الإثنين
ثورتنا ليست على أفضل ما يرام «حقيقة وليس تتأوَّل»! مع ذلك يجدر ألا تقلقنا شقاقات «الأفنديَّة»، طالما أن ثمَّة قوى أساسيَّة، في مقدِّمتها «لجان المقاومة» التي أنجزت مليونيَّة الثَّلاثين من يونيو، موجودة، تكبر، وتتطوَّر، وتثبت أهليَّتها، وتنجح في الاختبارات التي تتعرَّض لها يوماً بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة. ما يستحقُّ أن نقلق لأجله، حقَّاً، هو أننا نتصرَّف، عبر الكثير من حراكاتنا السِّياسيَّة والمدنيَّة، كما لو كنَّا خلوَّاً من أيِّ تاريخ، أو ذاكرة، أو أبسط خبرة سياسيَّة! وخذ عندك، كنموذج لذلك، ارتباكاتنا التي تكاد لا تنتهي بشأن الموقف من علاقة «الدَّولة/ السِّياسة/ الدِّين»، وعلى وجه الخصوص النِّزاع الذي، ما كادت مفاوضات جوبا للسَّلام في السُّودان، على علاتها، تبدأ، حتَّى استبقها وفد الحركة الشَّعبيَّة ـ جناح الحلو، بشرطه المتمثِّل في وجوب تعهُّد وفد الحكومة الانتقاليَّة، أوَّلاً، بتضمين أيِّ اتِّفاق يتمُّ التَّوصُّل إليه صيغة «العلمانيَّة» كإطار لحكم البلاد، وإلا عطلوا مشاركتهم في المفاوضات، ورفعوا مطلب «تقرير المصير»! فما هي الحقيقة حول ضرورة اشتراط هذا المصطلح بالذَّات؟!
للإجابة على هذا السُّؤال ثمَّة وقائع معيَّنة يلزمنا أخذها في الاعتبار، كونها تمثِّل بعض تاريخ المعارضة السِّياسيَّة القريب، وتواثقها بشأن خياراتها حول هذه المسألة تحديداً، وذلك على النَّحو الآتي:
أولاً: خلال الفترة من 26 يناير إلى 3 فبراير 1992م عقدت قيادة «التَّجمُّع الوطني الدِّيموقراطي»، آنذاك، الدَّورة الثَّانية من اجتماعاتها، في لندن، بمشاركة القوى الحزبيَّة كافَّة، بما فيها الحركة الشَّعبيَّة «قرنق»، والتي كانت قد انضمَّت للتَّجمُّع في 1990م، إضافة إلى المؤتمر السُّوداني الأفريقي، والقوى النِّقابيَّة، والقيادة الشَّرعيَّة للقوَّات المسلحة، والشَّخصيَّات الوطنيَّة. وفي ذلك الاجتماع:
(1) تمَّت إجازة «دستور انتقالي» يُفترض أن يُحكم به السُّودان خلال فترة انتقاليَّة تعقب الإطاحة بالنِّظام الإسلاموي، وتنشأ، بمقتضاه، هيئة تشريعيَّة تتولى اقتراح الدُّستور الدَّائم.
(2) تمَّ التَّأمين على بنود «ميثاق التَّجمُّع» التي تلزم الحكومة الانتقاليَّة بعقد المؤتمر الدُّستوري لحسم أهمِّ القضايا، وعلى رأسها الهُويَّة، وتحديد علاقة الدِّين والدَّولة، واقتسام السُّلطة والثَّروة.
(3) اشتمل «الدُّستور الانتقالي»، ضمن المادَّة/10 منه، على نصوص حول علاقة «الدَّولة/ السِّياسة/ الدِّين» تعبيراً، ولو بالحدِّ الأدنى، عمَّا التقت عليه إرادة الفعاليَّات المذكورة، وذلك على النَّحو الآتي:
أ/ تعامل الدَّولة معتنقي الأديان السَّماويَّة، وكريم المعتقدات الرُّوحيَّة، دون تمييز في ما يخصُّ حقوقهم وحريَّاتهم المكفولة، دستوريَّاً، ولا يجوز فرض أيِّ قيود على المواطنين بالاستناد إلى العقيدة أو الدِّين.
ب/ يهتدي المسلمون بالإسلام ويسعون للتَّعبير عنه، ويهتدي المسيحيُّون بالمسيحيَّة ويسعون للتَّعبير عنها.
ج/ يُحظر الاستغلال السِّياسي للأديان وكريم المعتقدات.

ثانياً: في 17 أبريل 1993م أصدر التَّجمُّع «إعلان نيروبي حول علاقة الدِّين بالسِّياسة»، وأهمُّ بتوده:
أ/ المواثيق الدَّوليَّة لحقوق الإنسان جزء من القوانين السُّودانيَّة، ويبطل أيُّ قانون مخالف لها، ويُعتبر غير دستوري.
ب/ يكفل القانون المساواة بين المواطنين على قاعدة حقِّ المواطنة، واحترام المعتقدات، وعدم التَّمييز بسبب الدِّين، أو العرق، أو الجِّنس، أو الثَّقافة، ويبطل أيُّ قانون مخالف لذلك، ويُعتبر غير دستوري.
ج/ لا يجوز تأسيس أيِّ حزب على أساس ديني.
د/ تعترف الدَّولة، وتحترم، تعدُّد الأديان، وكريم المعتقدات، وتلتزم بتحقيق التَّعايش، والتَّفاعل السِّلمي، والمساواة، والتَّسامح بينها، وحريَّة الدَّعوة السِّلميَّة لها، وتمنع الإكراه، أو أيَّ فعل، أو إجراء، يحرِّض على إثارة النَّعرات الدِّينيَّة، أو الكراهيَّة العنصريَّة.
هـ/ يلتزم التَّجمُّع بصيانة كرامة المرأة، وتأكيد دورها في الحركة الوطنيَّة، ويعترف لها بكلِّ الحقوق والواجبات المضمَّنة في المواثيق والعهود الدَّوليَّة بما لا يتعارض مع الأديان.

ثالثاً: في يونيو 1995م أجاز «مؤتمر أسمرا للقضايا المصيريَّة» قراراً حول «الدِّين والسِّياسة» على النَّحو الآتي:
ــ إعترافاً بتأثير العلاقة بين «الدِّين والسِّياسة» على بناء الأمَّة السُّودانيَّة؛
ــ وإدراكاً لحقيقة التَّعدُّد الدِّيني، والثَّقافي، والقومي في السُّودان؛
ــ واعترافاً بدور الأديان السَّماويَّة، وكريم المعتقدات، كمصادر للقيم الرُّوحيَّة، والأخلاقيَّة التي تؤسِّس للتَّسامح، والأخوَّة، والتَّعايش السِّلمي، والعدل؛
ــ وإدراكاً لفظاعة انتهاكات نظام الجَّبهة الإسلاميَّة لحقوق الإنسان، والإبادة الجَّماعيَّة، والتَّطهير العرقي، باستغلالها للدِّين، وباسم الجِّهاد زوراً؛
ــ وتصميماً على إقامة سلام عادل، ودائم، ووحدة وطنيَّة مؤسَّسة على العدل، والإرادة الحرَّة لشعب السُّودان؛
ــ والتزاماً بمبدأ عدم استغلال الدِّين في السِّياسة؛
يقرُّ التَّجمُّع التَّدابير الدُّستوريَّة الآتية:
(1) كلُّ مبادئ ومعايير حقوق الإنسان المضمَّنة في المواثيق والعهود الدَّوليَّة والإقليميَّة لحقوق الإنسان تشكل جزءاً من الدُّستور، وأيُّ قانون، أو مرسوم، أو قرار، أو إجراء، بالمخالفة لذلك يعتبر باطلاً، وغي دستوري.
(2) يكفل القانون المساواة بين المواطنين على أساس حقِّ المواطنة، واحترام المعتقدات، والتَّقاليد، وعدم التَّمييز بسبب الدِّين، أو العرق، أو الجِّنس، أو الثَّقافة، ويبطل أيُّ قانون مخالف لذلك، ويُعتبر غير دستوري.
(3) لا يجوز تأسيس أيِّ حزب على أساس ديني.
(4) تعترف الدَّولة، وتحترم، تعدُّد الأديان، وكريم المعتقدات، وتلتزم بتحقيق التَّعايش، والتَّفاعل السِّلمي، والمساواة، والتَّسامح بينها، وحريَّة الدَّعوة السِّلميَّة لها، وتمنع الإكراه، أو أيَّ فعل، أو إجراء، يحرِّض على إثارة النَّعرات الدِّينيَّة، أو الكراهيَّة العنصريَّة.
(5) يلتزم التَّجمُّع بصيانة كرامة المرأة، وتأكيد دورها في الحركة الوطنيَّة، ويعترف لها بكلِّ الحقوق والواجبات المضمَّنة في المواثيق والعهود الدَّوليَّة بما لا يتعارض مع الأديان.
(6) تؤسَّس البرامج الإعلاميَّة، والتَّعليميَّة، والثَّقافيَّة القوميَّة، على الالتزام بمواثيق وعهود حقوق الإنسان الدَّوليَّة والإقليميَّة.
وبعد، أفلا يكفي كلُّ ما تقدَّم لتأسيس السَّلام المطلوب على تلك الخبرات، والتَّجارب التَّواثقيَّة، والخروج منها بصيغة شديدة الانضباط والشُّمول، تلمُّ شعث ما قد يكون تشتَّت مفاهيميَّاً، أو لحقه العوار، هنا أو هناك، بدلاً من التَّنازع حول مصطلح إنْ صلُحَ لحوارات المنتديات الثَّقافيَّة والفكريَّة، فلن يصلح للمواثيق والعهود الدُّستوريَّة؟!

 

الثُّلاثاء
من أطرف موافقات شعر العربيَّة الفصحى مع شعر عامِّيَّة أم درمان قول ابن الفارض المغرق في صوفيَّته: «فَمَنْ لَمْ يَمُتْ فِي حُبِّهِ لَمْ يَعِشْ بِهِ!»، ضمن قصيدته التي أوَّلها: «هُوَ الحُبُّ فَاسْلَمْ بِالحَشَا مَا الهَوَى سَهْلُ/ فَمَا اخْتَارَهُ مُضْنًى بِهِ ولَهُ عَقْلُ/ وعِشْ خَاليَاً فالحُبّ رَاحَتُهُ عَناً/ وأَوّلُهُ سُقْمٌ وآخِرُهُ قَتْلُ»، حتى يبلغ البيت: «فَمَنْ لَمْ يَمُتْ فِي حُبِّهِ لَمْ يَعِشْ بِهِ/ وَدُونَ اجْتِنَاءِ النَّحْلِ مَا جَنَتِ النَّحْلُ»! وذلك من ناحية، ومن ناحية أخرى قول صالح عبد السِّيد ابو صلاح المتأثِّر بالنَّظر الصُّوفي: «كِيفْ تَبْقَى عَاشِقْ وانْتَ حَيْ!»، وذلك في قصيدته «جَافِي المَنَام» التي لحَّنها وغنَّاها كرومة، ثمَّ شارك في أدائها بادي محمَّد الطيِّب، ويقول في مطلعها: «جَافِي المَنَام لاسِعْنِي حَيْ/ أَمْ زَادْ غَرَامْ ضَاوِي المُحَيْ/ قَالْبَ الدِّرِعْ يِقْدِلْ ضُحَيْ/ طَالْ جِِيْدُو فَاقْ ظَبْيَ السُّحَيْ!»، حتَّى يبلغ البيت «قَالْ لَيْ تَطُوفْ بِي كلِّ حَيْ/ كِيفْ تَبْقَى عَاشِقْ وانْتَ حَيْ»!
ومِن الموافقات الطريفة، أيضاً، والتي أوردناها، ذات روزنامة سلفت، في باب المقارنة بين شعر البادية وشعر الحضر، قول شاعر الهمباتة ود شوراني: «نَظْرَة المِنُّو لِلقَانُونْ بِقِيتْ اتُحَدَّى/ فَتَحَتْ عِنْدي مَنْطِقْةَ الغُنَا الانْسَدَّا»، وقول محجوب شريف: «وُتَفتَح نَظْرَةْ مِنْ عِيْنيكِي لَيْ مَجْرَى الغُنَا المَسْدُودْ»، وذلك في قصيدته «سِلِمْتَ» التي لحَّنها وغنَّاها محمَّد وردي.

 

الأربعاء
إستدعت جامعة الخرطوم من ذاكرة تقاليدها الحميدة «مؤتمر المائدة المستديرة» عام 1965م، فنظَّمت، على غراره، «ملتقى البناء الوطني والانتقال الدِّيموقراطي» الذي دعت إليه لفيفاً من «الخبراء»، نساءً ورجالاً، في شتَّى حقول المعرفة ذات الصِّلة بالموضوع. انعقد الملتقى بمباني كليَّة الهندسة، وتداول محاوره التي توزَّعت على أربع عناوين فرعيَّة: المحور الأوَّل هو «مطلوبات السَّلام العادل والمستدام»، ويشمل عمليَّة صنع وبناء السَّلام السِّياسيَّة، بما في ذلك المفاوضات والاتِّفاقيَّات، وخلق السَّلام الاجتماعي، والتَّعايش السلمي؛ وإلى ذلك «العدالة الانتقاليَّة» بعناصرها القائمة على المحاسبة، وجبر الضَّرر، والمصالحة؛ وكذلك إعادة الإعمار والبناء بعد الحرب؛ والتَّمييز الإيجابي للمناطق المتأثِّرة بالحرب، والمناطق الأقلِّ نموَّاً؛ وكذلك نشر ثقافة السَّلام، وقبول الآخر؛ وجندرة عمليَّة المشاركة في صنع السَّلام. أمَّا المحور الثَّاني، وهو «الاصلاح الاقتصادي والتَّنمية المتوازنة»، فيشمل إعادة هيكلة وإصلاح اقتصاديَّات القطاعات المسلحة، والأمنيَّة، والشُّرطيَّة؛ وإعادة بناء القطاعات الانتاجيَّة، الزِّراعيَّة والصِّناعيَّة؛ والسِّياسات الماليَّة، النَّقديَّة، التَّسويقيَّة .. الخ، بما في ذلك دور وزارة الماليَّة، والبنك المركزي؛ وسوق العمل، والتَّشغيل، والتَّمييز الإيجابي، الجِّيلي، والنَّوعي، والإقليمي؛ والمشروع القومي للتَّنمية المستدامة؛ وربط برنامج الإصلاح الاقتصادي بالسِّياسات الاجتماعيَّة؛ وأيضاً موائمة خطة البناء الاقتصادي مع أجندة الأمم المتَّحدة للتَّنميَّة لما بعد 2030م؛ وأمَّا المحور الثَّالث، وهو «استراتيجيَّات بناء مؤسَّسات الدَّولة في إطار الحكم الدِّيموقر اطي»، فيشمل هيكل وسلطات الحكم في المستويات المختلفة، اتِّحادي ـ إقليمي ـ محلي، إضافة للخدمة المدنيَّة والإصلاح الإداري، ومكافحة الفساد والشَّفافيَّة، وإصلاح وتفعيل دور الإعلام في البناء الوطني؛ وأخيراً المحور الرَّابع، وهو «الاصلاح الدُّستوري والسِّياسي وتنقية الفضاء العام»، ويشمل صناعة الدُّستور، والإصلاح الحزبي، والميثاق السِّياسي، وتحويل الحركات المسلحة إلى أحزاب وقوى مدنيَّة، والإعداد للانتخابات، وإصلاح المنظومة العدليَّة.
شاركنا، بدعوة كريمة، في المحور الأوَّل الشَّامل لموضوعة «العدالة الانتقاليَّة» التي تأتي على رأس أولويَّات الفترة الانتقاليَّة. وفي سياق التَّمهيد لتناولها تفصيلاً، مطلع الأسبوع القادم، حسب جدول الأعمال، نكتفي، هنا، بالإشارة إلى أحد أهمَّ المداخل نحو «مطلوبات السَّلام العادل والمستدام»، حيث أن الصِّراع في دارفور، مثلاً، لم يكن، في أيِّ يوم، صراعاً «قبليَّاً»، حسبما كانت تشيع السُّلطة البائدة، وإعلامها، بل هو صراع «طبقي»، بامتياز، يمثل فيه جهاز الدَّولة الطبقات الحاكمة الرَّئيسة وأحزابها، والتي كانت في السَّابق طبقات شبه الإقطاع، والبرجوازيَّة الكومبرادوريَّة التي ورثت السُّلطة والثَّروة عن الاستعمار، قبل أن تنتقل هذه السُّلطة والثَّروة، بقوَّة دفع نظامَي مايو والإنقاذ، إلى شريحة الرأسماليَّة الطفيليَّة التي فرضت نفسها قائدة لأقسام الرَّأسماليَّة السُّودانيَّة. هذه الشَّريحة هي التي فاقمت من تهميش كادحي دارفور، واعتبارهم متمرِّدين، أو داعمين للتَّمرُّد، ومن ثمَّ استحقُّوا، في حكم هذه الطفيليَّة، أن يخضعوا لكلِّ أشكال الانتهاكات، بما فيها أن يُقتلوا على بكرة أبيهم!

الخميس
يتَّخذ التَّشكيل لدى عصام عبد الحفيظ طريقين، الرَّسم والتَّلوين من جهة، والتَّصوير الفوتوغرافي من جهة أخرى، حيث تراوح أعماله، بهذين الطريقين، أساساً، بين اللوحة، والبوستر، والفوتوغرافيا الصَّحفيَّة. ورغم أن لكلِّ طريق، بالطبع، أدواته وأساليبه المختلفة، إلا أن ثمَّة تشابهاً لا يخفى على النَّاظر المدقِّق في المنهجين المتَّبعين في هذين الطريقين.
فبالنِّسبة للرَّسم والتَّلوين، يتجلى هذا التَّشابه في الميل الغالب لدى عصام إلى التَّعبير التَّجريدي القائم، بوجه عام، كما لدى سائر التَّجريديِّين، في الإعلاء من شأن الخيال باتِّجاه تخليص المرئيَّات الماثلة أو المحتملة من حقائقها الواقعيَّة، وإعادة صياغتها في شكل قطعٍ إيقاعيةٍ بصريَّة مختلفة، بعد إفراغها، كما في الأحلام، من جلِّ دلالاتها المباشرة، وإكسابها خصائص قصديَّة أخرى نابعة، أوَّلاً، من ميل عصام الفكريِّ المسبق، وثانياً من الحالة العقليَّه والعاطفيَّة التي تميِّز مزاجه أوان تصدِّيه لعمليَّة الخلق الفني. بعبارة أخرى يُخضع عصام رؤيته الإبداعيَّة لخياله بما يتجاوز الواقع الماثل إلى واقع آخر متخيَّل، يختزل فيه الأفكار إلى مساحات لونيَّة، ويهمل الحدود الخارجيَّة للخطوط في الغالب. ويتبدَّى ذلك، ضمن ما يتبدَّى، في نوعيَّة اللون، ودرجته، وحجم وشكل المساحة التي يغطيها، واستقامة وجهته أو انحنائها، وغلظتها أو رقَّتها، وحرارتها أو برودتها، وحدَّتها أو ليونتها، وما إلى ذلك من أحاسيس تنتقل عدواها إلى المتلقي من الإيحاء بملمس اللوحة، وأسلوبيَّة ضرب الفرشاة على سطحها، وطريقة توزيع الألوان بين المساحات المختلفة، وما إلى ذلك.
من جهة أخرى يتجلى هذا التَّشابه، على مستوى الصُّورة الفوتوغرافيَّة، في كون عصام، بوجه عام، لا ينحو إلى التقاط المشهد على ما هو عليه في حقيقته الواقعيَّة، إنَّما على النَّحو الذي يبدو عليه في متخيَّله، بما يعكس ميله الفكري، وهيئته العقليَّة والعاطفيَّة، ووضعيَّته المزاجيَّة لحظة الطلق الإبداعي، مستخدماً، لذلك الغرض، اختيار زاوية الالتقاط، وضبط درجتي الضَّوء والعتمة، وتوسيع أو تضييق فتحة العدسة، وما إلى ذلك من تقنيَّات، سواء كان المشهد تكويناً بشريَّاً، أو أيَّ موضوع مادِّيٍّ آخر.
أمَّا بوجه خاص، فإن أعمال عصام غالباً ما تتَّسم بسمات أفريقيَّة سودانيَّة. فلئن كانت تسهل رؤية تلك السِّمات في اللعب على انكسارات الضوء والظلِّ في صوره الفوتوغرافيَّة، لا سيَّما تلك التي تمثِّل التَّكوينات البشريَّة موضوعاتها، كالبورتريهات التي يتعامل معها كموضوعات مستقلة يقول عبرها ما يريد، فإن ملاحظة تلك السِّمات لا تصعب في لوحاته، من حيث الانطباع الذي يتركه في وجدان المتلقي تواتر ألوان بعينها، كدرجات الأسود والرَّمادي والأحمر، وتداخل رموزيَّات محدَّدة فيها، بمستويات مختلفة من الوضوح والخفاء، كالحراب، والقباب، والمآذن، والأهلة، والأشكال الهندسيَّة، كالدَّوائر، والمربَّعات، والمثلثات، ومتوازيات الأضلاع، وما إليها، فضلاً عن الملامح الزِّنجيَّة الصَّريحة. وبالطبع فإن ورود هذه الأشكال يتفاوت من لوحة لأخرى.
بعبارة مختصرة، فإن عصاماً ليس معنيَّاً بالكشف عن حقيقة الأشياء، بل بالكشف عن الحقيقة الفنِّيَّة للأشياء. وفي هذا يكمن الفرق بين الإبداع والفلسفة، رغم أن وراء كل إبداع فلسفة ما، بالضَّرورة.
وبعد، لا يصعب على الزَّائر لغاليري عصام أن يفطن، من أوَّل وهلة، إلى أنه بإزاء تشكيلي ومصوِّر محترف، مِمَّا يشكِّل قيمة مضافة دون شك. فقد اتَّخذ هذا الفنَّ مهنة لقرابة الأربعين سنة حتَّى الآن، منذ أوَّل تخرَّجه، في مطالع الثَّمانينات، من كليَّة الفنون الجَّميلة بالمعهد الفنِّي بالخرطوم "جامعة السُّودان لاحقاً"، حيث تتلمذ على أشهر الأساتذة الملوِّنين الذين كان أكثرهم تأثيراً عليه، في ما بعد، إبراهيم الصَّلحي وحسين شريف، ثمَّ بقي، عمراً بأكمله، يشقُّ لنفسه طريقاً مائزاً، ويحيا عاشقاً متبتِّلاً يهب جلَّ وقته للفُرَش، والألوان، والحواسيب، والكاميرات، والطابعات، والمحامل الخشبيَّة، فضلاً عن ذخيرته من الكتب في شتَّى صنوف المعرفة. فعصام فنان مثقَّف لم يكتف بما تعلم، في ستوديوهات الكليَّة، من أسس الرَّسم والتَّلوين، وتاريخهما، وسائر العلوم الأخرى ذات الصِّلة بهما، بل ظلَّ يراكم المزيد من المهارات بالتَّجريب والاطلاع، كما وأنه لم ينغلق في إطار محدود من التَّلقي، وإنَّما انفتح، عن طريق معارضه الفرديَّة، ومشاركاته في المعارض الجَّماعيَّة، بالذَات، على فضاءات عربيَّة وأفريقيَّة أكثر اتِّساعاً، مِمَّا أكسبه دربة عالية قلَّ أن تجد لها نظيراً بين أقرانه.

 

الجُّمعة
في السِّياسة قد تكون غفلة المدنيِّين قاتلة، فما بالك بغفلة العسكريِّين مثلما حدث للواء حمد النِّيل ضيف الله، الرَّئيس الأسبق لهيئة أركان الجَيش؟! والشَّاهد أن البكباشي «المقدَّم» جعفر نميري كان، حتَّى انقلابه في 25 مايو 1969م، قائداً لمدرسة المشاة بجبيت. وكان اسمه مرتبطاً بتهم المشاركة في محاولات انقلابيَّة سابقة. لذا كان تحت المراقبة المستديمة من الاستخبارات العسكريَّة، حيث ما تنفكُّ التَّقارير عنه ترد بانتظام إلى مكتب ضيف الله، كما وإلى مكتب القائد العام، وقتها، الخوَّاض محمَّد احمد. وفي مطالع مايو ظهر في الخرطوم، الأمر الذي كان لا بُدَّ أن يلفت نظر ضيف الله حين تصادف أن التقى به في القيادة العامَّة، فسأله بصورة قصد أن تجئ اجتماعيَّة في مظهرها:
ــ «مالك بي جاي يا جعفر .. نعلْ ما في عوجة»؟!
فردَّ نميري، في براءة جازت على حمد النِّيل نفسه:
ــ «أبداً .. أنا في إجازتي السَّنويَّة، وكمان زوجتي مريضة بكوس ليها في علاج»! فصدَّقه اللواء. ومع ذلك لم يفت عليه أن يسدي له النُّصح بضرورة التزام الحذر، والبعد عمَّا يمكن أن يجرَّ عليه المشاكل بسبب ماضيه المذكور، ثمَّ مضى كلٌّ إلى حال سبيله. لكن، لم تمض سوى أيَّام معدودات، حتَّى كان المذياع يضجُّ بالمارشات العسكريَّة، وبالبيانات الانقلابيَّة المتتالية، وفي مقدِّمتها، بالطبع، بيان نميري الأوَّل، كما كان يضجُّ، على وجه الخصوص، بمناشدة المواطنين مساعدة قوَّات الجَّيش والشُّرطة في القبض على الهارب .. حمد النِّيل ضيف الله!

 

السَّبت
عند التَّفكير في المدى الذي بلغه تجاذب الأطراف السُّودانيَّة لصيغة العلاقة الدُّستوريَّة بين تحالف الحريَّة والتَّغيير، من جهة، خصوصاً مكوِّناته المتمثِّلة في تجمُّع المهنيِّين وبعض الأحزاب، وبين العسكريتاريا التي شاركت، من جهة أخرى، أردنا أم لم نرد، في جعل الإطاحة بنظام البشير الإسلاموي ممكنة، عبر انتفاضة ديسمبر 2018م المجيدة، يلحُّ على الذِّهن أن هذا التَّجاذب خلق وضـعاً ما ينفكُّ يزحـف حثيثاً نحـو شكل فريد من أشكال «ازدواجيَّة السُّلطة ـ Dvoevlastie» أو «Dual Power» التي تتمظهر كاستراتيجيَّة يسعى كلُّ طرف لاحتياز السُّلطة، أجمعها، من خلالها، مضعفاً علاقة الآخر بها إلى حدِّ العدم، وإن بدت «ازدواجيَّة السُّلطة» شاخصة لبعض الوقت! بعبارة أخرى فإن جهد كلِّ طرف ينصبُّ، ليس، فقط، على احتياز «السُّلطة» بأكملها، بل وعلى محو الطرف الذي كان يمسك بها في السَّابق، نهائيَّاً، وإزالة أنظمته وهياكله كافَّة، واستبدالها بأنظمة وهياكل أخرى. ولا تتحقَّق هذه النَّتيجة إلا بقبول غالبيَّة الشَّعب لهذه الأنظمة والهياكل البديلة، مقابل يأس الطرف صاحب الأنظمة والهياكل السابقة، تماماً، من إمكانيَّة عودته إلى دست الحكم، أو استعادة قدرته على تحطيم أو إعاقة الأنظمة والهياكل الجديدة، وذلك بفعل تناقص عناصر القوَّة لديه، واصطفاف الجَّماهير الشَّعبيَّة في دعم الطرف البديل!
ورغم أن هذين المفهوم والمصطلح قد يُنسبا، أحياناً، على نحو أو آخر، إلى منظِّر «الفوضويَّة» الفرنسي بيير جوزيف برودون (1809م ـ 1865م)، إلا أن ما استقرَّ، تاريخيَّاً، هو أن فلاديمير إليتش لينين، قائد ثورة 1917م الاشتراكيَّة في روسيا، هو من سكَّ المصطلح، وساق التنظَّير للمفهوم، ربَّما لأوَّل مرَّة، عبر العتبتين الأساسيَّتين لتلك الثَّورة في شهري فبراير وأكتوبر. ولذا قد يُستخدم مصطلح "السلطة المعاكسة"، أحياناً، لتمييز دلالته عن الدَّلالة اللينينيَّة. أمَّا مؤسَّسات هذه «الازدواجيَّة» فقد تتَّخذ أشكالاً تاريخيَّة شتَّى، كمجالس العمال، أو المحليَّات التَّحرُّريَّة، أو الاتِّحادات التَّعاونيَّة، أو المناطق المستقلة الدائمة أو المؤقَّتة، أو ما إلى ذلك.
الشَّاهد أن العتبة الأولى لمفهوم ومصطلح «ازدواجيَّة السُّلطة»، في ثورة 1917م، تمثَّلت بانتصار ثورة فبراير البرجوازيَّة بمشاركة قوى مختلفة، على رأسها الحزب الثَّوري الاجتماعي، بقيادة أليكساندر كيرنسكي، حيث تمكَّنت من إقصاء آخر قياصرة الرُّوس، نيقولا الثَّاني وأسرته. لكن سـلطتين مصطرعتين برزتا من بين تلك القوى: سلطة مجلس "سوفييت" عمَّال بتروغراد، وسلطة حكومة كيرنسكي البرجوازيَّة. على أن لينين رأى في تلك "الازدواجيَّة"، يومهـا، ظاهرة مؤقَّتة، مآلها، لا محالة، إلى زوال، كونها، بطبيعتها، غير قابلة للتَّمدُّد أو الاستمراريَّة، فلا بُدَّ أن تنحسم لصالح أحد طرفيها، إن عاجلاً أو آجلاً، مثلما رأى فيها، من ثمَّ، فرصة مواتية لمجلس السُّوفييت ليبسط سيطرته على السُّلطة، باعتبار ذلك شكلاً تاريخيَّاً جديداً لسلطة الدَّولة، مشترطاً تطوير حزمة من التَّغييرات الاجتماعيَّة النابعة من القواعد. وبالفعل، ما كادت تنقضي بضعة أشهر، حتَّى تمكَّن البلاشفة من إسقاط حكومة كيرنسكي في أكتوبر، وتأسيس سلطة اشتراكيَّة محلها، مِمَّا شكَّل البذرة التَّاريخيَّة الأولى لما أضحى يُعرف، لاحقاً، باسم «اتِّحاد الجُّمهوريَّات الاشتراكيَّة السُّـوفييتيَّة».
ولئن كان ذلك بمثابة التَّمظهر المادِّي الأقدم للمفهوم، فربَّما كان أحدث تمظهراته، حاليَّاً، ما يتمثَّل في المجابهة المحتدمة بمختلف الوسائل، خصوصاً منذ العام 1994م، بين الحكومة المكسيكيَّة وبين جيش زاباتيستا للتَّحرُّر الوطني الذي يعادي النيوليبراليَّة، ويظاهر حركة العولمة التَّحرُّريَّة الاشتراكيَّة البديلة، ويسعى لبسط سلطته على نطاق واسع في البلاد، انطلاقاً من ولاية تشياباس بجنوب المكسيك. ويستخدم هؤلاء "الاشتراكيُّون التَّحرُّريُّون" هذا المصطلح لاختزال استراتيجيَّة سلميَّة تستهدف، عموماً، إنشاء مؤسَّسات ديموقراطيَّة دفاعيَّة مدنيَّة، قادرة على مجابهة الأوضاع السَّائدة، كمعارضة لها، وبديلة عنها، في مستوى البلاد بأسرها، وذلك عبر مختلف الآليَّات، من الاحتجاج السِّياسي، إلى العصيان المدني، دون استبعاد اللجوء إلى «المقاومة» المسلحة إن حَزَب الأمر، وذلك لبلورة قوَّة مادِّيَّة يؤمَّل أن تعمل، دون توقُّف، كرافعة ثوريَّة للمجتمع، بحيث لا تحتاج عمليَّات التَّراكم الكمِّي فيه، وما يُفترض أن تفضي إليه من تغيُّرات كيفيَّة، إلى تواتر انقطاعات جدليَّة مطوَّلة، أو أزمات ثوريَّة مؤجَّلة!
من جهة أخرى، ولأن «التَّمرُّد» المسلح في بعض أقاليم السُّودان يمثِّل ظاهرة ملازمة لتاريخه، منذ فجر الاستقلال، فإن هذه الحقيقة ربَّما أغرت باستنتاج أن هذه ليست المرَّة الأولى التي ينهض فيها احتمال أن يفضي التَّجاذب السِّياسي في هذا البلد إلى خلق ظرف ملائم لبروز شكل من أشكال «ازدواجيَّة السُّلطة». غير أن الاختلال في توازن القوى، وما ينتج عنه، غالباً، من محدوديَّة جُّغرافيَّة، وطول حصار يفرضه الجَّيش الحكومي، عادة، على حراكات هذا النَّوع من «التَّمرُّد»، وما إلى ذلك من عوامل، ليس نادراً ما تدفع ببعض أقسامه المهمَّة إلى أن تنحو صوب تجاوز تلك المشقَّات برفع شعار "تقرير المصير"، تعبيراً عن رغبة استراتيجيَّة مضمرة في "الانفصال"، كلُّ ذلك إنَّما ينأى بمثل هذا «التَّمرُّد» عن فكرة «ازدواجيَّة السُّلطة»التي تفترض اسـتراتيجيَّة الصِّـراع فيها، على العكس من ذلك، أن تتَّسم بقدر من التَّوازن، والاستمراريَّة، والشـمول للإقليم السِّـياسي كله!

 

الأحد
جاءني صوت صديقي يقول ساخراً، مساء اليوم، عبر الهاتف: «تصوَّر، يا كمال، لو كانت جائحة الكورونا هذه وقعت علينا في زمن البشير»!
فقفزت إلى ذاكرتي، على الفور، حكاية المنصور، لمَّا اعتلى المنبر، وخطب قائلاً: «أيُّها النَّاس، أحمدوا الله على نعمته، فمذ وُليتُ عليكم انقطع عنكم الطاعون»!
فنهض له أعرابيٌّ من آخر المسجد، صائحاً بأعلى صوته: «ذلك لأن الله أرأفُ بنا من أن يبتلينا بالطاعون والمنصور في وقت واحد»!

***

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.