روزنامة الأسبوع

الإثنين

لعلَّ أغلى هديَّة قدَّمها مجلس الوزراء الانتقالي للشَّعب السُّوداني، مع مطلع العام الجَّديد، إجازته لـ «الاتفاقيَّة الدَّوليَّة لمناهضة التَّعذيب، وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانيَّة، أو المهينة لسنة 1984م»، فضلاً عن «الاتِّفاقيَّة الدَّوليَّة لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لسنة 2006م»، مِمَّا يعتبر خطوة جبَّارة باتِّجاه المصادقة عليهما في اجتماع مشترك لمجلسي السَّيادة والوزراء.
اعتمدت الجَّمعيَّة العامَّة للأمم المتَّحدة، في 10 ديسمبر 1984م، اتِّفاقيَّة «مناهضة التَّعذيب» التي دخلت مرحلة النَّفاذ في 26 يونيو 1987م، اليوم الذي اعتُبر «يوماً عالميَّاً لمناهضة التَّعذيب»، فشكَّل فاصلاً أخلاقيَّاً بين عالمين في تاريخ البشريَّة: عالم تلك الممارسة البشعة، وعالم الضَّمير الإنساني الحي. على صعيد العالم القديم كانت براءة المشتبه فيه تُختبر، في المجتمع البدائي، بتعريضه للوحوش، فإن كان بريئاً فإن الآلهة سوف تنجيه! هذا النِّظام اعتُمِد، لاحقاً، في القانون الانجليزي القديم، تحت مصطلح «قضاء الرب Judicium Del أو Judgement of God»، ويُطلق على نظام المحاكمة الذي يُطبَّق بموجبه مصطلح «المحنة أو المحاكمة بالتَّعذيب Ordeal»، وهي نوعان: أحدهما «تعذيب النَّار Fire Ordeal» بأن يُجبر المتَّهم على الامساك بحديدة مُحمَّاة لدرجة التَّوهُّج، أو السَّير حافي القدمين، معصوب العينين، على قطع من الحديد المُحمَّى بذات الدرجة! أما الآخر فيتفرَّع بطريقتين: الأولى «إختبار الماء السَّاخن Hot Fire Ordeal» بإغراق ذراع المتَّهم في ماء يغلي، فإن سَلِمَتْ ثبتت براءته! والأخرى «إختبار الماء البارد Cold Water Ordeal» بإلقائه، مكتوفاً، في نهر أو بحر، فإن غرق كان ذلك «دليلاً كاملاً!» على إدانته. وفى صور أخرى لذلك النِّظام كان المتَّهم يجبَر على تعاطى السُّم، أو وضع لسانه على النَّار، فإن كان بريئاً فلن يؤثر فيه السُّم أو تحرق لسانه النَّار! وقد عرف الصِّينيُّون، قديماً، ما سُمِّى بـ «قنطرة النَّار»، حفرة واسعة مليئة بالجَّمر تُمدُّ عليها قنطرة نحاسيَّة حتَّى تسخن، ثم يُرغم الضَّحيَّة على عبورها حافياً، فإمَّا أن يُثبت براءته بألا تحترق قدماه، وإما أن يرسب في الاختبار، فيتلجلج، فيسقط فى حفرة الجَّمر، ليموت مشويَّاً! وكانت أشكال من هذا النظام معروفة أيضاً لدى عرب الجاهليَّة، حيث كان المشتبه فيه يُعَرَّض، مثلاً، بعد تحليفه، إلى طاسة مُحَمَّاة فى النار حتى تحمر، ثم يُرغم على لعقها بلسانه، فإن كان بريئاً لم يُصب بسوء! وكان الرجل الذى يَعرض النار على المتهم الحالف يُسمَّى «المُهَوِّل». وفى إحدى قصائده يصوِّر أوس بن حجر حماراً وحشيَّاً يشيح بوجهه عن الشَّمس بقوله: «إذا استقبلته الشَّمسُ صدَّ بوجههِ/ كما صدَّ عن نار المُهَوِّل حالفُ»! وما يزال هذا النِّظام معروفاً وسط البدو في صحراء سيناء. وعند قدماء المصريين كان التَّعذيب، أيضاً، من الوسائل المشروعة لحمل المشتبه فيهم على الاعتراف، حيث كان الإله آمون يُستفتى فى المسائل الجَّنائيَّة، فيمثل المتَّهم أمام «تمثاله!»، ويسرد رئيس الكهنة الوقائع، ثم يسأله عمَّا إذا كان هذا المتَّهم بريئاً، فإن هزَّ «التِّمثال!» رأسه بالايجاب، أُخلى سبيلُ المتَّهم، وإلا أعيد إلى السجن ليُعذَّب حتَّى يعترف! ومارس الاغريق القدماء كذلك نظام تعذيب المتَّهم، وقد أرسى أرسطو أساسه الفلسفي معتبراً إياه «خير وسيلة!» للحصول على الاعتراف. كما مارسه الرُّومان، لا سيَّما في أواخر عصر الجُّمهوريَّة. والغالب أن هذا النِّظام كان، فى أصله، نظاماً رومانيَّاً. وقد امتدَّ الزَّمن الذي اعتُبر التعذيب خلاله وسيلة مشروعة حتَّى الثَّورة البرجوازيَّة العظمى في فرنسا عام 1789م. ومارس الآشوريُّون تعذيب أسراهم بإجلاسهم على «الخوازيق»! وقد أدخل العثمانيُّون «الخوزقة» كوسيلة للإعدام. وفى ملابسات المواجهة بين العلماء والاكليروس الكنسي، في التَّاريخ القروسطي الأوربي، استُخدم التَّعذيب وسيلة للحصول على الاعتراف، سواء في النِّظام الاتِّهامي الذى ساد، لاحقاً، في إنجلترا، وأمريكا، وسائر بلدان القانون الأنجلوسكسوني، أم في نظام التَّحقيق الفرنسي «القارِّي Continental». ففي إنجلترا كانت الطريقة السَّائدة هي إلقاء المتَّهم شبه عار في كهف مظلم تحت الأرض، ووضع ثقل من الحديد فوق جسده، وتقديم الخبز الفاسد والماء الآسن له حتَّى يعترف أو يقضي نحبه! ومنذ القرن الثَّالث عشر الميلادي انتشرت في أوربَّا، وبخاصة في إيطاليا، المحاكم سيِّئة السُّمعة التي دخلت التَّاريخ باسم «محاكم التفتيش Inquisition»، تحت دعاوى ملاحقة الهراطقة، باسم الكنيسة الكاثوليكيَّة، بينما كانت إحدى أبشع صفحات الاستهداف للفكر السِّياسي المعارض للاقطاع آنذاك، وأتْبِعَت، مباشرة، للبابا وممثليه! وفي التَّاريخ الحديث صارت دلالة مصطلح «محاكم التفتيش» تنسحب على كل تحقيق تعسُّفي arbitrary، أو محاكمة لا تقيم اعتباراً لحقوق الانسان الأساسيَّة، وبخاصة متَّهمي الرأي والضمير. وخلال تلك الفترة استخدم الحرق كوسيلة إعدام بطيء، ومن أشهر ضحاياه جان دارك على أيدي الإنجليز. كما أحرق الايطاليُّون بعض الفلاسفة والعلماء بعد قطع ألسنتهم لقولهم بالنظريَّة الارتقائيَّة! وأحرقت محاكم التَّفتيش الأسبانيَّة ألفي رجل عام 1483م. وأُحرقت كثير من الِّنساء في جنيف بعد أن اتهمهنَّ مجمع الكرادلة بممارسة السِّحر، وتحريض الشَّيطان على جلب الطاعون للمدينة! واستُخدم سلخ الجلود فى التِّبت حتَّى تحرير الإقليم عام 1951م. ويروى هادى العلوي، في كتابه «من تاريخ التَّعذيب في الإسلام»، أنه شاهد بنفسه، عام 1977م، نماذج من تلك الجلود المسلوخة في «متحف معهد القوميَّات المركزي» ببكين. كما ويشير إلى بعض الكتابات المهمَّة فى هذا المجال، منها ما أورد فريدريك إنجلز، في مؤلفه «حرب الفلاحين»، من سيرة الحرق، والصلم، والسَّمل، وجدع الأنف، كوسائل إقطاعيَّة للتَّعذيب، والإعدام البطيء، وواقعة القائد الفلاحي الهنغاري دوشا الذى خُيِّر أتباعُه، بعد شيِّه، بين أكل لحمه، وبين شيِّهم مثله، وكذلك رسالة إنجلز إلى ماركس فى ديسمبر 1865م، حول أعمال الإنجليز الدَّنيئة في تعذيب العبيد العُزَّل فى جامايكا! وضمن تلك الكتابات أيضاً ما أورد وول ديورانت، فى كتابه «قصَّة الحضارة»، من وقائع ربط القادة الفلاحين، في ألمانيا، إلى عواميد تحيط بها نار هادئة ليموتوا مشويِّين، فضلاً عن التربيع، أي تقطيع الجَّسد إلى أربعة أجزاء وإنفاذ الأسياخ المحمَّاة فيه! ومنها كذلك كتاب وليم هوايت الموسوم بـ «الاستعمار والمسيحيَّة»، والذي كشف فيه عن «التَّعذيب كأفظع منظومة إجرام شهدها العالم»!
على هذا النَّحو ظلَّ التَّاريخ البشري، بما فيه تاريخ بلادنا، مرزوءٌ، إلى حدٍّ فاجع، بسيرة التَّعذيب، حتَّى في أوربَّا التي ملكت العالم، وفرضت عليه مركزويَّتها الحضاريَّة والثَّقافيَّة. لكن، على حين هُرعت أغلب البشريَّة، مع تطوُّر القيم الإنسانيَّة، للانتماء إلى العالم الثَّاني، عالم تنقية الأنفس المكدودة من دنس ممارسات التَّعذيب، تشبَّث النِّظام البائد بالانتماء إلى عالم هذه الممارسة الشنعاء القديم، رافضاً، رفضاً قاطعاً، اعتماد الاتِّفاقيَّة، وحارماً بلادنا وشعوبنا من الصُّعود إلى مراقي العدل والصَّفاء الإنسانيَّين، حتَّى تهيَّأ لها ذلك، بفضل ثورة ديسمبر المجيدة.

الثُّلاثاء
أقوى حُجج القرَّاي إزاء حملة التَّكفيريِّين ضدَّه، وضدَّ مايكل أنجلو، أحد أعظم فنَّاني العالم في عصر النَّهضة، وضدَّ تضمين أشهر جداريَّاته في بعض المناهج، ما كشف عنه من أن اللوحة مدرجة، بالفعل، في مقرَّر «الجَّامعة الإسلاميَّة»، بالذَّات، ضمن كتاب «الفنون بين الحضارات القديمة والحديثة»! ونفى دكتور المادَّة ورود أيِّ اعتراض على اللوحة، رغم أنه ظلَّ يدرِّسها، طوال السَّنوات الماضية، بما فيها سنوات حكم الإسلامويِّين، وحتَّى آخر سمستر في هذا العام الدِّراسي!

الأربعاء
من الغرائب، مؤخَّراً، بيانٌ مجلس السَّيادة الذي يبرِّئه من مسؤوليَّة التَّرحيب بمناصري متَّهم من الفلول يطالبون بإعادة ممتلكاته إليه، وقد صادرتها لجنة إزالة التَّمكين! البيان اكتفى بأن ألقى باللائمة على «سكرتير المجلس» اللواء أمير يوسف، لأنه «تجاوز اختصاصاته»، وأيَّد المتَّهم ومناصريه، بينما كان المطلوب منه، حسب البيان، هو «فقط» استلام المذكِّرة! لكن البيان لم يقل ما هو اختصاص المجلس نفسه الذي خوَّله، أصلاً، تكليف «سكرتيره» باستلام المذكِّرة! واستطراداً، ما الاختصاص الذي خوَّل عضو المجلس محمَّد الفكي الطَّواف، قبل أيَّام، بولاية نهر النيل، يلوِّح لجماهيرها، بعصا أبنوس، واعداً إيَّاها بحلِّ مشاكلها، مع أنه لا يملك شروى نقير من سلطة هذا الحلِّ! بل وما الصَّلاحيَّات التي خوَّلت رئيس المجلس نفسه الطيران إلى عنتبي لمقابلة نتنياهو!
كان عندنا بشير واحد، أضحى عندنا أحد عشر بشيراً .. و«سكرتيرهم» باسط ذراعيه بالوصيد!

الخميس
النِّزاع الحربي على الحدود السُّودانيَّة الأثيوبيَّة، كالذي وقع، مؤخَّراً، وتمخَّض عنه تحرير الفشقة الكبرى والفشقة الصًّغرى، كحقٍّ مستحق، ليس بالأمر الجَّديد، وقد يعود تاريخه إلى الثُّلث الأخير من القرن التَّاسع عشر، بل وربَّما إلى ما قبل ذلك. فالخليفة عبد الله كان متردِّداً إزاء الحديث الشَّريف: «أتركوا الحبش ما تركوكم»، حتى تصدَّى للأمر اسماعيل بن عبد القادر الكردفاني، أبرز فقهاء المهديَّة، بأن ترك قتالهم، زمن الرَّسول (ص)، كان جائزاً، للانشغال، أيَّامها، بالأهمِّ. لكنهم، فى عهد المهديَّة، تعدُّوا على الدَّولة، وهاجموا القبائل، وقتلوا المسلمين، وألزموهم بدفع الجِّزية، فقتالهم أضحى واجباً. هكذا، بفقه الكردفاني، اشتعلت الجَّبهة الشَّرقيَّة، طوال الفترة 1887م ـ 1890م، حيث دفع الخليفة إليها بصفوة قوَّاته: الجِّهاديَّة، وبخيرة قادتها: أب عنجة، والدِّكيم، والزَّاكى (القدَّال؛ تاريخ السُّودان الحديث، ص 197 ـ 199).
لكن تلك الفترة شهدت حدثاً عظيم الأهميَّة، انطوى على دلالات الممكن المتاح لتعايش المهديَّة/الدَّولة مع جيرانها ومع العالم، فى ما لو كان ذلك ضمن مشروعها، أو إدراكها لواقعها الجِّيوبوليتيكي، أو حسابها لميزان القوَّة الدُّولي والاقليمي، أو لمخاطر التَّغلغل الاستعماري الذي يكان تهدَّدها، هى نفسها، بالدَّرجة الأولى. فقد رأى الحبش أن الطليان، الذين ثبَّتوا أقدامهم فى مُصَوَّع، يشكِّلون خطراً عليهم بأكثر مِن المهديَّة. لذا رأى يوحنَّا وقف حربه الثَّانويَّة تلك كي يتفرَّغ لعدوِّه الرَّئيس: الأفرنج؛ فبعث لحمدان، في ديسمبر 1888م، برسالة بسيطة التَّعبير، عميقة المعنى، ناضجة الإدراك لاستراتيجيات الصِّراع في المنطقة، أوان ذاك، بالخطوط الدَّقيقة الفاصلة بين تناقضاته الرَّئيسة والثَّانويَّة في خواتيم القرن التَّاسع عشر: «.. إذا حضرت إلى بلادكم، وأهلكت المساكين، ثمَّ جئتم وأهلكتم المساكين، فما الفائدة؟! الأفرنج أعداء لنا ولكم، فإذا غلبونا، وهزمونا، لم يتركوكم، بل خرَّبوا دياركم، وإذا ضربوكم، وكسروكم، فعلوا بنا ذلك. فالأصوب أن نتَّفق عليهم، ونحاربهم، ونغلبهم» (شبيكة، تاريخ شعوب وادي النيل، ص 719). ثمَّ تطرح الرِّسالة التَّقارب المطلوب بين البلدين، وتطبيع تعاونهما، الأمر الذي ربَّما صلُح لاعتباره نوعاً من الوعي المبكِّر بالتضامن الأفريقي إزاء المطامع الإمبرياليَّة، حيث «يتردَّد تجار بلادنا على المتاجر فى بلادكم، ويتردَّد تجار بلادكم على غوندر لأجل المعايش لأهلكم، ولأهلنا، وتلك غاية المنفعة لنا ولكم، لأننا، فى الأصل، أولاد جدٍّ واحد، فإذا قاتلنا بعضنا بعضاً فماذا نستفيد؟! فالأفضل أن نكون ثابتين فى المحبة جسداً واحداً، وشخصاً واحداً، متَّفقين، ومتشاورين، بالشُّورى الواحدة، ضدَّ مَن يحضرون من بلاد الأفرنج، والتُّرك، وغيرهم، يريدون أن يحكموا بلادكم وبلادنا، مزعجين لكم ولنا، أولئك أعداؤكم وأعداؤنا، نحاربهم، ونهينهم، ونحرس حدود بلادنا وممالكنا منهم» (نفسه).
كانت تلك رسالة يوحنَّا إلى حمدان. ولو أن الأمر بيدى لألحقتها بديباجة ميثاق «الاتِّحاد الأفريقي»، ولنقشتها على جدران مقرِّ المنظمة بأديس أبابا، ولجعلتها درساً مقرراً في التَّربية الوطنيَّة لأبناء الهوتو والتُّوتسي، والأمهرا والتِّقراي، والعرب والأمازيق، والمسيريَّة والدِّينكا، وكلِّ سلالات العقل الرَّعوي الذي لم يرتق، بعد، منذ حام وسام ويافث، لإدراك عشر معشار هذا المعنى كثيف البساطة، عميق النَّفاذ، برغم كرِّ السِّنين، وتعاقب المحن، وتراكم العهود!
غير أن عرض يوحنا قوبل برفض حمدان القاطع: «أما طلبك الصُّلح منَّا، وأنت باق على كفرك، فبعيد بعد المشرقين، ودليل على ضعف عقلك، وفراغ ذهنك، فيا لك من سفيه، ويا لك من جاهـل!» (شـقير؛ تاريخ السُّـودان، ص 744).
توفى حمدان، وخلفه الزَّاكى طمل، فسار على ذات النَّهج المحكوم بقطعيَّات المشروع الإقليمي والعالمي للمهديَّة/الدَّولة، حتَّى استنفد طاقاته العسكريَّة في معركة القلابات فى مارس 1889م، فسحب جيشه إلى الصَّعيد، ثم إلى أعالى النِّيل، ثم عاد به إلى القلابات مجدَّداً، فى مطلع 1893م، ومنها إلى القضارف، حيث تمركز حتَّى منتصف العام (القدَّال؛ تاريخ السُّودان الحديث، ص 200). لكن، بغتة، جرى استدعاؤه إلى أم درمان، إثر وشاية من بعض خصومه، فحُبس، حيث مات سجيناً!
لم يتهيَّأ لعلاقة المهديَّة والحبشة أن تنتقل إلى حقل الدِّبلوماسيَّة الهادئة، إلاَّ في أكتوبر 1896م، قبل عامين فقط من كرري، حين ابتعث الخليفة أوَّل بعثة دبلوماسيَّة قادها محمد عثمان حاج خالد، حاملة رسالة منه إلى منليك، يدعوه فيها أن يمنع الأوروبيِّين من دخول بلاده كشرط لصلحهما (نفسه). لم يكن منليك، وقتها، فى محلِّ ضعف، فقد وحَّد بلاده، وتُوِّج إمبراطوراً عليها، وهزم الطليان فى «عدوة»، وكان أحد قوَّاده هو من نبَّه الخليفة إلى الخطر المحدق: «.. كن على حذر من الإنجليز الذين دخلوا دنقلا في الشِّتاء، فعدوُّك عدوُّنا، وعدوُّنا عدوُّك، ونحن يدٌ واحدة فى اتِّحاد متين» (نفسه). ويبدو أن الخليفة ذاته كان قد شرع، وإنْ متأخِّراً، فى استشعار الخطر الاستعماري، فأخذ يعيد حساباته، وفي السِّياق جاء وفده، ورسالته إلى منليك الذي كاد يطير فرحاً، فسارع للردِّ بنفي أيَّة أهميَّة للخلافات الدِّينيَّة، وبرَّر دخول الأجانب بلاده بمقتضيات التِّجارة المتبادلة، واقترح إنشاء مواصلات منتظمة بين البلدين. وهكذا عاد وفد الخليفة تصحبه بعثة سلام حبشيَّة كبيرة استقبلت، في أم درمان، بالحفاوة والتِّرحاب (نفسه). ورغم أن تلك العلاقة الدِّبلوماسيَّة المتأخرة لم تثمر معاهدة صلح رسميَّة، كون سرعة تلاحُق الأحداث جعلت ذلك أمراً شكليَّاً، فإن منليك لم يتردَّد في إرسال رسالتين إلى الخليفة يحذره من زحف كتشنر، كما أرسل له العلم الفرنسي، مقترحاً عليه رفعه ليحمي دولته من الانجليز، ولكن الخليفة رفض الفكرة! وعموماً انشغل كلا الرَّجلين بهمومه، حتى زلزلت الأرض زلزالها، بعد بضعة أشهر، في كرري، صباح الثَّاني من سبتمبر 1898م.

الجُّمعة
موتٌ كثيف اجتاحنا، طوال الأشهر الماضية، فجلَّل فضاءاتنا بحزن ممضِّ. ولا نفاضل، بالطبع، بين الرَّاحلين، عليهم رحمة الله ورضوانه، فليس فيهم من هان إلا على ربِّه. مع ذلك لا بُدَّ لنا من ترشيح سيرة عبد الحكيم الطاهر، كنموذج يجدر إدراجه ضمن برامج التربية والتعليم لأطفالنا؛ فللفقيد رمزيَّة كفاح أسطوري، ارتقى عبره من محض عامل بسيط في مصنع للنَّسيج، حيث مضغت الماكينات كفَّ يده، ليصعد إلى مراقٍ يصوغ في عليائها لنفسه مستقبلاً شديد الوضاءة. لم يستسلم للظروف غير المواتية، بل واصل بذل الجَّهد بإصرار، وإراقة العرق بعناد، تطويراً لمواهبه، ومكابدة للتَّحصيل، في دروب العلم والمعرفة، حتَّى صار، إبداعيَّاً، أحد فناني الصَّفِّ الأوَّل على خشبة المسرح، وشاشة التلفزيون، مثلما نال، علميَّاً، درجتي الماجستير والدُّكتوراه، ليتبوَّأ مقعده أستاذاً جامعيَّاً في هذا المجال.

السَّبت
حالت وعكة طارئة، للأسف الشَّديد، دون تلبيتي دعوة كريمة للمشاركة في ندوة ثقافيَّة بقاعة كمبوني بالخرطوم، نظمتها سكرتاريَّة التَّدريب والبحوث والتَّخطيط بالحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان ـ شمال، حول كتيِّب الأديب والباحث أبَّكر آدم اسماعيل «إشكال الهويَّة في السُّودان». وكم كنت راغباً في المشاركة، كون الموضوع مِمَّا يجذبني، ويقع ضمن دائرة اهتماماتي بوجه مخصوص، وقد سبق أن أدرجته ضمن كتابين، أحدهما بعنوان «إنتلجينسيا نبات الظِّل»، وثانيهما بعنوان «الآخر» الذي أصدرت «دار رفيقي بجوبا» طبعة جديدة منه مؤخَّراً، فضلاً عن عديد الأوراق، والبحوث، والمقالات في شتَّى منصَّات الصَّحافة الورقيَّة، ومختلف المواقع الإليكترونيَّة، والمؤتمرات، والسِّمنارات، وورش العمل التي حظيت بالمشاركة فيها داخل وخارج السُّودان. ولدى استلامي نسخة الكتيِّب، مشفوعة ببطاقة الدَّعوة الأنيقة، تذكَّرت أنني، قبل ثورة ديسمبر المجيدة ببضع سنوات، كانت قد استضافتني إحدى القنوات الفضائيَّة للحديث حول أزمة الهويَّة في البلاد، حيث خطرت لي، على الفور، خاطرتان بسيطتان قلت استخدمهما كنموذجين إيضاحيَّين للمعنى الذي نويت أن أتحدَّث لتلك القناة حوله، وهو معنى ذهبت فيه إلى أن هويَّتنا، في رأيي، سودانويَّة متنوِّعة، عرقيَّاً، وثقافيَّاً، ودينيَّاً، ولغويَّاً، وديموغرافيَّاً، وجغرافيَّاً، رغم أن ثمَّة روابط تاريخيَّة تشدُّنا، بعضاً إلى بعض. النموذج الأول الذي قفز إلى ذهني كان وزير الثَّقافة الذي ينتمي إلى الجَّبهة الإسلامويَّة الحاكمة، وقتها، كما وإلى إحدى إثنيَّات جبال النوبا. إنتقدتُّه كونه ظلَّ مفتقراً للحساسيَّة، تماماً، يحدِّق في شاشات أكثر من ستِّ أو سبع فضائيَّات سودانيَّة، فلا يرى، قط، مذيعة سوداء! ومع ذلك بقي متشبِّثاً بكرسيِّه لا يهمه الأمر في كثير أو قليل! والأدهى ما حدث في مرحلة المونتاج، إذ هُرع، بالخبر، إليه، كما العادة المرذولة، بعض الخشَّامة الذين كانت، وربَّما لا تزال، تعجُّ بهم هذه الأجهزة الموبوءة، فلم يكتف بالسَّنسرة، بل دمَّر البرنامج كله! أمَّا النَّموذج الآخر فكان حول مذيعة سوداء، ولعلها الوحيدة، استقدمتها إدارة إحدى القنوات، ربَّما كي تثقب بها عين الشَّيطان! فإذا بها، بعد أسابيع قلائل، تشرع في سلخ وجهها بالكريمات، لأجل تفتيح بشرتها! فكتبت، في اليوم التالي، مباشرة، أطالب بفصلها دون أدنى مجاملة! لكنها، بحمد الله لم تُفصل، بل ما لبثت البثور التي طفحت على صفحتي وجهها أن نبهتها إلى خطورة ما أقدمت عليه، فكفَّت عن تلك الفعلة صِّحِّيَّاً، وإن كنت أتمنَّى أن تكون قد اقتنعت، فارعوت، فأقلعت عنها ثقافيَّاً!
شاكر أنا، ومقدِّر للدَّعوة الكريمة، وأتطلَّع لأن يتهيَّأ لي، مستقبلاً، ظرف أفضل للمشاركة، في ما ستنظم الحركة الشعبيَّة من ندوات إن شاء الله، متمنِّياً أن يتمَّ ذلك وهي .. موحَّدة!

الأحد
بنى ثريٌّ في البصرة قصراً فاخراً، وطمع في أن يُلحق به بيتاً صغيراً لا يساوي أكثر من 20 ديناراً، تملكه عجوز في الجِّوار، لكنها رفضت، حتى بعد أن أوصل الثَّمن إلى 200 دينار! فحجر القاضي عليها لسفاهتها، إذ ضيَّعت مبلغ الـ 200 دينار! فاعترضت بحُجَّة انه هو من يستحقُّ الحجر عليه لسفاهته، يعرض شراء بيت بـ 10 أضعاف ثمنه، فاستجاب القاضي، وحجر عليه!

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.