عتبة أولى:
مرَّت، قبل زهاء شهرين، الذِّكرى الثَّامنة لوفاة القاضـي الإيطالي العالم أنطونيو كاسْيسِي (1937م ـ 2011م)، كبير مهندسي العدالة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة الحديثة، وصاحب المسيرة المهنيَّة المتميِّزة، تطبيقيَّاً، وأكاديميَّاً، وفكريَّاً، ورئيس لجنة التَّحقيق الدَّوليَّة في انتهاكات دارفور التي أوصت بإحالة هذا الملف إلى لاهاي، والرئيس السابق لمحكمتي لبنان ويوغوسلافيا الدَّوليَّتين، والمدافع البارز عن حقوق الإنسان، وبوجه خاص عن الحقِّ في تقرير المصير، وواضع العديد من المؤلفات الرَّائدة في مختلف أبواب القانون الدَّولي، والحائز على العديد من الجَّوائز والأوسمة الفخريَّة، حيث أسلم الرُّوح عن 74 عاماً، بالسَّبت 22 أكتوبر 2011م، في منزله بفلورنسا، إثر صراعٍ مرير مع السَّرطان.

عتبة ثانية:
قبل بضعة أسابيع اهتبل د. عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء الانتقالي، فرصة زيارته إلى الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، فالتقى مع الجَّالية السُّودانيَّة بواشنطن، في مناسبة مرور مائة يوم على توليه المنصب. وجاء في الأنباء أنه تلقَّى أسئلة المهاجرين دون أن يجيب عليها بوضوح قاطع، وأهمَّها السُّؤال عن موقف حكومته من تسليم البشير إلى المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، في الدَّعوى التي اقترنت باسم المحقِّق الأوَّل فيها: القاضي أنطونيو كاسْيسِي.

مطلب تسليم البشير:
غير أن حمدوك كان استُضيف، قبل لقائه مع الجَّالية، في مقابلة إذاعيَّة مع "مجلس أطلانطكا"، حيث ووجه بنفس السُّؤال عن عدم تسليم البشير للمحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، وهو المتَّهم بارتكاب "تطهير عرقي!"، وجرائم حرب، وجرائم ضد الانسانيَّة في دارفور. في ردِّه أفاد حمدوك بأن الحكومة تعتزم تكوين "مفوضيَّة قضائيَّة تردَّ الحقوق الي أصحابها"! وفي الحال انطرح السُّؤال عن الكم من السَّنوات التي ينبغي أن تنقضي قبل أن يتمَّ ذلك إزاء جرائم البشير، رغم أن تسليمه غير خاضع لأيِّ نقاش، أو اجتماعات، لا مع قوي الحريَّة والتَّغيير، ولا حتي مع مجلس السَّيادة، استناداً إلى أن ثمَّة متَّهم مطلوب للجَّنائيَّة، وثمَّة أساس قانوني لطلبه، وثمَّة حكومة تتمتَّع بصلاحيَّات دستوريَّة لتسليمه، فلِمَ لا تفعل؟!
وقد تثور، بالمقابل، المسألة المتعلقة بمشروعيَّة إخضاع رئيس السُّودان السَّابق لاختصاص المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، بينما السُّودان نفسه، حسب الحُجَّة التي ما انفكَّت تثيرها حكومته البائدة، لم يمهر بتوقيعه Signature "نظام روما لسنة 1998م" الذي أنشأ هذه المحكمة. مواجهة هذه الحُجَّة تستقيم من زاويتين، فمن الزَّاوية الأولى تتأسَّس هذه المشروعيَّة على نصِّ المادَّة/13/ب من "نِّظام روما"، والتي تتيح لمجلس الأمن الدَّولي إحالة أيَّة دعوى لهذه المحكمة، بموجب سلطاته تحت الفصل السَّابع من ميثاق الأمم المتَّحدة، بصرف النَّظر عمَّا إن كانت الدَّولة المعنيَّة موقِّعة أو غير موقِّعة على "نظام روما". أمَّا من الزَّاوية الأخرى، وبرغم عدم أهميَّة ذلك في ظلِّ الزَّاوية الأولى، فإن السُّودان شارك، بنشاط جم، عن طريق أحد أكبر الوفود في "مؤتمر روما الدِّبلوماسي الدَّولي" الذي انعقد، وصاغ، وأصدر ذلك "النِّظام"، صيف 1998م، ثمَّ مهره بتوقيعه في 8 سبتمبر 2000م، خلال "قِمَّة الألفيَّة" التي عقدتها الجَّمعيَّة العامَّة للأمم المتَّحدة، على خلاف تلك المغالطة الفظَّة التي ظلت تعتمدها حكومة السُّودان آنذاك. ولو أن تلك الحكومة اكتفت بالحُجَّة الكاسدة الأخرى، القائلة بأن سلطة السُّودان التَّشريعيَّة لم تقم، بعدُ، بالمصادقة Ratification على ذلك التَّوقيع، لهانت المغالطة شيئاً؛ ومع ذلك تمتنع هذه الحُجَّة، بدورها، لكون "معاهدة فيينا للاتِّفاقيَّات الدَّوليَّة لسنة 1969م" تحظر الدَّولة الموقِّعة من القيام بأيِّ تصرُّف يعيق تنفيذ ما تمَّ التَّوقيع عليه ريثما تصادق هي على تَّوقيعها.
نعود إلى حوار الرَّئيس حمدوك الإذاعي، حيث نلاحظ أنه يحتاج إلى إضاءتين مهمَّتين، الأولى على صعيد مسألة "التَّطهير العرقي والإبادة الجَّماعيَّة"، والأخرى على صعيد مسألة "القضاء والمفوَّضيَّة القضائيَّة"، وذلك على النَّحو الآتي:

(1) التَّطهير العرقي والإبادة الجَّماعيَّة:
تنصبُّ الإضاءة الأولى على ما إن كانت ثمَّة تهمة بارتكاب جريمة اسمها "التَّطهير العرقي Ethnic Cleansing"، ضمن التُّهم التي يواجهها البشير. فالقانون الجَّنائي الدَّولي لا يعرف، أصلاً، جريمة مستقلة بهذا الاسم. والتَّعبير نفسه أقرب إلى لغة السِّياسة والصَّحافة منه إلى المصطلحات القانونيَّة المنضبطة؛ وقد يُعتبر، في أقرب استخداماته إلى القانون الجَّنائي الدَّولي، محض إشارة إلى بعض "جرائم الحرب" و"الجرائم ضدَّ الإنسانيَّة". أمَّا الجَّريمة المستقلة التي وجَّه مكتب المدَّعي العام الدَّولي الاتِّهام إلى البشير، بشأنها، فهي "الإبادة الجَّماعيَّة Genocide"، إضافة، بطبيعة الحال، إلى "جرائم الحرب" و"الجَّرائم ضدَّ الإنسانيَّة"، وهي، حصريَّاً، الجَّرائم التي تدخل ضمن اختصاص المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، وفق المادَّة/5 من "النِّظام"، باستثناء جريمة "العدوان" التي ما تزال تنتظر التَّعريف.
يرتكز الأساس القانوني الدَّولي لجريمة "الإبادة الجَّماعيَّة" على "الاتِّفاقيَّة الدَّوليَّة لمنع الإبادة الجَّماعيَّة لسنة 1948م" التي تَعتبر الفعل "إبادة جماعيَّة" إذا اشتمل على نيَّة التَّدمير الكلي أو الجُّزئي لمجموعة عرقيَّة، أو قوميَّة، أو إثنيَّة، أو دينيَّة، كقتل كلِّ أعضاء المجموعة، أو إلحاق ضرر جسدي أو عقلي كبير بهم، أو الإضرار بظروف حياتهم بما يؤدِّي إلى تدميرهم جزئيَّاً أو كليَّاً، أو الحيلولة دون توالدهم، أو نقل مواليدهم بعيداً عنهم بالقوَّة.
وإذن فمصطلح "الإبادة الجماعيَّة" ينصبُّ على "مسح المجموعة المستهدفة من على وجه الأرض"، بينما قد لا يذهب تعبير "التطهير العرقي" إلى ذلك، بالضَّرورة، وفي كلِّ الأحوال، وإنَّما يكتفي بالإبعاد الممنهج لهذه المجموعة، ربَّما عن طريق "الإبادة الجَّماعيَّة"، وربَّما بمجرَّد التَّرويع والإرهاب، ودفعها إلى الخروج، قسراً، من حيِّز جغرافي معيَّن، بغرض أن يكون هذا الحيِّز متجانساً عرقيَّاً.
وفي 31 يناير2005م ورد في تقرير لجنة كاسْيُسِي الدَّوليَّة التي كوَّنها كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتَّحدة، في 8 أكتوبر 2004م، بتوجيه من مجلس الأمن الدَّولي، وباشرت، بدءاً من 10 أكتوبر 2004م، تحقيقاتها في دارفور ومعسكرات اللجوء بشرق تشاد، أن حكومة السُّودان "لم تعتمد سياسة إبادة جماعيَّة في دارفور"؛ وأن اللجنة المذكورة أمسكت بدلائل على وقوع "أفعال إبادة/ الرُّكن المادِّي"، دون أن تضع يدها على "نيَّة إبادة/ الرُّكن المعنوي"؛ ومعلوم، قانوناً، أنه ما لم يقترن "الرُّكن المادِّي"، أي الفعل المجرَّم، بـ "الرُّكن المعنوي"، أي نيَّة ترتيب أثره Intention أو Mens Rea، فلا تعتبر الجريمة قد ارتكبت، لا في القانون الجَّنائي الوطني، ولا في القانون الجَّنائي الدَّولي. على أن لجنة كاسْيُسِي أوصت، مع ذلك، بإحالة ملف دارفور من مجلس الأمن إلي المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، تحت المادَّة/13/ب من "النِّظام"، وارتأت، في نفس الوقت، ترك التَّقرير النَّهائي بشأن جريمة "الإبادة الجَّماعيَّة" لهذه المحكمة. وبالفعل أحال مجلس الأمن الدولي الملف إلى المحكمة في 31 مارس 2005م، بموجب قراره رقم/1593 (أنظر: كتابنا "الحقيقة في دارفور"، الصادر عن "مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان" في 2006م).
وبعد مضي عام من التَّحقيقات أعلن المدعي العام الدَّولي، في 18 ديسمبر 2006م، أن محققيه عثروا على أدلة تثبت وقوع جرائم قتل، واغتصاب، وتعذيب، وما شابه، في دارفـور، مشـيرا إلى أن عمـله يركِّـز عـلى حوادث وقعـت، فحسب، بين عامي 2003م و2004م. ثمَّ بعد مضي عام آخر وجَّهت المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة الاتِّهام، رسميَّاً، في 27 فبراير 2007م، بارتكاب "جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب"، خلال الفترة المذكورة، إلى أحمد هارون الذي كان قد شغل منصب وزير الدَّولة، وقتها، مرَّتين؛ مرَّة بالداخليَّة وأخرى بالشُّؤون الإنسانيَّة، وكذلك إلى علي كوشِّيب، أحد قادة مليشيا الجَّنجويد، وأصدرت، من ثمَّ، مذكرتي اعتقال بحقهما. ثمَّ بعد عام ثالث وجَّه المدَّعي العام اتِّهامه الرَّسمي للبشير، في 14 يوليو 2008م، بارتكاب جرائم حرب و"إبادة جماعيَّة"، خلال ست سنوات، في إقـليم دارفـور، طـالباً مـن "الدَّائرة التَّمهيديَّة/ محكمـة ما قبل المحاكمـة Pre–trial Court" إصـدار مذكـرة اعتقـال بحقِّه.
في تعليقنا على ذلك كتبنا، ذات رُزنامة حوالي ذلك التَّاريخ، أن قبول تلك المحكمة طلب المدَّعي العام بتوجيه الاتِّهام إلى البشير بارتكاب "جرائم حرب" و"جرائم ضدَّ الإنسانيَّة" لا يبدو أنه سيكون ثمَّة غبار عليه. أما إذا حدث وقبلت طلبه بإضافة تهمة "الإبادة الجَّماعيَّة"، فإمَّا أن قبولها ذاك سيكون خاطئاً من وجهة نظر القانون الجَّنائي الدَّولي، أو أن عدم توجيهها تلك التُّهمـة، ابتداءً، إلـى أحمــد هــارون وعـلي كـوشِّـيب هو الذي سيكون خاطئاً، وذلك حسب قاعـدة "عــدم مقـبوليَّـة non-admissibility" الدَّفع بأوامر القادة، مقروءة مع قاعدة "سلسلة القيادة أو تسلسل الأوامر Chain of Command" التي تقرن، وجوباً، بين فعل القائد الذي يصدر الأمر، وبين فعل المرءوس الذين ينفِّذه، ومن ثمَّ فلا يمكن توجيه التُّهمة للقائد دون جنوده، أو للجنود دون قائدهم!
كما توقَّعنا بالفعل، صدر قرار "الدَّائرة التَّمهيديَّة" في 4 مارس 2009م، رافضاً قبول تهمة "الإبادة الجَّماعيَّة" في حقِّ البشير، مع الإبقاء على تهمتي "جرائم الحرب" و"الجَّرائم ضدَّ الإنسانيَّة"، فاستأنف المدَّعي العام الدَّولي إلى المحكمة الأعلى "الدَّائرة الاستئنافيَّة"، مستنداً إلى أن مكتبه "أودع أدلة على تجنيد واستخدام كلِّ أجهزة الدَّولة لإبادة جزء كبير من المجموعات العرقيَّة للفور، والمساليت، والزَّغاوة، طوال ستِّ سنواتٍ، في إقليم دارفور"، غير إن "الدَّائرة التَّمهيديَّة" تريده، في ما يبدو، حسب قوله، أن يقدِّم بيِّنته، في هذه المرحلة الباكرة، دون ظلٍّ من الشَّك المعقول beyond a reasonable doubt، فقبلت "الدَّائرة التَّمهيديَّة" استئنافه، وأعادت الأوراق إلى "الدَّائرة التَّمهيديَّة" مع توجيهها بقبول بيِّنة الادِّعاء كبيِّنة مبدئيَّة Prima facie فقط.

(2) القضاء المستقلُّ والمفوَّضيَّة القضائيَّة:
الإضاءة الثَّانية تنصبُّ على التَّعبير الغامض الذي استخدمه السَّيِّد الرَّئيس حمدوك في حديثه حول تكوين "مفوضيَّة قضائيَّة تردُّ الحقوق الي أصحابها"! هذا الغموض يقوم على شعبتين:
الشُّعبة الأولى: ما يمكن أن يُستنتج من هذه العبارة بأن الحقوق ستُردُّ لأصحابها عن طريق "مفوضيَّة الخدمة القضائيَّة"، في حين أن هذه "المفوَّضيَّة"، بحسب الوثيقة الدُّستوريَّة، ليست هي التي تردُّ الحقوق لأصحابها، بل الذي يردُّها هو "القضاء الوطني المستقل"، والملتزم بتطبيق "القانون" على أيَّة دعوى تُعرض أمامه، فإن لم يجد قانوناً يطبِّقه، شطب الدَّعوى.
الشُّعبة الثَّانية: قائمة على ضرورة أن يثبُت أن جهاز الدَّولة المعنيَّة، بما فيه "القضاء المستقل"، بطبيعة الحال، "قادر على"، و"راغب في" تصريف العدالة بالنِّسبة لهذه الدَّعاوى؛ فإذا انتفت " هذه "القدرة"، أو "الرَّغبة"، أو كلتاهما، تدخَّلت المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة التي ينعقد لها الاختصاص على الدَّعوى، في هذه الحالة، بما يُعرف بـ "الولاية التكميليَّة Complementary"، حسب نصِّ المادة/17 من "نظام روما".
وبتطبيق هذه القاعدة على انتهاكات دارفور المراد تصفيتها، يتَّضح أنها جرائم دوليّة ارتكبت بين عامي 2003م و2004م، بينما تشريعاتنا الجَّنائيَّة الوطنيَّة لم تعرف، أصلاً، عناصر القانون الجَّنائي الدَّولي إلا في العام 2010م، حين جرى تعديل "القانون الجَّنائي لسنة 1991م"، فأضيف إليه الباب الثَّامن عشر، ليشمل، ولأوَّل مرَّة، "جرائم الحرب، والجَّرائم ضد الإنسانيَّة، وجريمة الإبادة الجَّماعيَّة". ومعلوم أن هذا التَّعديل يجوز تطبيقه على الجَّرائم التي تُرتكب بعد صدوره، لكن يمتنع تطبيقه، بأثر رجعي، على الجَّرائم المرتكبة قبل صدوره، وذلك تأسيساً على المبدأ الحاكم، من جهة، في القانون الدَّاخلي، والمستند، من جهة أخرى، على مبدأ "لا جريمة إلا إذا كانت معتبرة قبلاً"، كأحد المبادئ السَّبعة التي طرحتها "محاكمات نورمبرج: 20 نوفمبر 1945م ـ 1 أكتوبر 1946م"، واعتمدتها الجَّمعيَّة العامَّة للأمم المتَّحدة في أولى دورات انعقادها عام 1946م، باعتبارها المبادئ الرَّئيسة للقانون الجَّنائي الدَّولي.

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.