(1)

الدَّلالة الاصطلاحيَّة لـ «مُثُول» أيِّ متَّهم أمام المحكمة المختصة بنظر قضيَّته هي حالة ظهوره، «طوعاً»، في الغالب، أمامها، بينما دلالة مصطلح «تَّسليمه» تعني، في كلِّ الحالات، «حمله»، حملاً، على ذلك الظهور بوساطة سلطة ما.
(2)
في الأوَّل من أكتوبر2014م «مَثَل» الرَّئيس الكيني أهورو كينياتا أمام المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة. وقد سدَّد هذا «المُثول» صفعة قويَّة للقرار الذي أصدرته قمَّة الاتحاد الأفريقي المنعقدة بأديس أبابا، في 12 أكتوبر 2013م، مدفوعة من نظام البشير البائد، تحرِّض على رفض التعامل مع هذه المحكمة بذريعة استهدافها «العنصري» لرؤساء القارَّة وحدهم، قبل أن يتعضَّد هذا القرار، لاحقاً، من قمَّة مالابو، بغينيا الاستوائيَّة، أواخر يونيو 2014م، والتي اعتمدت بروتوكول «المحكمة الأفريقيَّة لحقوق الإنسان والشُّعوب» الذي ينصُّ على «عدم محاكمة الرُّؤساء الأفارقة أثناء مباشرة مهامهم الرِّئاسيَّة»!
وكان كينياتا، ونائبه وليام روتو، مطلوبَيْن للمحكمة الجنائيَّة الدَّوليَّة، تحت طائلة اتهامهما بتدبير عمليَّات قتل لبعض مواطنيهما في ملابسات انتخابات 2007م. وعلى حين كان مفترضاً أن «يَمثُل» كينياتا أمام المحكمة في 12 أكتوبر 2013م، وتأخَّر «مُثُوله» إلى مطلع أكتوبر 2014م، فإن روتو «مَثَل» أمامها في سبتمبر 2013م. ورغم فشل قمَّة أديس أبابا المار ذكرها في إصدار قرار كان قد أشيع توقعه، وقتها، بانسحاب الدُّول الأفريقيَّة الـ 34 الأعضاء في المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، انسحاباً جماعيَّاً، منها، إلا أن القمَّة أصدرت قراراً آخر بتحدِّي الملاحقات القضائيَّة للرُّؤساء الأفارقة أثناء وجودهم في مناصبهم، خصوصاً الرَّئيسين السُّوداني البشير، والكيني كينياتا.
لكن تلك القمَّة التي كانت قد أعلنت عدم اعترافها بالمحكمة، اتخذت، في ذات الوقت، خطوة غاية في الارتباك عندما طلبت من مجلس الأمن الدَّولي «تأجيل» محاكمة كينياتا، بموجب المادَّة/16 من نفس «نظام روما الأساسي» الذي تعمل المحكمة بموجبه، وهدَّدت بأن «الاتحاد»، حال عدم استجابة مجلس الأمن لطلبها، «سيستخدم وسائل بديلة للتَّأجيل!»، مع العلم بأن المادَّة المذكورة لا تلغي إجراءات المحاكمة، وإنَّما تسمح، فقط، بتأجيلها لمدة سنة قابلة للتَّجديد، إذا قرَّر مجلس الأمن ذلك، وطلبه منها. وعقب الاجتماع صرَّح تواضروس أدهانوم، وزير الخارجيَّة الإثيوبي، للصَّحفيِّين بأن على الرَّئيس كينياتا، إذا لم يستجب مجلس الأمن للطلب، عدم «المُثُول» أمام المحكمة!
ومن هنا جاءت الصَّفعة، حيث لا مجلس الأمن الدَّولي «استجاب» للطلب، ولا الاتِّحاد الأفريقي استخدم «وسائل» بديلة، ولا كينياتا امتنع عن «المثول» أمام المحكمة!ّ
(3)
وخلال مفاوضات السَّلام التي جرت بجوبا، عاصمة دولة جنوب السُّودان، بين السُّلطة الانتقاليَّة في جمهوريَّة السُّودان وبين حركات دارفور المسلحة، تمَّ «الاتِّفاق»، ضمن ملف العدالة في تلك المفاوضات، على «إجراء» بشأن البشير، الرَّئيس المخلوع، ومن معه من المتَّهمين في جرائم دارفور، في ما يتعلق بمطالبة المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة بهم. غير أن أتباع النِّظام البائد، فضلاً عن بعض عناصر المكوِّن العسكري في السُّلطة الانتقاليَّة، راحوا يمضمضون أفواههم بحُجج تعارض هذا «الإجراء»، جذريَّاً! لذا يلزمنا، أن نعرض للارتباك الاصطلاحي في بيان السَّيِّد محمَّد حسن التَّعايشي، عضو مجلس السَّيادة، والنَّاطق الرَّسمي باسم الوفد الحكومي المفاوض، والذي أعلن خبر «الاتِّفاق»، مستخدماً مصطلح «المُثول»، بدلاً من «التَّسليم»، في تعيِّين «الإجراء» الذي «اتُفِقَ» عليه! وذلك، في رأينا، خطأ فادح، إذ أن «المثول»، كما سبق أن أوضحنا، هو فعل المتَّهم، لجهة «ظهوره الطَّوعي» الذي يتوقَّف على «إرادته» الحُرَّة، فلا يُعقل أن يُعلَّق على شرط «الاتِّفاق» حوله، سواء مع المتَّهم نفسه، أو مع أيَّة جهة أخرى، بعكس «التَّسليم» الذي يعني فعل السُّلطة، لجهة «حَمْل» المتَّهم «حَمْلاً» على «الظُّهور» أمام المحكمة!
بالخلاصة، فإن قصد السَّيِّد التَّعايشي قد انصرف، في ما هو واضح، إلى دلالة «الاتِّفاق» على «التَّسليم»، لولا أنَّه استخدم، خطأ، مصطلح «المُثول»، مِمَّا أربك المطلوب، وأخلَّ بالمعنى، وأشرع الأبواب على مصاريعها أمام جدل يكاد لا ينتهي!
***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.