أنوء بدين لأبناء من جيلي الأكتوبري هادوني كتبهم وشغلتني عن عرضها شواغل لم تكن مهمة وإن بدت ضاغطة مستعجلة. وأرغب في هذه الكلمة أن اشرككم في عرض موجز لكتب من خط هذا الجيل بمثابة عرفان بفضلهم وتزكية لهم عندكم. وأقول عرضاً إنني أقف محتاراً حول مواظبة هذا الجيل الأكتوبري (من شارك فيها في الجامعات والثانويات) على الكتابة وقد بلغوا الشيخوخة وهم في نقصان لا زيادة. فعندك (وقد أسهو عن أسماء معتذراً) نبيل أديب، كمال الجزولي، الطيب زين العابدين، فاطمة بابكر، عبد الله جلاب، صديق محيسي، خالد المبارك، شوقي بدري، محمد سليمان، حسن عابدين، حامد فضل الله، هاشم التني وصديق أم بدة، وعبد الرحمن إبراهيم، ومحمد بشير حامد. وأتعرض في بقية الحديث إلى كتابات من الأربعة الأخيرين.

ولم أجد بعد البحث في مواظبة هذا الجيل على التأليف والنشر إلا استيحاءهم وحي ثورة أكتوبر. وقد سئلت يوماً عن ثورة أكتوبر في حياتي. فقلت لولاها لما كنت أنا حيث أنا خيراً أم شراً. فكان مفروضاً أن أتخرج في جامعة الخرطوم في أبريل 1964 إلا أن عقوبة الفصل لعام في 1963 أخرتني لأتخرج في ابريل 1965 فأحضر الحدث الأكتوبري. ووفرت لي الحياة الثقافية والسياسية التي استغرقتني في جامعة الخرطوم أن أكون في معمل لعازمين على التغيير مشمرين له. فوقع منه ما فاق أكثر توقعاتنا ضرباً في التفاؤل. ولم أعد من يومها (وزملائي في الجيل) على شك من وقوع التغيير متى عزمت عليه. فيقع المطلوب ويخلب لبك نفسه. وأتاحت لي عضويتي بالحزب الشيوعي خلال هذه المدة أن أكون في سفينة المقدمة في مسعى التغيير بقيادة أستاذنا عبد الخالق محجوب. وتلقينا منه ألف باء التكتيك أو المكر السياسي. Hands on. وحدث في واقع الحال ما كنا ننميه سراً في جوانحنا كما قال على نور شاعر المؤتمر.

وتجد فذلكات قصيرة عن أعمال لبعض كتاب من الجيل أهدوني تآليفهم.

1- هاشم التني "التحرير: نحو إنسانية جديدة" بالإنجليزية Liberation: A Quest for a new Humanity
أبدا بهاشم لأنه قال بغير مواربة إن نقطة ارتكازه هي ثورة أكتوبر في ما أعطاه من حياة مفرغة للعمل العام والخدمة الوطنية. فلقد رأى منها أنه حين تشرئب الجماهير لفكرة حان وقتها، ولم يدخروا وسعاً في حشد كافة ملكاتهم في الخيال والديارة والفداء لها، تصبح فكرة لا مهرب منها ولا معدى.

كان هواه في الانتخابات الأمريكية الأخيرة مع بيرني ساندرز الذي وافقه على قناعة قديمة له بالاشتراكية الديمقراطية على عهد الطلب بجامعة الخرطوم. لم يأمن هاشم إلى وظيفة من تلك الغراء التي أغرت بعض بني جيله في الدبلوماسية والصحافة والمنظمات الدولية. عافت تلك الوظائف نفسه لأنه منذ أكثر من نصف قرن صلى لله أن يكرسه لخدمة الصالح العام في البحث والمعرفة والتعليم والتواصل. كان يسأل نفسه في غمرة الوظيفة التي حل فيها إن كانت صادفت هواه وتطلعات مثله كسبيل لخدمة غمار الناس. ووجد عزاء لنفوره من التوظيف لمأرب نفسه في كلمة لأميلكار كابرال، الماركسي من غينيا بيساو الذي خلدته كتابات المؤرخ بازل ديفدسون في ذاكرة جيلنا. قال كابرال إن المثقف، متى أدركته حرفة الثورية لغمار الناس لا بد له من أن يرتكب انتحاراً طبقياً. وظل هاشم ينتحر غير مكترث.




صديق أمبدة وكتابه "قلم التعليم وبلم المتعلمين"
لا أعرف من طرق التعليم والطبقية والجهوية مثل د. صديق أمبدة على أنه لم يخرج للبحث الطبقي من مكمن إيدلوجي مسبق كالماركسية. فوقف في الثمانيات موقفاً صلباً معروفاً ضد لجنة القبول لجامعة الخرطوم لإضفائها امتيازات لممتحني شهادة لندن نجح بها من عده إنجليز شهادة لندن نفسها في عداد الساقطين. ولم أقف أنا الماركسي المحيسير على كشف ديناميكية الطبقة في التوسل إلى مصالحها (تنجيح) بنيها وبناتها مثل ما وقفت عليه عند صديق. فرفع الغطاء عن ضروب الضغوط التي مارستها الصفوة البرجوازية على جامعة الخرطوم لتتراجع عن أعرافها وسلامة تقديراتها بالسلطات المخولة لهم كصفوة مميزة فصيحة موفورة المال والجاه. فجاء صديق بمذكرة وقع عليها مئات من رجال ونساء الطبقة لحمل جامعة الخرطوم أن "تنصف" أولادهم وبناتهم. ولم ينسوا أن يردفوا التوقيع بصفة الموقع ومقامه في مجال المال والعمال والأكاديمية.
أما أسطع ما جاء في الكتاب في نظرته الطبقية الفطرية تقريباً فتعريضه المزلزل لعقيدة "مجانية التعليم" كما جرى تطبيقها في جامعة الخرطوم. فبينما يلهج الكثيرون ب"سواسيتها" رأى صديق أنها خدمت الصفوة البرجوازية (هذا مصطلحي) بأكثر من الفئات الأخرى بعد نظر اقتصادي ممحص لرسائل جامعية وسجلات جامعة الخرطوم. فرأى من حيثيات طرأت على جامعة الخرطوم في عقود الثمانين من القرن الماضي زيادة في نسبة الطلاب من الأسر ذات الشرائح العالية في آخر الثمانينات إلى 70 في المائة من 32 في المائة. وكشف بقوة أنواع التدليس التي تمارسها هذه الصفوة لإخفاء حقيقة دخلها لتنعم بمجانية التعليم. وقد اثقلت هذه المجانية البلهاء على جامعة الخرطوم فصارت تنفق كل ما بيدها على الطلاب على حساب الجوانب الحيوية التي في أصل نشأتها. ومن الجهة الأخرى فقد نظر صديق في اشكال الغبن التنموي الجهوي (مركز وهامش) في فرص التعليم.

هذا كتاب سيقضي على الترهات التي اكتنفت خطاب التعليم عندنا لثلاثة عقود على الأقل. ومتى قرأناه بقوة انفتحت بصيرتنا على أجندة خطرة حول مستقبل التعليم في المجتمع.


عبد الرحمن إبراهيم
وأطلعني الدكتور عبد الرحمن إبراهيم على فصل عن التعليم من رسالته للدكتوراه يعدها للنشر. وميزة الفصل أنه خرج عن التقليد الدراج للكتابة عن التعليم الذي اقتصر على تاريخ التعليم (محمد عمر بشير، ناصر السيد، سعاد عبد العزيز وآخرون) إلى سياسة ومحتوى التعليم. واتصل الفصل هنا بالمناهج التي جعلت المدرسة نفسها، كمؤسسة، موضع تحليل ونقد. وهي مناهج تقول بأن التعليم أصل في تكوين الهوية. فهو الاحتكاك الشرعي الأول بين الفرد والدولة يندرج به الطفل في المواطنة باكراً. وطالما كانت الدولة طرفاً فيه فوجب ألا يفوتنا النظر الفاحص في آليات الإخضاع التي يذعن بها الطفل لسلطان الدولة. وبناء عليه قام عبد الرحمن بتفسير وتحليل الكتب المقررة على تلاميذ السودان والعالم الثالث. وناقش كيف تتنكر المؤسسة التعليمية في العالم الثالث لوظيفة التربية للحرية والمواطنة لتدمغ التلاميذ بتعليم هو أداة إخضاع للدولة. ووجدت منهج عبد الرحمن متفقاً معي في نقدي ل"بخت الرضا" التي حاجة المستعمر فيها أقوى نازعاً لتطويع التلاميذ كما لا يخفي.

وأسعدني أن عبد الرحمن عاكف على تحير رسالته القيمة هذه فاتحة الباب المغلق في فكر تعليمنا وممارسته.

محمد بشير حامد: هواجس ساخرة في السياسة السودانية
أما كتاب الأستاذ محمد بشير حامد "هواجس ساخرة في السياسة" فزقلتة ممتعة. والمصطلح، الزقلتة، من بعض ما استفدته من أسرتي من جهة الأم. فهم متى جلسوا للأنس "تزقلتو" بالتعليقات الطريفة التي قوامها عبث عابث باللغة. والعابث المتزقلت هو صانع للنص المواز الذي يطبق على نص اللغة الأصل فيكيد له كيداً ويبشع بعواره. ووصفت به شغل تاج السر الملك في كتابه "الدغمسة". وبينما وجدت الملك يتزقلت بلغة المصطلح الشعبي من مثل "عزو" و "اللوتراب" ويعبث بها عبثاً منقطع النظير، لا يترك حجر معني منها على حجر، وجدت محمد يعبث بمصطلح السياسة، التي يمتهن تدريسها منذ عقود، فلا يترك مخبراً فيها على مخبر ويشاغبها في وضح النهار. وهو من لا يفوته مخبر منها بحكم تدريبه الذي صقله أنه كان من يعرض لمجريات السودان في كتاب سنوي عن أفريقيا حرره الصحافي البريطاني كولن ليقم خلال السبعينات والثمانيات. وهي مجريات انبنت على رصد يومي متصل لأخبار البلد المعني ثم محاولة صبها في سردية ذات معنى.

وجدت محمد "شَغِب" على مصطلحات للسيد الإمام الصادق المهدي خلال ولايته الثانية علينا بعد انتفاضة 1985. فجعل أزمة الصادق المهدي مع "تفويضه" حسب تصريح له آنذاك عطباً كما في جهاز يعمل بتوصيلات الكهرباء، ويحتاج من يريد إصلاحه إلى الرجوع إلى مرشد الاستعمال الخاص به من الشركة. وتوقع الصادق أن يسعفه ميمي (محمد عثمان الميرغني)، شريكه في الحكم، فيصلح له تفويضه. وأخيراً لم يجد حلاً للعطب إلا بعد عقده لصفقة شراكة في الحكم مع صهره: حسن الترابي. ثم عادالكاتب للإمام مرة أخرى حين قال إنه فقد مصداقيته. فقالت له ام العيال: "شوف يمكن نسيبك الملهوف لطش مصداقيتك. دائما قاعد يسلف حاجاتك من غير ما يكلمك."

ثم شغب على مصطلح "الخال الرئاسي". فقال إن الرئيس أوباما استشاره في طلبات من عدد من الولايات للانفصال عن الولايات المتحدة واحتار كيف يتصرف معها. فسأله الكاتب إن كان له خال رئاسي. فقال أوباما: لا بس شوية أعمام في كينيا. فقال الكاتب إن المسألة لا يحلها إلا خال رئاسي يجعل عاليها سافلها. ثم توقف عند مصطلح "ساطور" الذي قال به الدكتور الحاج آدم، نائب رئيس الجمهورية ذات يوم، وأنهم سيدافعون به عن الوطن. فأزعج الخبر إسرائيل واتصل نتنياهو بالكاتب يسأله عن سر هذا السلاح الخطير الذي نمى إلى علمه أنه بحوزة السودان. وسأل: "هل هو جرثومي أو ذري". فقال الكاتب إن مبلغ علمه أنه "دارفوري". وعرج على "الخج" في قطعته "القرين" الطريفة التي صور فيها البشير ك"الكل انتخابات معانا" فصار قريناً لنا. فسأل الكاتب البشير إن كانوا فرغوا من انتخابات 2015. فقال له نعم وصرنا إلى مرحلة "الخج". وعقد الكاتب في القطعة حواراً طريفاً بين "حسن إدراكه" و"فطنته" في انتخابات البشير الأزلية كما يبدو غاية في النباهة.

ومحمد بشير حريف لغة. أعجبني من قوله المتفكه عن أحدهم "حاولت نسيان اسمه ولم أستطع". وقال إن أوباما قال له عن نتنياهو كلمات لئيمه منعه عدم معرفته لمعناها من ترجمتها للقارئ. وتناص مع قصيدة "عهد جيرون العباسي" بقوله "موعود تسعين" بينما هي عند العباسي "موعود خمسين". وشغب على الأستاذ عبد الباسط سبدرات بقوله إن المحامي العريق ترافع كل القضايا الركيكة بما فيها دفاعه عن كردينالات (كرادلة) لو ضمهم مجلس لأطاحوا بالبابا إشارة لأن البابا تنتخبه كلية من الكرادلة.

وأختم هذا العرض العجول بمحبتي وتقديري لزملاء من جيلي . . جيلي أنا.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////