روزنامة الأسبوع

الإثنين
في 27 سبتمبر 2014م نشرت مقالة بعنوان: «الهُروبُ إلى الأَمام مِن .. حَلايب»! وفي ما يلي أستعيد نصَّها، بتصرُّف، قبل أن أضيف في ذيلها ما يقتضيه التَّحديث:
[أوجز الفاروق (رض) مفهوم «السُّلطة السِّياسيَّة» في الإسلام، بقوله: «ولاَّنا الله على الأمـَّة لنسـدَّ لهم جوعتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن أعجزنا ذلك اعتزلناهم»، لكن حسبو، نائب رئيس الجُّمهوريَّة، صدم المسلمين بمفارقته لمداركهم الدِّينيَّة، حين صعد المنبر، لا ليعترف بأنهم حقَّ عليهم «اعتزال» الأمَّة بعد أن «أعجزهم» سـدُّ جوعتها، وتوفير حرفتها، لكن ليقول بالفم الملآن: «ما جئنا لنطعم الناس، ونسقيهم، ونوفر لهم الكهرباء، والزلط، وإنما لنرسِّخ المعاني التي نؤمن بها .. فنظامنا صمد لأنه ربط قيم السَّماء بالأرض!» (المجهر ـ ألوان؛ 13 سبتمبر 2014م). ولئن كان النِّظام يهرب، هكذا، إلى الأمام من القضايا «الاجتماعيَّة»، فليس لأحد أن يستغرب هروبه للإمام من القضايا «الوطنيَّة»، وأبرزها «مثلث حلايب» الذي عاد إلى الواجهة، بمناسبة انتخابات 2015م.
الانتخابات وحدها، إذن، هي التي يتذكَّر النِّظام، في موسمها، مثلث "حلايب ـ شلاتين ـ أبو رماد"، على حدودنا الشَّماليَّة الشَّرقيَّة مع البحر الأحمر، والذي تبلغ مساحته 20,580 كيلو متر مربَّع، ويقطنه 200.000 نسمة من البشاريِّين والعبابدة السُّودانيِّين، وظلَّ، إلى أواسط التِّسعينات، يرفرف عليه علم السُّودان، ويُتعامل فيه بالعملة السُّودانيَّة، ويحرسه الجَّيش السُّوداني، ويمثل دائرة انتخابيَّة سودانيَّة تبعث بنائبها إلى برلمانات السُّودان المتعاقبة، قبل أن تضع «الشَّقيقة» يدها عليه، وتحتله، وتجلي عنه القوَّة السُّودانيَّة عام 1992م، ثمَّ تضمُّه إليها، نهائيَّاً، عام 1995م، جزاء تورُّط إسلامويِّي الخرطوم في محاولة اغتيال حسني مبارك!
وهكذا، ما أن يحلَّ موسم الانتخابات، حتَّى يفيق «نيام أميَّة»، يمضمضون شفاههم بكلمتين ظاهرهما الحدب على أرض الوطن، وباطنهما الهروب من مسؤوليَّتهم التَّاريخيَّة عن استعادتها! ثمَّ ما أن ينقضي الموسـم، وتُلملَم زكائب القصاصات، وورق الدِّعاية، والصَّناديق «المخجوجة»، حتى يديروا ظهورهم للقضيَّة برمتها، وتعود ريمة لعادتها القديمة!
قبل ذلك اعترضت مصر على شمول انتخابات 2010م السُّودانيَّة للمثلث، باعتبار تبعيَّته لـ «السَّيادة المصريَّة» .. كذا (!) فما كان من الحكومة السُّودانيَّة إلا أن رضخت، وقرَّرت استتباعه لدائرة «أوسيف»، بدلاً من أن يظلَّ دائرة منفردة! لكن عندما طعن مؤتمر البجا في ذلك الإجراء، اكتفت مفوَّضيَّة الانتخابات بإعلان عودة المثلث كدائرة مفردة، تاركة التَّنفيذ للحكومة! غير أن مصرعادت لإقامة الدُّنيا، رافضة إجراء أيِّ انتخابات سودانيَّة في المثلث، لا ملحقاً بأوسيف، ولا كدائرة مفردة، فتراجعت الحكومة، ولزمت الصَّمت! ثمَّ عقد موسى محمد احمد، رئيس مؤتمر البجا وجبهة الشَّرق، ومساعد رئيس الجُّمهوريَّة، مؤتمراً صحفيَّاً، في الذِّكرى الثَّالثة لإبرام «اتفاق الشَّرق بأسمرا ـ 2006م»، وجدَّد مطالبتهم بإحالة ملف حلايب إلى التَّحكيم الدَّولي بلاهاي، معلناً نيَّته تناول القضيَّة مع الحكومة المصريَّة لدى زيارة كان يعتزمها للقاهرة مطلع نوفمبر 2009م. لكن السُّلطات السُّودانيَّة سارعت إلى منعه من السَّفر، بتاتاً، لا بصفته الرَّسميَّة، ولا الحزبيَّة، ولا الجِّهويَّة، ولا حتى للعلاج!
الشَّاهد أن إعلان المفوَّضيَّة عودة المثلث دائرة منفردة في انتخابات 2010م كان المهماز الذي أيقظ «أمَيَّة» من سُباتهم، فانطلقوا، كالعادة، يهربون إلى الأمام! أعلن أمين حسن عمر، كمن يدفع في اللاوعي اتِّهاماً عن نفسه: «حلايب سودانيَّة دون نقاش»! لكنه انقلب، مع ذلك، يتلجلج بأن «هذا من اختصاص المفوَّضيَّة، لا الحكومة!» (سودانايل عن "الشروق" القاهريَّة، 15 أكتوبر 2009م)؛ فانظر كيف تستحيل «السَّيادة» إلى مسألة «فنيَّة» ُتحمَّل للمفوَّضيَّة المسكينة! أمَّا إبراهيم غندور فقد «دعا» مصر لـ «تمكين» مواطني المثلث من «المشاركة في الانتخابات!» (المصدر نفسه)؛ فلكأنَّ «تمكين» المواطنين من وطنهم المغتصب مِمَّا يكون بمحض «مناشدة» الغاصب! وأمَّا مصطفى عثمان فقد أبدع في الهروب، بقوله: «لا نريد أن تكون حلايب (قضيَّة خلافيَّةّ!) مع مصر!» (سودانايل ـ نقلاً عن "الشـروق" القاهريَّة، 16 أكتوبر 2009م)؛ وأعجـب لحاكم «لا يريد أن يكون «احتلال!» بلده «محلَّ خلاف!» مع «المحتل»!
على أن القاهرة واصلت تشديدها، بأقوى نبرة، على أن قضيَّة حلايب «محسومة نهائيَّاً!» كونها «أرضاً مصريَّة!» (المصري اليوم، 17 يوليو 2010م). وبالنَّتيجة انعقدت انتخابات 2010م بدون حلايب! ولم يستشعر كمال حسن علي، سفير السُّودان بالقاهرة، ذرَّة حياء، وحلايب بين مخالب الجَّيش المصري، ليحجم عن إعلان سعي حكومته «لجعلها منطقة تكامل بين الشَّعبين!» (شبكة الشُّروق؛ 25 مايو 2013م).
وكنوع من الهروب المفضوح إلى الأمام، والذي غالباً ما يتَّخذ شكل "الحنجوري"، لم تجد السَّفارة بالقاهرة ما تعلق به على اعتزام مصر تفويج وفد شعبي مصري إلى حلايب لعقد مؤتمر هناك، سوى أن علاقات البلدين «مبنيَّة على التَّعاون!» (حريَّات؛ 22 يناير 2014م). أمَّا السَّفير محيي الدِّين سالم، فقد قال إن مشكلة حلايب موجودة منذ «القِدَم!»، لكنها لم توقف علاقة البلدين، حيث أن قيادتهما واعـية بمصـالح الشـَّعبين!» (إس إم سي، 1 سبتمبر 2014م). وبينما كانت الخارجيَّة المصريَّة تجدِّد إعلانها الصَّارم بأن المثلث جزء مـن مصـر، ولا تفاوض حوله مع السُّودان (أخبار الواقع؛ 9 سبتمبر 2014م)، لم يفُت الإعلام المصري أن يتخذ مكانه في مقدِّمة ركب ذلك العداء، فاتَّهمت صحيفة «الوفد» الخرطوم بـ «استفزاز!» القاهرة «بإثارتها قضيَّة حلايب!» (9 سبتمبر 2014م)، ونعى عمرو أديب على الرَّئيس المعزول مرسي، أنه هو الذي «أعطى حلايب للسُّودان (!) لأنه غير وطني، وإرهابي، وجاسوس!» (شبكة محيط، 9 سبتمبر 2014م). وفي سياق نفس الحنجوري أكَّد بعض أعضاء المجلس التَّشريعي لولاية البحر الأحمر «استحالة!» التَّنازل عن أيِّ شبر من حلايب! كما أعلنت لجنة الانتخابات بالولاية اكتمال ترسيم «حلايب» كدائرة معتمدة منذ العام 1953م (سودانايل ـ الشروق؛ 10 سبتمبر 2014م). وفي الأثناء لم يجد مالك حسين، رئيس لجنة الدِّفاع ببرلمان السُّودان، ما يعلق به على تعيين القاهرة رئيساً لـ «محليَّة» حلايب، سوى أن «الحكومة ستتَّخذ حيال ذلك ما يلزم من إجراءات!» (سودان تريبيون، 22 سبتمبر 2014م).
هكذا ضاع وقت طويل في الجُّبن، والخَوَر، والانكسار، والتَّعامي، و«الحنجوري»، والهُروب إلى الأمام، حتَّى ربَّما نحتاج، غداً، لما لم نكن لنحتاجه، بالأمس، من جهد ووقت لإثبات أن «حلايب» سودانيَّة، أو أنها كانت تمثِّل، بالفعل، دائرة مفردة في الانتخابات الأولى، في نوفمبر 1953م، وكان اسمها، آنذاك، «الدَّائرة/70 ـ الأمرأر والبشاريِّين»، وفاز بها محمد كرار كجر؛ أو في الانتخابات الثَّانية، في فبراير ـ مارس 1958م، عندما تغيَّر اسمها إلى "الدَّائرة/97 ـ البشاريِّين"، وفاز بها حامد كرار، دَع الوقائع المتراكمة منذ ما بعد اتفاقيَّة الحكم الثُّنائي للسُّودان بين بريطانيا ومصر في 1899م. غير أننا ينبغي ألا نغفل عن أمرين أساسيَّين: أولهما أن المطلوب هو فعلٌ ملموس يعيد حلايب إلى حضن الوطن، فتطاوُلُ الأمد يكرِّس الأمر الواقع؛ وثانيهما أن التَّاريخ لن يكتفي بمساءلة الحزب الحاكم، والأحزاب المتوالية معه، وحدهم، بل وكلِّ أحزاب المعارضة، ومؤسَّسات المجتمع المدني، والعمال، والمزارعين، والمثقَّفين الوطنيِّين الدِّيموقراطيِّين كافَّة.
ونعيد التَّذكير، هنا، بالمقترحات التي طرحها سلمان محمَّد احمد، وهي إحياء فريق عمل كان تشكَّل في منتصف التِّسعينات، ودعمِه بشباب مدرَّب على المناهج الحديثة، كي يحضِّر ملفَّاً متكاملاً للقضيَّة بغرض الحفاظ على الذَّاكرة العلميَّة والوثائقيَّة، مع الحرص على إبقاء شكوى السُّودان التي رفعها منذ 20 فبراير 1958م حيَّة أمام مجلس الأمن الدَّولي، وعدم اليأس من اجتذاب مصر إلى طاولة التَّفاوض التي كانت اقترحتها بنفسها في21 فبراير 1958م (الرَّاكوبة؛ 3 فبراير 2014م).
مهما يكن من أمر فإن هذه القضيَّة لن تُحلَّ بغير الدِّبلوماسيَّة، أو التَّحكيم والعدالة الدَّوليَّة، وكلاهما لا يمكن تأسيسه إلا على قاعدة صلبة من الحقائق، والوثائق، والمعرفة العلميَّة، والإرادة السِّياسيَّة، سائلين الله ألا يضطرَّنا للطريق الثَّالث .. العسكري!]
إنتهت مقالة 2014م. وبالطبع لم يكن لنا أن نتوقَّع، وقتها، من النِّظام البائد، غير المزيد من الجُّبن، والخوَر، والمواقف المخجلة. لكن حكومة الثَّورة، الآن، قمينة بعكس ذلك تماماً، رغم المصاعب، والعوائق، وأرتال المشكلات؛ فالقضيَّة «الوطنيَّة» لا تقلُّ أهمِّيَّة عن القضيَّة «الاجتماعيَّة»، فلا تحتمل التَّأجيل، خاصَّة وأن الشَّبكة العنكبوتيَّة حملت، مؤخَّراً، خبراً غاية في الخطورة، فحواه أن الحكومة المصريَّة اكتشفت كميَّة من الذَّهب لا تقلُّ عن ثلاثين طنَّاً، بنسبة استخلاص تبلغ 95%، بمنطقة «جبل إيقات» في مربع شلاتين، وأعلنت أنها ستشرع في ضخِّ الاستثمارات لاستخراجها!
الأرض ستعود، حتماً، إنْ بالدِّبلوماسيَّة، أو القانون الدَّولي، أو القوَّة المادِّيَّة، لكن الثَّروة الوطنيَّة، إذا ضاعت، فستصعب استعادتها، حتَّى لو كان وزنها جراماً واحداً، هذا إنْ لم تصبح هذه الاستعادة، بمضيِّ الوقت، مستحيلة تماماً! لذا ينبغي على حكومة الثَّورة التَّحرُّك بأسرع ما يمكن لمنع هذا الضياع. ولنكن واثقين من أن العالم، جله، كما ثبت في مؤتمر الشُّركاء، على أهبة الاستعداد لمناصرتنا كأصحاب حقٍّ لا جدال فيه. أما الملايين التي ثقبت عين الشَّيطان في الثَّلاثين من يونيو المنصرم، فستقف بصلابة، دون أدنى شكٍّ، خلف حمدوك ووزارته، داعمة بالكثير، والكثير جدَّاً من كلِّ مرتخصٍ وغالٍ، مِمَّا لا يمكن أن يخطر على ذهنيَّة الفتوَّات، والبلطجيَّة، وقطَّاع الطرُق!


الثُلاثَاء
ساءني كثيراً أن الحدائق المنبسطة شمال هيلتون الخرطوم، والتي كان اسمها، سابقاً، «حدائق مايو»، قبل أن تطلق عليها الجَّماهير المنتصرة في انتفاضة 1985م اسم «حدائق 6 أبريل»، تسلط عليها معتمد الخرطوم في النِّظام البائد، اللواء أبو شنب، فمنح حقَّ استثمارها لرأسمالي إسلاموي تركي إسمه «بوماني»، ومنحه، فوق الاستثمار، حقَّ إطلاق اسمه على المكان ليصبح، حاليَّاً، «حدائق بوماني» .. فتأمَّل!


الأربعاء
في كتابه «الحزب الشِّيوعي السُّوداني: نحروه أم انتحر»، والصَّادر في عقابيل مجزرة يوليو 1971م، أوان لم يكن أحد ليصدِّق أن الحزب سيعود بعدها يخوض نضاله عبر مسالك الحياة السِّياسيَّة في البلاد، تحدَّث فؤاد مطر بتقدير عالٍ عمَّن أسماهم «الماركسيِّين بالموهبة» داخل الحزب، وأبدى، بوجه مخصوص، انبهاراً شديداً بالكوادر الميدانيَّة التي لم يتمكَّن الحزب من محو أميَّتها، وإن عمل على تأهيلها بمستوى مدهش من التَّعليم الماركسي، سماعياً وبالممارسة! من بين هؤلاء أفرد مطر مساحة خاصَّة للحديث، بإعجاب منقطع النَّظير، عن سليمان، كادر الحزب بالموهبة الذي التقى به على ضفَّة نهر الجُّور بمدينة واو، عاصمة مديريَّة بحر الغزال في جنوب السُّودان، وقتها، حيث فوجئ بإنسان غاية في البساطة، ومع ذلك يجيد طرح آرائه العميقة بمنطق الماركسي المتمكِّن من ماركسيَّته! وكم كانت دهشة فؤاد عظيمة، لمَّا أزف موعد مغادرته، فعرض على سليمان أن يبقيا على اتِّصال بالمراسلة، فإذا بالذي كان لسانه منطلقاً، قبل قليل، كأفضل ما يكون المثقَّف، يفاجئه بما لم يخطر، قط، على باله، قائلاً إنه لا يستطيع مراسلته، للأسف، لأنه .. أمِّي! وعلق مطر على ذلك بأن الشِّيوعيِّين المؤسِّسين لم يتمكَّنوا من تعليم سليمان القراءة والكتابة، وإنْ علموه النَّظريَّة! وضاهى الكاتب، في السِّياق، بين تجربة الشِّيوعيِّين السُّودانيِّبن، وبين تجربة فيدل كاسترو الذي استطاع القضاء على الأمِّيَّة في كوبا خلال خمس سنوات! لكن الكاتب سرعان ما استدرك بما يعني أن كاسترو حين أنجز ذلك كان في قمَّة السُّلطة، بينما لا يزال الشِّيوعيُّون السُّودانيُّون يصارعون أقسى الظروف وهم بعيدين عن السُّلطة بمراحل!
ذكَّرني هذا الجَّانب من حديث مطر بحكاية النِّسوة اللائي سمعن، على أيَّام يوليو 1971م، في بلدة سودانيَّة على ضفاف النِّيل، بأن البوليس قد ألقى القبض على شيوعيِّين مختفين، فهرولن لرؤية تلك المخلوقات الأسطوريَّة، لكنهنَّ، عندما عدن، وسُئلن عمَّا رأين، عبَّرن عن خيبة أملهنَّ بقولهنَّ: «هَيْ بِسْ .. وحات الله سواق البنطون ذاتو معاهم»!


الخميس
أضحى خيار الحكم اللامركزي، منذ زمن بعيد، أحد مسائلنا الدُّستوريَّة المحسومة تقريباً، فلم يعُد ثمَّة من يجادل الآن، بجدِّيَّة، في مزاياه كأنسب ما يناسب بلادنا. وكنَّا اعتمدنا هذا النِّظام، أواخر 2004م، في «مؤتمر الخبراء الدُّستوريِّين» الذي انعقد بالعاصمة اليوغنديَّة، تحت إشراف «مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان»، بالاشتراك مع منظمة «أفريقيا العدالة Justice Africa»، وأنتج ما ظلَّ يُعرف، منذ ذلك الحين، بـ «إعلان كمبالا». ولعلَّ أحدث توافق على هذا النِّظام هو ما تمَّ، مؤخَّراً، خلال مفاوضات السَّلام الجَّارية، على علاتها، حيث أقرَّت جميع الأطراف مبدأ العمل بنظام الحكم الإقليمي الفيدرالي.
وحول مزايا هذا النِّظام قطعت دراسة أوربِّيَّة حديثة بأن البلدان القائمة على اللامركزيَّة، وتتمتَّع أقاليمها بصلاحيَّات أكبر، خصوصاً على صعيد الضَّرائب، والتَّشريع، والسِّياسة التَّعليميَّة، يكون أداؤها الاقتصادي أفضل بكثير من تلك القائمة على المركزيَّة. الدِّراسة تمَّت تحت رعاية مركز «باك» للبحوث بسويسرا، بمشاركة شبكة الأقاليم الأوربِّيَّة، واستندت إلى قياسات مردود اللامركزيَّة على الاقتصاد، كما وعلى مستويات التَّعليم والاختراعات في 26 بلداً، بما فيها بلدان خارج عضويَّة الاتِّحاد الأوربِّي، وذلك من خلال مقاربة مجموعتين من الدُّول، مركزيَّة ولامركزيَّة، مع مراعاة عوامل شتَّى، منها، على سبيل المثال، ما إنْ كان تعيين الموظفين العموميين يتمُّ على أسس اتِّحاديَّة أم إقليميَّة، وما إنّْ كانت السِّياسة التَّعليميَّة تُوضع في العواصم أم في الأقاليم، وما إن كانت الضَّرائب تحدَّد على نطاق الدَّولة، فقط، أم على المستويات المحليَّة أيضاً. وبالنَّتيجة لاحظت الدِّراسة أن لللامركزيَّة مردوداً إيجابيَّاً على كلٍّ من نصيب الفرد في النَّاتج المحلي الإجمالي، وفي النُّموِّ الاقتصادي. ولاحظت، كذلك، أنه، حتَّى الدُّول التي ظلت تتمتَّع، خلال السَّنوات العشر الأخيرة، بمستويات عالية من النُّمو، رغم أنها مركزيَّة، كان بمستطاعها تحقيق تقدُّم أكثر في ما لو كانت لأقاليمها وسلطاتها المحليَّة صلاحيَّات أكبر. كما لاحظت الدِّراسة أن الجَّامعات، في البلدان اللامركزيَّة، تمتاز بمستويات أعلى، كلما كان لدى الأقاليم التي تنتمي إليها صلاحيَّات أوسع للتَّقرير بشأن السِّياسة التَّعليميَّة، خصوصاً في مجال العلوم التَّطبيقيَّة. وأبرزت الدِّراسة، بوجه عام، ميزة تركيز السَّاسة الإقليميِّين على معالجة القضايا المحليَّة، أكثر من صانعي القرارات الاتِّحاديَّة. وعلى هذا الصَّعيد ساق عدد من المتحدِّثين، خلال الاحتفال بتدشين الدِّراسة، بعض النَّماذج، كافتتاح خط القطار السَّريع، مثلاً، بين باريس وستراسبورج، تتويجاً لجهود السُّلطات المحليَّة في إقليم الألزاس.
ومع أن نتائج الدِّراسة لم تكن غير متوقَّعة لدعاة الفيدراليَّة، وللاقتصاديِّين الذين بحَّت حناجرهم من تكرار التَّأكيد على أن تفويض الصَّلاحيَّات من المركز إلى السُّلطات الإقليميَّة والمحليَّة يرتقي بكفاءة الأداء الاقتصادي للدَّولة، فإنه لم يفت الأكاديميِّين السّويسريِّين، بالذَّات، التَّذكير بأنهم كانوا أوَّل من أثبت ذلك علميَّاً.
أهميَّة اللامركزيَّة لتحقيق التَّنمية، والازدهار الاقتصادي، قضيَّة يجدر أن نوليها، في السُّودان، الاعتبار اللازم، خلال المؤتمر الدُّستوري المنتظر.


الجُّمعة
يبدو أن شعار «المصالحة» المجرَّدة من أيِّ مستلزمات، أو قيود، أو شروط، ما زال يستهوي البعض؛ يغطس، حيناً، ويطفو، أحياناً، من بين الأمواج المتلاطمة للأحداث الثَّوريَّة في الشَّارع، ولو بمحض التَّفكير الرَّغائبي، المعبَّر عنه بأشكال مختلفة تراوح بين الخفوت والخفوت!
والحقيقة أن هذا الشِّعار كان قد غلب، حتَّى على مخططات النِّظام البائد الشُّموليَّة. فعندما ضاقت به الوسيعة، لجأ، في مايو 2007م، لتكوين ما أطلق عليها اسم «هيئة جمع الصَّفِّ الوطني»، برئاسة سوار الدَّهب، فصاغت مشروعها، وسلمته للكتل السِّياسيَّة، شاملاً «تشكيل هيئة للمصالحة»، ولكن هيهات! إذ سرعان ما اصطدمت الهيئة بالسُّؤال عن نوعيَّة «المصالحة» المطلوب إنجازها؟! فلئن كان من شأن «المصالحة» الجادَّة أن تضع علامة فارقة بين تركة الماضي المثقلة بأفظع الانتهاكات، وبين اتِّجاهات المستقبل المفتوحة على أعرض الآمال، فمن البدهى أن يجد أىُّ نظام ترعرع على الاستئثار بالسُّلطة، كالنِّظام البائد، صعوبة لا تُحدُّ فى تجرُّع الاضطرار لاكتشاف الخطأ القاتل، الكامن فى إصراره على مواصلة السَّير بالطريق القديم. لذا لم يكن بإمكان هيئة ولأن سوار الدَّهب وهيئته لم يكونا سوى تابعين لقاطرة ذلك النِّظام، فإنهما لم يكن بمستطاعهما غير الوقوف عند حدود إعادة إنتاج «مصالحة 1977م» التي أشرف عليها، وأخرجها، آنذاك، فتح الرحمن البشير، فلم تقدِّم، ولم تؤخِّر، ولم تضِف لنظام النِّميري حجراً، أو تخصم منه حصاةً!
غير أن ثمَّة مسألتين لا بُدَّ من أخذهما في الاعتبار:
المسألة الأولى: أنه ما يزال هناك مَن يجادل بأن مرجعيَّة الحكم، أوان «مصالحة فتح الرحمن» كانت مختلفة عنها أوان «هيئة سوار الدَّهب»، فهي، أوان الأخيرة، كانت خليطاً من فكر التُّرابي، و«اتفاقيَّة نيفاشا والدُّستور الانتقالي 2005م»، ثمَّ «اتفاقيَّتي أبوجا وأسمرا 2006م»، رغم هشاشتهما، بينما لم تكن مرجعيَّة «فتح الرحمن» سوى سلطة النميري المطلقة، يتصوَّرون إمكانيَّة التَّعويل عليها في سهولة تمرير أيِّ إجراء. مع ذلك فشلت كلتا التَّجربتين، لدى التَّطبيق العملي. فمن ناحية، فشلت «مصالحة 1977م» كونها كانت صناعة رجلين أو ثلاثة، في غرفة مغلقة، بعيداً عن أيَّة إرادة شعبيَّة! أمَّا من ناحية أخرى، فإن تشبُّث البرجوازيَّة الطفيليَّة الإسلامويَّة بالسُّلطة، في عقابيل انقلابها في 30 يونيو 1989م، وإصرارها على الانفراد بها رغم أنف أيِّ اتِّفاقيَّات قد تضطرُّ لها اضطراراً، أضعف أيَّ أمل في أن ينبني على مثل تلك الاتفاقيَّات أيُّ قدر من المؤسَّسيَّة، ولو شكلاً، الأمر الذي أسهم في إضعاف «مصالحات» النِّظام البائد، وفاقم من هشاشتها، فأعاقها تماماً.
المسألة الثَّانية: أنه، لئن كان «دستور 2005م الانتقالي»، بالذَّات، يرمي، ولو نظريَّاً، خلال الفترة الانتقاليَّة (2005م ـ 2011م)، إلى تحقيق هدفين مترابطين جدليَّاً: «السَّلام الشَّامل» و«التحوُّل الديموقراطي»، فإن ذلك كان متوقِّفاً، بالأساس، على توفُّر شرط «العدالة الانتقاليَّة»، كلما أتيحت «مرحلة انتقاليَّة»، كمقدمة لا غنى عنها، البتَّة، لعقد «المصالحات» المأمولة، والتي تعيد بناء «الجَّبهة الداخليَّة» المنهارة. لذا كان من فادح الوهم، يقيناً، تصوُّر إمكانيَّة السَّير خطوة واحدة بهذا الطريق، دون تصفية تركة الماضي المثقلة بالانتهاكات، وذلك بالكشف علناً، قبل أيِّ شئ آخر، عن حقيقة ما جرى، ثمَّ اجتراح المعالجات الكفيلة بإبراء الجِّراح، وتسكين الآلام، مادِّيَّاً ومعنويَّاً، وإلى ذلك إصلاح بنية السُّلطة والعلاقات السِّياسيَّة السَّابقة، والتخفيف من غلواء التَّهميش الطبقي بمناهج العدالة الاجتماعيَّة، ومحاربة التَّهميش الإثني للتَّكوينات المستضعفة، والتَّهميش النَّوعي لبعض الشَّرائح، كالنِّساء مثلاً، وفضِّ التَّناقض المصطنع، وضعيَّاً ودينيَّاً، بين «الدِّيموقراطيَّة» و«الشُّورى»، وإلى ذلك إنجاز الاصلاحات التَّشريعيَّة والمؤسَّسيَّة الضَّروريَّة، وإتاحة حريَّة المشاركة الواسعة للجَّماهير فى كلِّ هذه العمليَّات.
باختصار، لا فتح الرَّحمن البشير، ولا سوار الدَّهب، ولا أيٌّ من أضرابهما، بقادر على أن يبلغ بنا أيَّة «مصالحة وطنيَّة» مأمولة. وحدها «العدالة الانتقاليَّة» مكتملة العناصر، والشُّروط، والمقوِّمات، هي النَّهج السَّالك إلى ذلك.


السَّبت
لصديقي السَّفير أحمد دياب أسلوب شائق في سرد الذِّكريات. ولا غرو، ففضلاً عن مهنته الرَّسميَّة، هو، أيضاً، روائي وكاتب قصَّة قصيرة. وكان قد قضى خمس سنوات، بين عقدي السِّتِّينات والسَّبعينات، بالعاصمة التنزانيَّة دار السَّلام، ممثِّلاً للسُّودان في لجنة التَّحرير الأفريقيَّة، كحلقة وصلٍ، آنذاك، بين الحكومة وبين الحركات الأفريقيَّة، بشأن مساعدات السُّودان لها. وقد ضمَّن أهمَّ وقائع تلك السَّنوات في مذكِّراته «خواطر وذكريات دبلوماسيَّة»، الصَّادرة عن مركز عبد الكريم مرغني في 2004م، والتي خلبت لبَّ الطيِّب صالح، وأغوته، برشاقتها، فقدَّم لها.
من تلك الخواطر والذِّكريات ما روى أحمد من أن الخرطوم زوَّدت، ذات مرَّة، حركة «مبيلا» بأنجولا، عن طريق الخطوط البحريَّة السُّودانيَّة، بعدد 200 حمار لاستخدامها في نقل الأسلحة، والذَّخائر، والمؤن، أثناء حرب العصابات ضدَّ الاستعمار البرتغالي! وفي مناسبة أخرى روى، أيضاً، عن إرسال الخرطوم باخرة سودانيَّة محمَّلة بمساعدات عسكريَّة، إلى جانب كميَّة من الخيول، مع عدد من المدرِّبين المحترفين، على رأسهم زُغْبير، الجوكي الشَّهير في حلبات سباق الخيل، أيَّامها، وذلك بناء على طلب حركة «سوابو» بناميبيا، للاستعانة بها في حرب التَّحرير! وبعد أن رست الباخرة، بسريَّة تامَّة، في ميناء دار السَّلام، ذهب أحمد، في ساعة متأخِّرة من الليل، بمعيَّة ممثِّل «سوابو»، ومندوبي الأمن التَّنزاني، للإشراف على تفريغ الشُّحنة. على أن كلَّ جهودهم لإنزال الخيول من الباخرة ذهبت أدراج الرِّياح! والأدهى أنهم لم يعثروا، في تلك اللحظات، على زغبير الذي علموا أنه تحصَّل، مع بقيَّة المدرِّبين، على إذن خاص للتَّنزُّه في المدينة! فكان لا بُدَّ من البحث عنه، حيث انطلقوا، كلٌّ بسيَّارته، في كلِّ أرجاء دار السَّلام، إلى أن عثروا عليه، بعد جهد جهيد، مسترخياً مع شلته في أحد المطاعم الشَّعبيَّة! وبإحضاره، وكانت السَّاعة قد جاوزت منتصف الليل، انفكَّت عقدة الخيول، حيث لم تمض سوى دقائق معدودات حتَّى كانت تستجيب لتعليماته، فتتزاحم بالمناكب، نزولاً في أرض الميناء، ليتنفَّس الجَّميع الصُّعَداء، بعد أن أثبت زغبير، بالفعل، أن لكلِّ مهنة أسرارها، وأن الماجد، حقَّاً، في هذه الدُّنيا، هو مَن يتقن أسرار مهنته!


الأحد
لم يكن ملك إنجلترا هنري الثامن على وفاق مع ملك فرنسا فرانسوا الأول، فأراد أن يبعث إليه برسالة تهديد مع أحد رجاله، ولكن الرجل استعطفه ليعفيه من المهمة! فسأله: مِمَّ تخاف؟! فردَّ الرَّجل: لأنِّي لا أضمن أن أعود سالماً! فقال له الملك هنري: لا تخف .. إذا أمر ملك فرنسا بقطع رأسك، فسآمر بقطع رؤوس كلِّ الفرنسيين المقيمين بإنجلترا. فردَّ الرَّجل: لا أشكُّ في ذلك يا مولاي .. ولكنِّي لن أجد بينها رأساً يناسب عنقي!

***


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.