درجة عليا في عدم التفكير. فقد استمعت خلال الأسبوع الماضي للصديق الدكتور عبد المنعم عبد الباقي أخصائي العلاج النفسي. فقال إن عقول البشر مستويات. فمنها ما لا يتجاوز ردة الفعل وهو أدناها. فإذا هاجمه أسد فهو إما واجهه وإما هرب. وهناك العقل المضطرب الذي إن دهمه خطب لج وضاع منه الدرب وشكى لطوب الأرض:"ليه بحصل لي أنا كده". والنوستالجيا تقع مرحلة فوق هذا العقل المشتت. فهي في خانة العقل التذكري أي الذي يتخفى من الوقائع الجديدة الصعبة بتذكر ما كان وكان من زمنه الجميل. وأفضل أنا ان اسميه العقل السلفي على أن أكثر المصابين به عندنا هم التقدميون صرعى "الزمن الجميل". أما العقل الذي هو زينة القول فهو العقل المتأمل الذي يتلقى الوقائع الجديدة بغير ردة فعل العقل الأول ولا اضطراب العقل الثاني ولا سلفية العقل الثالث. فهو يتلقاها لينفذ إليها ويمسك بقرون  جدلها ليتوخى مخرجا مبتكراً ربما استعان فيه بخبرة الماضي الجميل حسب الطلب. ً
ما يفوت على أهل العقل النوستالجي السلفي أنه ربما كان لزمنهم الجميل خصومه. فهناك من لم يكن الزمن الجميل المزعوم زمانهم. بل ربما كان الزمن "الذي يغني عليه كرومة هذا" هو زمانهم القبيح. فالموظف الجنوبي الذي كان عليه أن يجتاز امتحاناً في اللغة العربية قبل أن يترقى للدرجة التالية لن يغني مثل كرومة عل الخدمة المدنية التي كانت وكانت وكانت. بل هناك من زمانه الجميل هو زمان اليوم لا زمان الأمس. وحكيت من قبل عن الواقعة التي ابطلت عندي سحر "الزمن الجميل". فقد كنت مع أحدهم بدكان واحد من "عرب الجزيرة" تبدو عليه أثار النعمة المستحدثة. وأخذت وزميلي نستذكر بعض الماضي ونتحسر عليه. واستمع "عربي الجزيرة" بصبر. ثم قال صاحبي متحسراً: "كان زمن!". فقال عربي الجزيرة: "الزمن الجميل، هه؟". وأفسد عليّ الإعرابي هذه الفنطازيا إلى الأبد. فقد وضح لي بغير لبس أن الزمن الجميل المزعوم هو زمان "الناس هداوة بال" بينما كان زمان مثل عربي الجزيرة هو "الترحال" الشقي من وراء سعية لا معنى لها. واستقر عندي من يومها أن "الزمن الجميل" هو امتياز جماعة ما من السودانيين فرضت جماله فرضاً  على سائرهم بقوة العمود الصحفي وزوايا أنس البكيات والأفراح وغيرها من الأدوات. وأخطر ما في هذا العقل النوستالجيا السلفي امتناعه عن اقتحام الوقائع الجديدة برحابة وملكة لشق طريق جديد للوطن الوسيع يغني عليه كرومة في الشمال وأدروب في الشرق وملوال في الجنوب وإساغة في الغرب في عبارة شاعت على عهد نميري "غير الجميل" بأي مقياس.   
4-دوا شغل
ستصبح كتابة برنامج انتخابي في مثل حالنا الذهني تحصيل حاصل. فالبرنامج تخييل جديد للوطن أو هو إعادة احتراع له. وهو مما تسهر عليه معارضة مجتهدة ذات حلف دوؤب مع المستقبل. ولم يقسم لنا الله هذه المعارضة. فهي سلفية مسكونة بالحنين إلى ماض ذهبي (وقع لنا أو نتوهم أنه وقع لنا) أطلقت عليه "الزمن الجميل" وكفى بالله شهيدا. فكل شيء جميل عندها وقع لنا في الماضي. فإذا قلت التعليم قالوا بخت الرضا وحنتوب وغردون. وإذا قلت الحكم قالوا هلا هلا خدمة الإنجليز المدنية أو الأدارة الإهلية. ولو تطرقت للمواصلات بكوا لك الترام بل حاول بعضهم استعادته وبيعه لنا وإذا قلت وزراء الخارجية قالوا المحجوب وزروق . . .  ومنصور خالد. وإذا قلت الفكاهة حكوا لك من خصائل سينا وود نفاش والهادي الضلالي المحدودة جداً. وقس على ذلك. وهذه آفات في التخييل تجعل من المصابين بها في خصام عديل مع المستقبل الذي هو موضوع البرنامج الانتخابي. ونقول في عبارتنا عن كل طعام لم نستسغه: "إنه قد جرى أكله من قبل". وسيكون المستقبل المستخرج من مثل ذهننا السلفي المعارض وكأننا عشناه من قبل في الزمن الجميل.
أفكر منذ حين بمستقبل الخدمة الطبية في بلدنا. وهو تفكير لا مهرب منه لمن عاشوا في الولايات المتحدة. فالرعاية الصحية فيها شغل شاغل كما عرف كل متابع لإنتخابات الأمريكيين الرئاسية الأخيرة. وانتبهت بذلك لمساع حكومة الانقاذ لتبني خطة للتأمين الصحي على النهج الأمريكي. وبدأ اهتمامي بذلك من حديث عابر مع سائق تاكسي بجهة الكلاكلة. حكي لي عن نجاته من موت محقق من مرض عضال بفضل التأمين الصحي الذي وفر له العلاج في مستوصف لم يكن يستطيعه لولاه. ثم التفت إلي وقال: "أنا من المحالين للصالح العام. لا تظن إنني اقول هذا عن عاطفة سياسية." وانتهزت أول فرصة لأعرف أكثر عن التأمين الصحي. فحضرتها. كان ذلك قبل عامين أو نحوه. فقد عقدت إدارة التأمين الصحي بولاية الخرطوم مؤتمراً صحفياً عن بدء حملتها لإدخال سكان الولاية في مظلة التأمين. وتوقعت أن يكون ذلك نبأ عظيم. فأسفت أنني لم أجد في المؤتمر قادة الرأي أو المعارضة ممن يسلقون الحكومة بألسنة حداد لبؤس الخدمة الصحية. وأوفدت أغلب الصحف بعض المتدربين بها لتغطية المؤتمر. ولم تحسن حتى صحف لسان الحكومة عكس هذه المناسبة الهامة للدولة كما ينبغي. وكتبت عمودي بالرأي العام أنعي هذه السلبية تجاه هذا الاجتهاد الحكومي اتفقنا معه أو لم نتفق.
ثم بدأت بعض الدوائر المعارضة تسفر عن خططها للرعاية الطبية على حياء. ووجدتها عادت إلى مربع مجانية العلاج. وبالطبع لا غضاضة في اعتقاد جماعة ما أن مجانية العلاج هي بالتحديد نوع الرعاية الاجتماعية التي يستحقها مواطنونا. ولكنني لم أقف بعد على بينات رقمية وسياسية ومهنيه  لسداد فكرة مجانية العلاج في مثل ظروفنا وعالمنا.فلم أسمع من المعارضين نقداً لمنهج التأمين الصحي الإنقاذي يتجاوز تفنيط عيوب الخدمة الصحية نفسها (من جهة التردي وضيق نطاقها) لينظر في فكرة التأمين ذاتها وخططه لتغطية القطاع الفقير من السكان. وهذا مظهر واحد من مظاهر "كجنة" المعارضين للانقاذ. فهم لم يعترفوا بها بعد ويرون سنواتها وأعمالها مما يمكن شطبه من سجل الوطن بجرة قلم. وكما كنت يا بلد. كما لم أر اجتهاداً معارضاً يأخذ في الاعتبار إشكالات الرعاية الصحية في السياق العالمي مثل أن العلاج أضحى صناعة مكلفة أثقل كاهل دول أعتى منا. ولم يأخذ دعاة المجانية حقائق مجتمعنا الذي نشأت فيه شرائح حظية (كما يقول الترابي) شاعت فيها عقيدة العلاج بالثمن من بناة المستوصفات والجامعات الطبية. ومنهم  من ارتبط  بتأمين صحي عولمي ولا يرغب أصلاً في مجانية العلاج. وبقروشك تحلي ضروسك.
بل لم أجد من أنصار مجانية العلاج تحوطاً تجاه تأمين المجانية نفسها من الابتذال بالتفريق بين مقدم الخدمة (المستشفى) والدافع للخدمة (الدولة) على مبدأ أكلوا أخوان واتحاسبوا تجار. ومن زاوية هذا التحوط يقدم المستشفي العلاج كخدمة رأسمالية بالثمن للدولة. والحساب ولد. خشية أن تصبح  إمكانات المستشفى (حقن وشاش وحبوب سكسنايرثري) مالاً سائباً عرضة للنهب من القائمين بالخدمة الطبية نفسها. وتحاسب الدولة المستشفى على دائر المليم عن كل قطعة شاش من مشترواته. وكان هذا رأي المرحوم جعفر محمد على بخيت حين فرق بين مجانية التعليم بجامعة الخرطوم وبين من يدفع لها. فقد كان رأيه هو أنه لضمان استمرار الجامعة في تقديم خدمتها التربوية النوعية فعليها كمؤسسة ذات استقلال ذاتي ومهني أن تفرض ثمناً عليها.وعلى الحكومة (من مستوى المحلية حتى الحكومة المركزية) أن تدبر أمر كيفية سداد ثمن هذه الخدمة. ولم نسمع حكمة الرجل قبل أربعين عاماً حين كان مشرفاً على الطلاب. وأنظر ما جنيناه. فالكل يعرف أن الجامعة فشلت في توفير المجانية وبخاصة في معاش الطلاب ف"عصرت" على الخدمة التربوية الأكاديمية وانقصت مالها. وانتهزت حكومة الانقاذ هذه المفارقة ففعلت ما فعلت. والله غالب. 

5-في نهج قضاء حوائج الناس
 من ضمن تبعات رجل العمل العام قضاء حوائج الناس التي لديهم عند السلطان. وتجد هذه العبارة كثيرة الورود في كتاب طبقات ود ضيف. فبعض ألأولياء في الكتاب يقبل المهمة عن طيب خاطر. وبعضهم يبعث بتذكرة ما للحاكم يفهم منه أن حاملها مبعوث من طرفه. وبعضهم يرفض أن ينهض للحاكم ويشترط أن يتحدث في الشأن حين يمر الحاكم عليه. ومنذ ترشحت لرئاسة الجمهورية وجدت نفسي أصغي أكثر من ذي قبل لشكوى الشاكين. وهذا بالطبع من حسن الخلق والسياسة. ولكنني أرخيت اذني أيضاً لرغبتي أن أقف من واقع الشكاوي على حقول الظلم في بلدنا.
إذا كنت ممن واظب على قراءة ما أكتب منذ عقود لعلمت أنني اهتم جداً يمسألة قضاء حوائج الناس. ويرجع ذلك إلى أيام الديمقراطية الثالثة في نحو 1988. فقد أغاظ الناس غياب النواب عن جلسات البرلمان حتى طلبت جريدة "الميدان" حله وانتخاب نواب أكثر مواظبة. وخشيت أن تكون مثل هذه الغضبة على البرلمان سبباً لتكريه الناس فيه. وهو تكريه ينتهز الإنقلابيون بئيته الضجرة لتسنم السلطة. وقال قائلهم: "النظام الديمقراطي في  1988 لو مشى عليه كلب ما نقولو جر". ووجدت للنواب عذراً في الغياب. فأكثرهم مقصود من أهل دائرته لقضاء حوائج يستحيل قضاؤها بغير تدخل النواب وطوافهم مع أهل الحوائج على دواوين الحكومة من مثل رخص السلاح (كان زمان!). وأذون الحج والعمرة، وكوتات الجزولين وغيرها.
وليس في مثل هذه الفعلة عيباً. فقد وجدت نواب الكونغرس الأمريكي مشغولين بقضاء حوائج ناخبيهم. بل استعنت شخصياً بأحدهم لقضاء حاجة لي بديوان الهجرة من غير أن أكون مواطناً ذا صوت. فمسعى النائب هنا ليس "وساطة" في معناها المعروف. بل هو تتبع لحاجة الناخب للتعجيل بأخذ حظها من النظر قطعاً لدابر الروتين الذي يحسنه البروقراطيون. ولذلك اقترحت (جرياً وراء التقليد الأمريكي) أن يكون لكل نائب مكتب حسن الإعداد تكون مسئولية طاقمه ملاحقة حوائج ناخبي الدائرة لبتفرغ النائب لشغله البرلماني. واقترحت على أهل الدوائر المختلفة تمويل مكاتب نوابهم لهذا الغرض ولغيره من الأغراض.    
نحاول منذ فترة لجم روتين الدولة وتخانة جلدها تجاه شكاو المواطنين بإنشاء ديوان المظالم إسوة بنظم الدواوين الإسلامية. ولا أعتقد بأن هذا الديوان قد خدم الغرض الذي من أجله أٌقيم. فلم يرد ذكره على لسان من تحدثوا لي عن حاجتهم من الدولة. وهذا فشل كبير بالطبع. ولربما كان تقليد الإنجليز السلطاني السوداني في الاستماع إلى تظلم رعيتهم أميز بكثير من ديوان المظالم كما مارسناه. وقد زكى هذا النظام أحد المفتشين الإنجليز في كلمة أدلى بها في مؤتمر انعقد عام 1982 عن حكم  أهله للسودان. فقال إنهم وجدوا السودانيين مغرمين برفع عرائض للحكام يعبر فيها الواحد عن ظلم وقع عليه ويتوقع جبراً للضرر من المفتش شخصياً. وهذه العرائض هي "العرضحالات" المعروفة. بل قال الخواجة مستظرفاً إنه يود لو طبقت بلدية يوركشاير (حيث يقيم في انجلترا) نظام العرضحالات لأنه يريد أن يرفع عدداً منها لضابط المدينة.
وطالما أخذنا بحديث العرضحالات والإنجليز فلنحكي عن خواجة أخر. قال الخواجة إنه كان يستمع بأناة لهذه العرضحالات السودانية. ولا يجد مرات ما يفعله لرفع الضرر سوى أن يقول للمتظلم: "والله يا فلان إنته مظلوم ظلم شديد خالص". فيريح فلاناً قليلاً.
الظلم من شيم النفوس والحكومة، مطلق حكومة، فيها من تلك الشيم ما لا حصر له. وعليه فأنت قط لا تمنع وقوع الظلم على المواطن. ولكن من العيب أن لا يرتب الحاكم سبيلاً للاستماع لعرضحال المتظلم. وكما قلت بدا لي ديوان المظالم (لو كان قائماً)  كمن لم يجذب إليه عرضحالات المتظلمين.
لقد استمعت خلال الأسابيع الماضية إلى ظلامتين طلب فيهما الضحيتان مطلباً عادياً هو أن يعرضا على المحاكم لهما أو عليهما. وسيكون في تعليقي عليهما مدخلي إلى قضية العدل والإحسان كما أراها.   
6-ود أب جارة الظلمو حقر
للشاعر الرباطابي ود أب جارة كلمة غراء عن الجور. قال: "أقوم أدي التلافين ضربة ومظلوم من جناب العمدة". فهو يحدث نفسه أنه سيضرب تلفوناً لسلطة عليا ما ليشكو لها جناب العمدة الظالم. أما أبلغ قوله فهو حين ربط بين الظلم والتحقير. فقال إنه ظٌلِم ظلماً "بقالو حقر". وفي تقديري إن امتزاج الظلم والحقر هي ما نطلق عليه "الجور". وكنت أيام اعتزالي الناس في السبعينات تخفياً من ظلم نميري أصحو فجراً على دعاء جارنا العامل بعد الصلاة. فقد كان يسأل الله أن يكفيه جملة من الشرور. ولكنه كان يتوجد حين يبلغ سؤاله الله أن يمنع عنا الجور. فهو يكررها وترتفع عقيرته بكلمة "الجور" ويلحنها كمن تصدر مظاهرة سياسية. كان أبغض الأشياء عنده الجور. 
وسمعت في الأيام الماضية لرجلين متضررين من الجور الذي هو الظلم والحقر. ولم يستوقفني الظلم في روايتهما لمصيبتهما. فهو من شيم النفوس ومترتبات الحكم. ولكن مجت نفسي الحقر. وتمثل هذا الإزراء في أن كليهما قد حفيت منه الأقدام يطلبان من النيابات المختصة أن تعرضهما على القضاء لهما أو عليهما. وبدا لهما من فرط حيلولة النيابة بينهما وبين القضاء أن ما اتهما بارتكابه ليس جناية من تلك التي بوسع القضاء الحكم فيها في وقت معلوم. فمن رأي أحدهما أن تهمته أضحت مادة استثمرها متهربون من العدالة يكسبون بالمماطلة. فهم آمنون وجرمهم مدسوس كلما بقي محدثي متهماً ينتظر محاكمة تأتي ولا تأتي. وهذا هو الجور. أما محدثي الآخر فهو يعتقد أن تعطيل محاكمته مجرد كيد ثأري. وهذا جور آخر: ظلم وحقر.
لو لم اقرأ مخطوطة "مقاربات قانونية" للأستاذ نجم الدين محمد نصر الدين لما عرفت منشأ الجور الموصوف ولا سبل الخلاص منه. فحيلولة المتهم دون القضاء (وهي ما شكى منه المحدثان) وقعت بسبب قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991 الذي نسخ قانون الإجراءات الجنائية لعام 1983. فالقانون الحالي خلق نظام النيابات المستمدة من القانون الأوربي القاري المطبق في فرنسا مثلاً والذي التزمت به مصر منذ عهد طويل. وكثيرون منا استمتعوا بالطبع بكتاب "يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم.
وصف نجم الدين قانون 1991 ، الذي استحدث نظام النيابة، بأنه ردة في ميزان العدالة حتى على قرينه لعام 1983 على عهد النميري. فقانون 1991 رهن إجراءات البلاغ والتحري وتقدير التهم بالنيابة. وكان ذلك كله بيد القاضي في إرثنا القانوني السوداني الإنجليزي. والنيابة جزء من وزارة العدل التي هي مصلحة في الجهاز التنفيذي تَصلح به وتسوء به خلافاً للقضاء المعزز بالاستقلال مهما كان الرأي في ما يحظي منه في زمننا هذا. وباضت النيابة وأفرخت. فقد أصبحت فينا نيابات متخصصة مثل نيابة البنوك أو سوداتل والعوائد والكهرباء. واستتبع ذلك نشوء محاكم متخصصة للنيابات المتخصصة تعرض عليها البلاغات المقيدة بواسطة النيابة صاحبة الشأن. وعرض نجم متاعبه كمحام في أروقة تلك المحاكم التي فرطت في التحري وتركته للنيابة. وهي شكوى ترى بنفسك بها أن المتهم ربما حمل تهمته إلى الأبد كما أصبحت المحاماة مهنة نكد كما لم تكن من قبل.
زبدة الأمر: أصبح المتهم في قبضة الحكومة تعرضه على القاضي أو لا تعرضه وفق اعتبارات ربما ندت عن مقتضى العدل. وزاد الطين بلة أن الممارسة لقانون 1991 جعلت محضر التحري أو ملف الدعوى سراً لا يطلع عليه المتهم أو محاميه. وهذه عاهة منقولة من قانون 1983 الذي نص على هذه السرية. ولكن قانون 1991 صمت عنها. ومع ذلك  ظل وكلاء النيابة يمنعون المحامين والمتهمين من الاطلاع على محضر التحري. وضربوا بعرض الحائط القاعدة القانونية القائلة بأن الأشياء على الإباحة إلا ما حرم بنص في كلمة جيدة للأستاذ محمود السعداني. وحز في نفسي أن تؤيد محكمة الإستئناف ( في قضية حكومة السودان ضد مدثر خضر) النيابة في دعواها بسرية يومية التحري. وهذا تفريط آخر من القضاء في حراسة مجرى العدل. فقد كانت هذه اليومية يوماً هي عهدة  القاضي يشارك في صنعها ويراقب مؤاشراتها من لدن البلاغ حتى تقدير التهم. فإذا جعل القانون ذلك للنيابة فأقله أن نكفل للمتهم ومحامية الإطلاع على هذه اليومية ليطمئنوا على أن النيابة، ذراع الجهاز التنفيذي، ملتزمة بالحق والعدل.
من بين "كما كنت" (وأعني بها الرجوع إلى ماضينا الجميل المزعوم) الكثيرة التي تستولي على عقل المعارضة وفؤادها أجد نفسي متفقاً مع القائلين بالعودة إلى التقليد السوداني الإنجليزي القضائي الذي رهن التحري بالقاضي. (ولا أريد التطويل في نقد القضائية الاستعمارية التي كانت نفسها جزءاً من الجهاز التنفيذي تحت السكرتير القضائي)  فالنيابات لم تسعد أحداً. ولن تفعل طالما كانت ذراعاً في الجهاز التنفيذي المتمثل في وزارة العدل. فكل من تحدثوا إليّ عن مظلمتهم كان شوقهم أن يقفوا أمام قاض عدل. وقد كفل لهم التقليد القانوني السوداني الإنجليزي هذا الشوق. فهم بين يديه من "قولة تيت". لربما خرجوا من المحكمة متوهمين (أو غير متوهمين) بأنهم لم ينصفوا. ولكن هذا شيء وجور النيابة الذي هم في أتونه الآن شيء أخر. فالجور حقر في قول ود أب جارة.