الإثنين
التَّعديل الوزاري الذي أجراه حمدوك، نهاية الأسبوع الماضي، شمل وزيرة الخارجيَّة، وكان مطلوباً. لكننا نخشى اعتبار ذلك منتهى الإصلاح المنتظر في هذا المرفق المهم، فثمَّة تفاصيل كثيرة تنتظر هذا الإصلاح، وعلى رأسها قيام معهد متخصِّص للقانون الدَّولي والعلاقات الدَّوليَّة يُلحق، في مرحلته الجَّنينيَّة، بالوزارة. فقبل زهاء العشر سنوات هيَّأت لي دعوة كريمة من صديقيَّ السَّفيرين السَّابقين محمد المكي ابراهيم وصلاح محمد علي أن أشهد، بدار الدِّبلوماسيِّين بالخرطوم، محاضرة فريدة لمحمد المكي عن إحدى أهمِّ هذه التَّفاصيل، وهي «لغة الدِّبلوماسيَّة السُّودانيَّة»، حيث اصطفَّ السُّفراء «المعاشيُّون!»، يتقدَّمهم مصطفى مدني، السَّفير العتيد، ووزير الدَّولة الأسبق، على رأس باقة من مهابة الشَيب الذي وخط الأفواد والشَّوارب، وخطوط الزَّمن التي ارتسمت نمنماتٍ دَّقيقة على الجِّباه وحول العيون، تحدِّث عن مكنونات المعارف الثَّمينة، والتَّجارب الثَّرَّة، والخبرات الباذخة، فلكأنهم «أشياخ» قبيلة تشرَّبوا الحكمة بين وهج الشموس وصهد الرَّمال، لكن، أوَّاه .. لا وجود للدِّبلوماسيِّين الجُّدد!
في متن محاضرته أفصح مكي عن قلقه من تراجع مستوى اللغات الأجنبيَّة لدى هؤلاء الدِّبلوماسيين الجُدُد، طارحاً بعض المقترحاات، أعجلها تنظيم دورات إسعافيَّة. كما أبدى انزعاجه من تغيُّبهم حتَّى عن المحاضرة نفسها، ما يشير إلى عدم إدراكهم لحجم المشكلة! وما أن فتح باب المناقشة حتى انبرى «الأشياخ» يتبارون، بأشجان يتمازج فيها الحزن والكوميديا السَّوداء، في سَوْق نماذج مرعبة لبعض كوارث أولئك المستجدِّين في التَّرجمة والمكاتبات الخارجيَّة! فروى أحدهم، وكان يتولى سفارة في عاصمة أوربيَّة، أنه كان يعيد صياغة الكثير من خطابات الخرطوم المرسلة إلى بعض الجهات هناك، خجلاً من ركاكة لغتها! وروى آخر كيف أن خطاباً بعث به مستجدٌّ إلى أحد البلدان كاد يدمِّر علاقات السُّودان التِّجاريَّة معه، بسسبب المعنى المعكوس! مثل هذه المداخلات كادت تستحيل مناحة، بما نضحت به من الأسى، وتواتُر الشَّكوى من أن أحداً لم يعُد يستشير السُّفراء السَّابقين!
السَّفير جمال محمد ابراهيم تعجَّب من تحوُّل الأمر إلى مشكلة يُبحث، بآخرة، عن علاج لها، مع أن مستوى الإنجليزيَّة، في نفس الوزارة، قبل عشرات السَّنوات، أجبر باحثاً مرموقاً كبارستون على التَّنويه به، وذلك في كتابه «الدبلوماسيَّة الحديثة»، الصادر عام 1988م، حيث ضمَّن فصل «التَّفاوض بالخطابات»، والذي خصَّصه لأبلغ المذكرات التي جرى تداولها بالإنجليزيَّة في أروقة الأمم المتَّحدة، مذكرة المرحوم عبد الرحمن عبد الله، مندوب السُّودان الدائم لدى المنظمة الدَّوليَّة، عام 1981م، إلى رئيس مجلس الأمن، حول النِّزاع السُّوداني ـ الليبي ـ التشادي آنذاك. التقط السَّفير أحمد عبد الوهاب طرف الخيط، ليقطع بأن ثمَّة مشكلة تواصُل بين الأجيال. وخلص إلى أن ما يسمِّيه مكي مشكلة جيل الدِّبلوماسيِّين الجُّدد هو، في الواقع، جزء من مشكلة الجِّيل الجَّديد كله، بسبب التَّدهور الذي لحق بالعمليَّة التَّعليميَّة بأسرها، فلا بُدَّ من إصلاح مناهج التَّعليم للإرتقاء بالمعارف. والأدهى أن هذا الجِّيل يكاد لا يعي أنه يعاني من مشكلة، بل وربَّما يعتقد أن أمثالنا مِمَّن يتحدَّثون عن مشكلة لديه هم الذين يعانون، بالأحرى، من مشكلة! إتفق السفير حسن جاد كريم مع هذا الرَّأي، مشدِّداً على أن ما لحق بكوادرنا المهنيَّة من ضعف في اللغات يضعف من فرصنا في المشاركات الخارجيَّة، ويفوِّت علينا فرصاً ثمينة للاستفادة من المنح، أو المنافسة على وظائف المنظمات الإقليميَّة والدَّوليَّة! تعضيداً لهذه الحقيقة الأليمة، ومن واقع خبرته كسفيرٍ سابق للسُّودان بزامبيا، وممثلٍ له لدى الكوميسا، روى السَّفير صلاح محمد علي أن رئيساً لأحد وفودنا فوَّت على بلادنا، ذات مؤتمر، مكاسب كبيرة بسبب ضعف إلمامه بالإنجليزيَّة، حيث كان في وادٍ، والمؤتمر في وادٍ آخر!
أمَّا السَّفير الوزير مصطفى مدني فقد اقترح حفز المستجدِّين للسَّعي إلى التَّعلم، حيث الأجيال التي عاصرت الحركة الوطنيَّة كان لديها توق للمشاركة، ولذا كان لديها حماس للتَّعلم! وأما السَّفير عوض محمد الحسن فقد فجَّر، في الختام، عاصفة من ضحك كالبكا، بمخاطبته للمناقشين، مستخدماً بعض مجازات مكي الشَّهيرة، بقوله: «أراكم تطرَّقتم إلى بعض (الأفيال) و(الظلال)؛ لكنكم، على حين طعنتم (ظلالاً) كثيرة، لم تطعنوا (فيلاً) واحداً»!

الثُّلاثاء
بتاريخ 13 يوليو الجَّاري، وبحسب شريط الأخبار في بعض الفضائيَّات السُّودانيَّة، كقناة أم درمان، أكد رئيس لجنة التَّحقيق المستقلة في أحداث فضِّ الاعتصام، الأستاذ نبيل أديب المحامي، أن تحقيقاتهم «دخلت مرحلة دقيقة»، مِمَّا أعطى أملاً لذوي الشُّهداء والجَّرحى والمفقودين بقرب انتهائها. لكنه ما لبث أن صرَّح، في نفس التَّاريخ، لبعض الصُّحف، كصحيفة «المواكب»، بأن تحقيقاتهم قد تحتاج لما بين «سـبع وثماني سـنوات» قبل أن تنتهي، و .. لا تعليق!

الأربعاء
إذا ما قدِّر للأمور أن تمضي على ما هي عليه، فلا بُدَّ من توقُّع مطالبة «القوى الحديثة»، كالمهنيِّين، والشَّباب، والنِّساء، ولجان المقاومة، بتخصيص دوائر لهم في الانتخابات التي ستعقب الفترة الانتقاليَّة، بصفتهم الشَّرائح النَّوعيَّة الأكثر فاعليَّة في نشر الوعي، والفئات الطبقيَّة الأكثر تضحية لدى تفجير الثَّورات، وآخرها ثورة ديسمبر 2018م التي أطاحت بالسُّلطة الإسلامويَّة البائدة. ومع أن هذا التَّوقُّع سيحصد، للوهلة الأولى، بحسب الخبرة المتراكمة، موافقة الكثير من القوى، إلا أنه سيصطدم، من واقع ذات الخبرة، بتنصُّل «الأحزاب التَّقليديَّة» عن هذه الموافقة، جرياً على تقليد قديم مرذول! فبالأمس القريب توفَّرت تلك الخبرة، من خلال انتفاضة أبريل 1985م. لكن النَّماذج الأسبق كانت شهدت بأن ميلاد «القوى الحديثة»، كإرهاص بالبزوغ الباكر لتيَّار الاستنارة، سواء من خلال حركة الخرِّيجين، مثلاً، أو تكوين الاتحادات الفئويَّة، أو الجَّمعيَّات المدنيَّة، أو الإسهام في تسيير دولاب الإدارة، أو الانخراط في عمليَّات الإنتاج الاقتصادي الحديث، قد استبق ميلاد الأحزاب، أحياناً، أو بانفصال عنه، أغلب الأحيان، ومن فوق كلِّ وقائع المجابهة مع الاستعمار. لذا، عند وضع أوَّل قانون انتخابات في البلاد، بين يدي الحكم الذَّاتي، عام 1954م، بإشراف الخبير الهندي «الباكستاني لاحقاً» سوكومارسون، كان طبيعيَّاً أن تجري محاولة جادَّة للتَّعبير عن ذلك الدَّفع الحداثي، بتخصيص خمس دوائر لخريجي المدارس الثَّانويةَّ. على أن الحكومة الحزبيَّة ما لبثت أن ألغتها في انتخابات 1958م! ثمَّ أعيد العمل بها، بعد زيادة عددها إلى 15، وتخصيصها لخريجي الجَّامعات، في انتخابات 1965م، عقب ثورة أكتوبر 1964م التي أطاحت بنظام الفريق عبود. لكنها سرعان ما ألغيت، هي الأخرى، في انتخابات 1967م، ثمَّ عادت وأُقِرَّت في انتخابات 1986م، عقب انتفاضة أبريل 1985م!
أمَّا الخطَّة الأكثر جديَّة في الاعتراف بحقِّ «القوى الحديثة» في المشاركة البرلمانيَّة فقد «كادت» ترِد، للمفارقة، ضمن نظام النِّميري الانتخابي بعنوان «تحالف قوى الشَّعب العاملة: العمَّال ـ المزارعين ـ المثقَّفين ـ الرَّأسماليَّة الوطنيَّة ـ الضُّبَّاط والجُّنود»، لولا أنه جاء منتحلاً من التَّجربة النَّاصريَّة، في إطار حكم الفرد المطلق، بالتَّعارض التَّام مع الدِّيموقراطيَّة التَّعدُّديَّة التي ما من نظام حكم غيرها يصلح للسُّودان!
وهكذا، لدى انفجار انتفاضة أبريل 1985م، كان نموذج «الخرِّيجين» أضيق من أن يستوعب الفاعلين ذوي التَّأثير الأكبر على الوعي، وعلى ميادين الإنتاج الحديث والتَّنمية. لكن قوَّة المطلب ألجأت «الأحزاب التَّقليديَّة»، مع ذلك، إلى تمرير خيار «الخرِّيجين»، مع تجييره لصالح الثَّورة المضادَّة! فلدى بداية الفترة الانتقاليَّة لم يكن ثمَّة خلاف يذكر، في الظاهر، بين النقابيِّين والمهنيِّين، من جهة، وبين القوى السِّياسيَّة، من جهة أخرى، حول «مبدأ» مشاركة «القوى الحديثة» في السُّلطة. بل إن المركز المتقدِّم الذي شغله «النِّقابيُّون»، وقتها، وفي ظلِّ الوضع الثَّوري الضَّاغط، لم يكن ليسمح بنشوب ذلك الخلاف. وعند إعـداد قانـون الإنتخـابـات شكَّل مجـلـس الوزراء لجنة وزاريَّة لاستطلاع آراء القوى المختلفة، فأقرَّت تمثيل «القوى الحديثة»، بعد استطلاع كلِّ الأحزاب، والنِّقابات، والتَّنظيمات، ثمَّ رفع المجلس ذلك التَّقرير إلى المجلس العسكري لتحديد موعد اجتماع المجلسين لإصدار القانون. لكن اللجنة السِّياسيَّة للمجلس العسكري قرَّرت إجراء المزيد من الاستطلاع، دون أن تفصح عن دوافعها لذلك! بل وقد بدأت بإدخال العصي في دولاب تلك العمليَّة متسائلة عن دلالة مصطلح «القوى الحديثة»، زاعمة أنه غير محدَّد! وكان وفد الحزب الشِّيوعي مكوَّناً من الرَّاحل الطيِّب أبو جديري وشخصي. فلما طرحوا هذا التَّساؤل، بدا لي أن أفضل منطق لإقناعهم هو سَوْقُ تجربة نميري بتخصيص دوائر للفئويِّين، باستثناء عيبها العضوي الأساسي، وهو تطبيقها تحت شموليَّة الفرد المطلقة، بينما شرط نجاحها هو الدِّيموقراطيَّة التَّعدُّديَّة! رغم ذلك، ولدى انعقاد اجتماع المجلسين، استند المجلس العسكري إلى الزَّعم بمعارضة أحزاب ونقابات لتمثيل «القوى الحديثة»، كمبرِّر لاستبعاد المطلب!
إذن، بقدر ما يصحُّ توقُّع ألا تتخلي «القوى الحديثة» عن حقِّها في المشاركة، يصحُّ أيضاً توقُّع ألا يتخلى تحالف «القوى التَّقليديَّة»، المدنيَّة والعسكريَّة، عن مناوءة ذلك الحق. لذا فإن ألزم ما يلزم «القوى الحديثة» هو ألا تركن لخطتها القديمة التي أثبتت عدم جدواها، وأن تتحوَّل، منذ الآن، نحو خطة أقوى مضاءً، وأكثر إقناعاً، تتمثَّل في المطالبة الباكرة بغرفتين للبرلمان two chambers، إحداهما للدَّوائر الجُّغرافيَّة، والأخرى لدوائر «القوى الحديثة»، شاملة العسكريِّين، مع مراعاة قواعد الضَّبط والرَّبط عند اختيارهم لممثِّليهم، بحيث لا تحسم القـرارات الكـبيرة إلا بالتَّصـويت عليهـا في المجلسـين! ولا شكَّ أن ذلك يقتضي حملة باكرة للتَّوافق على قانون، كهذا، للانتخابات، ولتضمين الأمر، قبل ذلك، في أجندة المؤتمر الدُّستوري المزمع عقده خلال الفترة الانتقاليَّة.

الخميس
لولا أن عادل خلف الله هو الناطق الرَّسمي لحزب البعث العربي الاشتراكي، كما قدَّمه مذيع قناة «تاسيتي»، لما اهتممت بالتَّعليق على ما قال عبر تلك القناة، بعد ظهر الخميس السَّادس عشر من يوليو الجَّاري. فقد ظلَّ هذا الحزب يبدي، بقيادة السَّنهوري، أشدَّ الحرص، طوال ما قبل سقوط النِّظام البائد، على التَّحالف مع الشِّيوعيِّين. لكنه انقلب، الآن، «يحشر» اسم الحزب الشِّيوعي، زوراً وبهتاناً، في واقعة إقالة د. أكرم علي التُّوم من موقعه كوزير للصَّحَّة، مدَّعياً أنه ممثِّل الشِّيوعيِّين في الحكومة! طبعاً من حقِّ كلِّ من شاء، بصرف النِّظر عن وجهة نظري الشَّخصيَّة، أن يتَّخذ موقفاً مؤيِّداً أو معارضاً لإقالة أكرم. لكن ليس من حقِّ كائنٍ من كان، خلف الله أو غيره، أن يرجم بالغيب، أو يفتي بغير علم، في مسألتين مهمَّتين: الأولى زعمه، لا فضَّ فوه، أن د. أكرم عضو في الحزب الشِّيوعي، بينما الحقيقة أنه ليس كذلك، بل ولم يكن كذلك في أيِّ يوم، دون أن يقدح ذلك في أكرم أو في الحزب! أمَّا الثَّانية فهي ادِّعاؤه بأن الشِّيوعيِّين لم يكتفوا بتسريب أكرم وحده إلى مجلس الوزراء، بل سرَّبوا آخرين أيضاً، دون أن يملك الشَّجاعة ليسمِّيهم، أو لعلَّ الكذب المجَّاني هو ما منعه من تسميتهم! وأمَّا ثالثة الأثافي فهي ادِّعاؤه المضحك المبكي، والمفارق حتَّى للمنطق الشَّكلي، بأن د. أكرم لا يحقُّ له ادِّعاء الدعوة لمجَّانيَّة العلاج لأن هذه الدَّعوة واردة في وثيقة الحـريَّة والتَّغيير، وفي الوثيقة الدُّستوريَّة .. فتأمَّل!
مهما يكن من شئ، فثمَّة مطعن لا بُدَّ منه في جدارة مقدِّم البرنامج نفسه، إذ عليه، قبل أن يتصدَّى للمحاورة، أن «يذاكر لوحه» جيِّداً حتَّى لا «ينخمَّ» بمثل هذه السُّهولة!

الجُّمعة
التَّرحيب الواسع بالتَّعديلات القانونيَّة، مؤخَّراً، وأهمُّها تجريم «التَّكفير»، وإبطال مادة «الردة»، والمادَّة/ 152 التي ألحقت بتطبيقات «أمن المجتمع»، وإلغاء عقوبة «الجَّلد» التي سادت، سداح مداح، والسَّماح للحاضنة باصطحاب أطفالها في السَّفر، ذلك التَّرحيب كافٍ، بمجرَّده، لنقض أيِّ تشكيك في هذه التَّعديلات، سواء بـ «الزَّواحف» في الشَّوارع، أو بـ «الكاريكاتيرات»، كالذي نشره رسام «الانتباهة»، وقلده، في اليوم التَّالي، للأسف، حتَّى فارس، رسام «المواكب»، أو لنشر شائعة التَّراجع عنها، بصرف النَّظر عن مشروعيَّة الاختلاف أو الاتِّفاق حول بعضها، كمواد «الخمر»، أو «البغاء»، أو أحكام سن السَّبعين.
أهمُّ تلك التَّعديلات تجريم «التَّكفير»، وإلغاء «الرِّدَّة» بالتَّبعيَّة، حيث حقَّ تأييدُها، بالذَّات، لأعضاء «الحملة مِن أجل حريَّة الضَّمير»، وغيرهم مِن المثقَّفين الذين ناضلوا، عمليَّاً، ضدَّ تلك الممارسات الكريهة التي لطالما ولغ فيها، حتَّى أسنانهم، «علماء السُّلطان»، أو «علماء السُّوء» بمصطلح الإمام المهدي عليه السَّلام، خصوصاً كلما ضاق الخناق على نظام الإسلام السِّياسي الذي كان يحكم البلاد. ففي أواسط أغسطس 2003، مثلاً، اشتعلت نار الشِّقاق بأيدى كوادر قياديَّة في ذلك النِّظام، أكثرهم يطلق عليه إعلامهم لقب «عالم»، حيث نشطوا فى «التَّكفير»، بالجُّملة، و«إهدار دماء» شرائح بأكملها من مثقفي الجَّماعة المستعربة المسلمة في البلاد يسمُّونهم «معتنقي الدِّيموقراطيَّة والاشتراكيَّة والموالين للنَّصاري»، لمجرَّد أنهم لا يرون ما ترى الحركة! بل و«يكفِّرون» تنظيماً بأكمله في مجال النَّشاط الطلابى، هو «الجَّبهة الدِّيموقراطيَّة»! ولا تستنكف الحركة أن تقتدي في ذلك بأساليب «المافيا»، حيث خصَّصت مكافئات لمن يأتى برأس أىِّ من المستهدفين من المفكِّرين، والأكاديميِّين، والكتَّاب، والشُّعراء، والصَّحفيِّين، والمحامين، والقضاة، والمعارضين السِّياسيِّين، بواقع مليون دينار للرَّأس (أقل من أربعة آلاف دولار)!
ولو لم تكن تلك «الجَّردة التَّأديبيَّة» قد جاءت من فوق مناخ العنف المتصاعد منذ مطالع تسعينات القرن المنصرم، مما نتج عنه، مثلاً، اغتيال الفنان خوجلي عثمان، وإصابة زميله الفنان عبد القادر سالم، بل وحَصْد أرواح مصلين في مختلف المساجد، لأمكن اعتبارها محض «فرقعات فرديَّة» لا قيمة لها. أما والشَّواهد طازجة على كونها «ظاهرة سياسيَّة»، فقد كان من سوء التَّدبير الاستخفاف باحتمالاتها المفجعة، حيث ثمَّة، دائماً، سفَّاحون على استعداد لسفك الدِّماء «من أجل حفنة دولارات»، ومجانين يتصوَّرون أنهم يتقرَّبون إلى الله زلفى بإزهاق الأرواح! ولعل ذلك، بالتحَّديد، ما حدا بزهاء الخمسمائة مفكِّر وأديب وفنان وصحفى وغيرهم، بقيادة الطَّيِّب صالح، للتَّوقيع على مذكِّرة فى هذا المعنى إلى رأس الدَّولة، بتاريخ 21 يوليو 2003م، يُطالبونه فيها باتِّخاذ الاجراءات الكفيلة بحماية أرواحهم .. حماية أرواحهم، لا أكثر ولا أقل!
استشعر رأس الدولة خطورة المذكِّرة على الوضع الدَّولي لنظامه، فشدَّد، خلال حديثه فى اليوم التَّالى، مباشرة، إلى وفد استدعاه من «هيئة علماء السُّودان»، على ضرورة «التوسُّط، والابتعاد عن التَّطرُّف» (الرأى العام، 23 يوليو 2003م). هذه البادرة، وبصرف النَّظر عن اعتبارها غير كافية بمجرَّدها، أكَّدت، على الأقل، أن جمر القلق يومض، أيضاً، على الضِّفة الأخرى! فقد سارع أمين عام الهيئة، محمد عثمان صالح، للتَّعبير، فى نفس اللقاء، عن أن هيئته «تتوسَّط، وتعارض كلَّ تطرف» (المصدر). وفي خطبة الجُّمعة التَّالية أكد وزير الإرشاد والأوقاف أن «الهيئة تعلم أن تكفير المسلم جريمة دينيَّة»! أما الهيئة نفسها فقد أكدت، فى البيان الختامي لمؤتمرها الثَّانى، أن علماء السُّودان «مشهود لهم (!) بأنهم أبعد النَّاس عن مجازفة التَّكفير واتِّهام النيَّات!» (الحياة، 27 يوليو 2003م).
مع ذلك فإن الذَّاكرة لا يمكن أن تُسقِط مواقف لهذه الجَّماعات، ليست ضدَّ خصومهم وحدهم، بل وضدَّ بعضهم البعض في معمعة صِّراعاتهم على المكاسب الدُّنيويَّة، مِمَّا لا يسند، للأسف، هذه المغالطات المرسلة، ومن أمثلة ذلك:
(1) خلال مخاطبته لطلاب جامعة الخرطوم، مساء 15 فبراير 2000م، صرَّح على عثمان طه، نائب التُّرابي في التَّنظيم، ونائب رئيس الجُّمهوريَّة، بأن «الحكومة لا تمانع فى الحوار حول مسألة فصل الدِّين عن الدَّولة إذا كانت تهدد وحدة السُّودان»! ورغم نفي رئاسة الجُّمهوريَّة لهذا التَّصريح، في 19 فبراير 2000م، سارع التُّرابي لتأكيده، باعتباره «كفراً ببعض الكتاب وإيماناً ببعضه» (الصَّحافة؛ 21 فبراير 2000م).
(2) بعد إخراجه من السُّلطة، أبرم حزب التُّرابي مذكرة تفاهم شهيرة مع حركة قرنق، بجنيف، في 19 فبراير 2001م، حيث أدانت النَّهج الانقلابي، وانتهاك حقوق الانسان، وعدم الاعتراف بواقع التَّعدُّد، ودعت لإلغاء القوانين المقيِّدة للحريَّات، وإطلاق سراح المعتقلين، والتوصُّل لسلام عادل، ووحدة طوعيَّة، وديموقراطيَّة تضمن التَّداول السِّلمى للسُّلطة، وتمنع التَّمييز بين المواطنين. فإذا بالأمانة العامَّة لـ «هيئة علماء السُّودان» تسارع لإصدار بيان، بتاريخ 22 فبراير 2001م، تدين فيه المذكرة، باعتبارها «فتنة وبغياً ومهدِّداً للشَّريعة»! بل وخلصت إلى وجوب «نصح واستتابة» التُّرابي «حتى يثوب إلى أمر الله وأمر السُّلطان عمَّا اكتسبه من إثم»، داعية «لأخذه مأخذ الجِّد، ومعاملته بالحزم والحسم» (الصَّحافة؛ 23 فبراير 2001م).
(3) وعَمَدَ رئيس المجلس الأعلى للحجِّ والدَّعوة والأوقاف، محمد ابراهيم محمد، إلى وصف التُّرابي «بالخروج عن الملة وموالاة الكفَّار»، ودعا الدَّولة لاتِّخاذ إجراءات قويَّة لردعه (المصدر نفسه).
(4) واتَّخذ حزب التُّرابي موقفاً مؤيِّداً لـ «طالبان» خلال حرب أمريكا على أفغانستان، فأصدرت «جماعة من العلماء» بياناً، بتوقيع محمد عبد الكريم، وسليمان أبو نارو، وعبد الحى يوسف، وآخرون، تبرَّأت فيه من التُّرابي وحزبه الذين «لا يتَّخذون دين الله وشرعه دليلاً، أو يبغونه عوجاً، ويريدون أن يتَّخذوا بين الكفر والاسلام سبيلاً»، وعدُّوا ذلك، صراحة، هرطقة وإلحاداً من التُّرابي.
(5) أما شواهد التَّاريخ فلا حصر لها على عدم دقَّة حكم الهيئة بأن علماء السُّودان مشهود لهم بالبعد عن «التَّكفير»! فلقد كفَّروا المهدي لصالح الاستعمار التُّركي أواخر القرن التاسع عشر! وكفَّروا الشَّيخ ود عبد الكريم وغيره من «فكيا» الخلاوى بطلب من الإدارة البريطانيَّة، مطالع القرن العشرين! وكفَّروا محمود محمد طه عندما ناوأ النِّميرى عام 1985م. بل وتحفظ الذاكرة بيان «علماء السُّودان» الذى أصدروه إبان معركة الجَّزيرة أبا عام 1970م، بين نظام مايو «اليسارى»، آنذاك، وبين تحالف الأنصار والأخوان المسلمين وغيرهم، حيث وصفوا تلك الأحداث بـ «الفتنة المتدثِّرة بثوب الاسلام، و .. إن مبادئ مايو لا تخرج عن مبادئ الاسلام التي تقوم على العدل، والإحسان، ومحاربة الظلم، والفساد، لذلك فإن الوقوف بجانبها واجب ديني، قبل أن يكون واجباً وطنيَّاً، والخروج عليها خروج على أمر الله، ومخالفة صريحة لأهداف ومبادئ الاسلام"! (الأيَّام؛ 3 أبريل 1970م).
فهل تكفي، بعد ذلك كله، محض تطمينات لفظيَّة بأن «علماء السُّودان» يعمدون إلى «التَّوسُّط» دينيَّاً، لأنهم «يعلمون أن تكفير المسلم جريمة دينيَّة»، وأنهم «مشهود لهم» بأنهم «أبعد النَّاس عن مجازفة التَّكفير واتِّهام النِّيَّات»؟!

السَّبت
في 20 يوليو 2016م، بمناسبة الذِّكرى الخامسة والأربعين، آنذاك، لحركة 19 يوليو، نشرتُ مقالة بعنوان «فُتُوقٌ بِانْتِظَارِ الرَّتْق»، لزمتني فيها الإشارة إلى ما نُشر من كتابات في توثيق وتحليل مقدِّمات تلك الحركة، ووقائعها، وتبعاتها، وإن كان كله أقلَّ من أن ينقع غلة الصَّادي! فمع أن بعض أولئك المؤلفين أنفسهم من قادة الحركة، إلا أنها لم تخلُ من ثقوب تثير الاستغراب في ثوب الرِّواية، مِمَّا كان متصوَّراً تلافيه بحكم فروق الوقت! وأبرزنا، من بينها، خمسة، على سبيل المثال، نستعيدها، هنا، لكونها ما تزال تنتظر الرَّتق:
(1) غموض موقف الحركة من الدِّيموقراطيَّة التَّعدُّديَّة، والحريَّات العامَّة، والحقوق الأساسيَّة. فقد اكتفت بإطلاق سراح الشِّيوعيين وحلفائهم، بينما أبقت على العناصر الأخرى رهن الاعتقال! يناقض ذلك، تماماً، موقف الحزب الشِّيوعي الذي اتُّهم بتدبيرها، حيث صرف عبد الخالق وقتاً وجهداً مقدَّرين، خلال الأيَّام 19 ـ 22، في التَّشاور لتشكيل الحكومة الجَّديدة، ليس، فقط، مع أهل اليسار، بل ومع قادة ورموز أحزاب الأمَّة، والاتحادي الدِّيموقراطي، والمستقلين، وهو موقف قديم كان النِّميري قد عدَّ، ضمنه، مطالبة عبد الخالق بإشراك الصَّادق المهدي في السُّلطة خيانة لـ «الثَّورة»!
(2) عدم التَّفسير المقنع لإحجام قادة الحركة، خلال مخاطبتهم لموكب 22 يوليو، عن إعلان اختطاف القذَّافي لطائرة بابكر النور وفاروق حمدالله، وإجبارها على الهبوط بمطار بنينة ببنغازي! فقد كان حريَّاً بهم، حتَّى لو لم يكن ثمَّة موكب، أن يعملوا على استنفار الجَّماهير للخروج ضدَّ ذلك العدوان السَّافر، فكيف بها يُخفى عنها الأمر، بينما هي حاضرة تملأ الشَّوارع تأييداً للحركة؟!
(3) عدم تتبُّع دور المخابرات البريطانيَّة في تلك القرصنة الليبيَّة، فالثَّابت، ابتداءً، أن بريطانيا أبدت حماساً كبيراً لمساءلة ليبيا، لكنها سرعان ما انقلبت إلى حديث التِّجارة، من خلال مراسلات سفيرها بطرابلس، مع إدارة شمال أفريقيا بوزارة خارجيَّته، حول الفرص التي يتيحها لهم احتياج الليبيين لشبكة رادار، ومشروع دفاع جوِّي، حيث لن يجدوا، برأيه، أسرع وأرخص ممَّا يعرضه البريطانيون!
(4) عدم تقصِّي البيِّنة الحاسمة بشأن مشاركة «ص ع م» في الحركة، قبل هزيمتها، وخيانته لها بعد الهزيمة، وعدم فضح تدبيره انقلاباً مضادَّاً تورَّط في مذبحة «بيت الضِّيافة» التي اتُّهم بها قادة الحركة زوراً وبهتاناً.
(5) والأكثر مدعاة للاستغراب الإفادة التي أدلت بها نعمات مالك، أرملة عبد الخالق، لحسن الجزولي، في مارس 2005م، ضمن كتابه «عنف البادية»، حيث أكَّدت أنها لاحظت، بعد ظهر 19 يوليو، قلق عبد الخالق عندما لم تقطع الإذاعة برامجها لتبثَّ المارشات العسكريَّة (!) مصدر الاستغراب سؤالان أساسيَّان: أين كان عبد الخالق بعد ظهر 19 يوليو؟! وأين كانت نعمات؟!
ليس مقبولاً أن تشكِّل تلك الفتوق ألغازاً للأجيال الحديثة، مِمَّن لم يكونوا قد ولدوا، بعد، عندما وقعت تلك الأحداث، فلا تورثهم سوى البلبلة، والحيرة، بلا نهاية!

الأحد
في مقاربته لمصطلح «منظمات المجتمع المدني»، ومضاهاته بمصطلح «المنظمات الجَّماهيريَّة» الذي ظللنا نستخدمه في السُّودان، زهاء نصف قرن، للإشارة إلى نفس الكيانات، عَمَد الرَّاحل محمَّد إبراهيم نقد، بما عُرف عنه من سخرية لاذعة، إلى استدعاء شخصيَّة المسيو جوردان، بطل مسرحيَّة الفرنسي موللير الكوميديَّة «البُورجوازي النَّبيل»، والذي لامس المجتمع المخملي، ومجالس عليَّة القوم، ورياحينها من شعراء وأدباء، فانبهر بأحاديثهم، وذرابة ألسنتهم، وما يستخدمون من ألفاظ. ولمَّا كان عاجزاً عن مجاراتهم، استأجر معلماً ليعطيه من الدُّروس ما يمكِّنه من اللحاق بهم. وكان الدَّرس الأوَّل حول تصنيف الأدب إلى نثر وشعر، فما لا ينضوي تحت الشِّعر فهو نثر. فانفجر المسيو جوردان ضاحكاً، وقال، بحبور ساذج: «ما كنت أعلم أنني ظللت، طوال حياتي، أتحدَّث نثراً، حتَّى عندما طلبت من خادمي أن يحضر لي جزمتي»!

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.