الانْفِصَالُ حَالَةَ كَوْنِهِ غَبِينَة

«نُحييكم تحيَّة الشَّوق والمحبَّة، وما مسرَّتنا إلا بكم، فأنتم بعضنا ونحن بعضكم، لا نكتمل إلا بكم ولا يسوؤنا إلا ما ساءكم، سنعمل على أن نعود كما نودُّ، فراقنا كان قاسياً، ولكن التئام شملنا ممكن، فأنتم نصفنا الحلو، وعندما نقول السُّودان نتخيل هذه الخريطة الأليفة الكثيفة بالتَّنوُّع والتَّعدُّد، فلنقترب، ونتعاضد، ونعمل سويَّاً من أجل تقدُّمنا، وتطوُّرنا، ونمائنا المشترك».
رسالة محمَّد ناجي الأصم
إلى شعوب جنوب السُّـودان
بمناسبة التَّوقيع على وثائق الفترة الانتقاليَّة18 أغسطس 2019م


+++

«هذا هو ديدن الشَّعب السُّوداني الذي صنع أكثر من ثورة. إن حلَّ المشكلة السُّودانيَّة يعني حلَّ مشكلة الجَّنوب، ومشاكل إثيوبيا، وإريتريا، وتشاد، وليبيا، وغيرها من دول الجِّوار، لذا نحن سعداء بنجاح ثورة ديسمبر 2018م. إن مستقبل العلاقة بين الدَّولتين، في ظلِّ التَّغيير الذي يشهده السُّودان، وفي ظلِّ الحكومـة المدنيَّة الجَّديدة، سيكون مبهـراً، حيث
ستتعاونان كدولة واحـدة يكمِّل بعضـها بعضـاً، أو كدولتين متقاربتين في حـلِّ كـلِّ القضـايا
العالقة بينهما .. حتَّى أبيي».
تصريح دينق ألور
وزير خارجيَّة جنوب السُّودان السَّابق
ومسؤول ملف أبيي الحالي
لدى زيارته للخرطوم ضمن وفد الرَّئيس سلفاكير
للمشاركة في احتفالات التَّوقيع على وثائق الفترة الانتقاليَّة
تاسيتي نيوز ـ الخرطوم؛ 18 أغسطس 2019م


VI
(1) كثيرون هم المثقَّفون والسِّياسيُّون السُّودانيُّون الذين أفاقوا، منذ أزمان، في الشَّمال كما في الجَّنوب، على وعي جديد بخطل، بل وبخطورة فهم وتوصيف حالة بلادنا بالاستناد إلى تينك النَّظرتين المتصادمتين «العروبة الخالصة + الأفريقانيَّة الخالصة». وحتى من لم يفِق، بعدُ، تماماً، أو ما يزال في طور المكابرة الفصاميَّة، فإن تعبيراته لا تعدم، فكريَّاً أو سلوكيَّاً، لمَّعاً وإشراقات من هذا الوعي الذى أنتج، على الأقلِّ، دعوة جادَّة ومؤثرة، على صعيدي السِّياسة والثَّقافة، من أجل صياغة مداخل «سودانويَّة»**** جديدة للتعامل مع قضايانا ومشكلاتنا، ليس بالنِّسبة للجَّنوب، فحسب، وإنما لكلِّ إثنيَّات وجهويَّات الوطن، انطلاقاً من ضرورة الاستمساك الذى لا غنى عنه بحقائق السُّودان ذاته، على ما هو عليه، دونما حاجة للإحالة إلى غيره. لقد شكَّلت هذه الدَّعوة أحد أهمِّ المحاور التى اشتغل عليها كثيرون، من أبرزهم د. فرانسيس دينق، خصوصاً فى مباحثه حول إشكاليَّة الهويَّة وديناميكيَّاتها.
(2) إن منهج الإحالة هذا لبائسٌ حقاً، بل وقد يفضي، أحياناً، إلى حدٍّ مُروِّع من البؤس المعرفي، ومن ذلك، كمثال، توصيف السُّودان كمحض «جسر» بين العالمين العربي والأفريقي! ولعلَّ فى هذا شيئاً مِمَّا نبَّه د. نور الدين ساتي لخطورته الاستثنائيَّة، كونه لا يورثنا، في المحصلة النِّهائيَّة، سوى النَّظر إلى الذَّات كـ «جـورب مقلوب»(9).
(3) أما مقاربة الإشكاليَّة من مداخلها «السُّودانويَّة» فقمين، على العكس من ذلك، بتوفير معرفة أكثر قرباً من الحقيقة حول بلادنا، تاريخها، وحاضرها، ومستقبلها، دون تهويل من عناصر هذه المعرفة، أو تقليل من شأنها. وربَّما كان هذا هو أقصى ما تأمل في بلوغ شئ منه هذه الورقة التي تتحرَّك من افتراض أصالة العمق الوحدوي الأكثر تأثيراً على الوعي والقرار السِّياسيين، لدى أغلبيَّة الجَّنوبيين، عموماً، والمثقفين منهم خصوصاً، برغم قشرة الجَّفاء المظهريَّة السَّميكة، بل وبرغم نتيجة استفتاء 9/1/2011م، والتي جاءت لصالح «الانفصال»!
مقاربة الإشكاليَّة على هذا النحو، وبناء على الفرضيَّة المذكورة، هي التي أفضت بمجموعة من المواطنين للإمساك بزمام مبادرة «آدم» التي سبق أن أشرنا إليها، وطرحنا، من خلالها، معالجة محدَّدة تتجاوز، بحلم استعادة «الوحدة»، حالة اليأس التي ربَّما تنجم عن وضعيَّة ما بعد «الانفصال»، وذلك على النَّحو الذي سيرد تفصيله لاحقاً.


VII
(1) كانت صورة الوطن السِّياسيَّة، عشيَّة استفتاء المواطنين الجَّنوبيين على تقرير مصير إقليمهم في 9/1/2011م، قد اتَّخذت شكلاً مركباً من الصِّراعات التَّناحريَّة الآخذة في التَّعمُّق بين شريكي الحكم، والانقسام الوطني الهائل بين جبهتي الحكم والمعارضة، وتزايد عمليَّة التَّدويل بالنِّسبة لشؤوننا الدَّاخليَّة، وتفاقم المجابهات العدائيَّة في دارفور، وما إلى ذلك، مِمَّا صار يتهدَّد عموم المناخ السِّياسي في بلادنا بمخاطر جمَّة، أقلها اندلاع الحرب الأهليَّة، مجدَّداً، بأشرس مِمَّا كانت عليه في السَّابق، سواءً جرى النُّكوص عن اجراء الاستفتاء، أو أُجري وجاءت نتيجته لصالح الانفصال؛
(2) ثمَّة، إذن، تناقض عميق بين المقوِّمات الثَّقافيَّة/النَّفسيَّة للوحدة لدى الجَّنوبي العادي reasonable southerner، من جهة، وسياسات «التَّهميش» و«الاستعلاء» و«نقض العهود» التي ظلت تعتمدها، من جهة أخرى، أنظمة الحكم المتعاقبة، منذ الاستقلال وحتى نظام «الإنقاذ» المندحر، الأمر الذي من شأنه أن يعزِّز، منطقيَّاً، في نهاية المطاف، عزوف هذا المواطن عن هذه الوحدة، بشروطها القديمة، وترجيح تصويته، بالتَّالي، للانفصال في الاستفتاء، لا لأنه متيقِّن من ضرورة هذا الانفصال، وإنما، فقط، من باب رغبته في التَّعبير عن غُبن مزمن تغذِّيه في دواخله فيالق الانفصاليِّين من مثقَّفيه وسياسيِّيه، المدعومين، بقوَّة، من انفصاليِّي «المركز» الدَّافعين، عمليَّاً، صوب الانفصال بسياسات «التَّهميش» و«الاستعلاء» المتطاولة!
(3) لذا فإن هذا التَّناقض يرجِّح، فعليَّاً، ألا يصبح الذهاب إلى الاستفتاء، بهذا الوضع المزري، سوى الذهاب، في الغالب، إلى المفاضلة، في لحظة جنون تاريخيَّة، بين «الانفصال والانفصال!»، حيث يكاد ينعدم أيُّ خيار آخر في ظروف انعدام أدنى ثقة في إمكانيَّة أن يُفضي مثل هذا الاستفتاء إلى «وطن موحَّد». لقد ظلت الاتِّفاقيَّة، طوال سنوات الفترة الانتقاليَّة، نهباً لتآمر الانفصاليين الجَّنوبيّين والشَّماليِّين، ودعايتهم المستندة إلى المنطق القائل بأنه لا مناص من إجراء الاستفتاء في التَّاريخ المحدَّد، بنتيجته الواضحة، مقدَّماً، بصرف النَّظر عن كون الإصرار على تطبيقه، بمعزل عن الالتزام بأيِّ نصٍّ آخر في الاتِّفاقيَّة، لن يعني سوى إجرائه على هذا النَّحو المعيب لأقصى حد! ويجدر أن نشير، هنا، إلى أن منطق الانفصاليّين قد لا يقوم هنا، فقط، على إلزاميَّة نصِّ الاستفتاء كتعبير عن إرادة طرفيه، رغم أنهما لا يملكان، في الواقع، أن يزعما تمثيل إرادة مجموع الشَّعب، لا في الشَّمال ولا في الجَّنوب، وإنما، كذلك، على إلزاميَّة القانون الدَّولي لحقوق الإنسان، حيث ينبغي، في كلِّ الأحوال، تنفيذ الاتِّفاق على تطبيق «حقِّ تقرير المصير»، حسب هذه القراءة الانفصاليَّة الجَّنوبيَّة، في ما لو صحَّت!
(4) بتفصيل أكثر، فإن البند/1/3 من «المبادئ المتَّفق عليها»، والبند/2/5 من «الجزء "ب": عمليَّة الانتقال»، ضمن «بروتوكول مشاكوس» المبرم في 20/7/2002م، ينصَّان على إجراء «الاستفتاء» في نهاية الفترة الانتقاليَّة؛ لكن البندين أعلاه تنبغي عدم قراءتهما بمعزل عن:
أ/ البند/1/1 من ذات «المبادئ المتفق عليها»، والذي يجعل «الأولويَّة للوحدة القائمة على إرادة الشَّعب الحرَّة، والحكم الدِّيموقراطي، والمساءلة، والمساواة، والاحترام، والعدالة»؛
ب/ والبند/1/5/1 الذي ينصُّ على «إقامة نظام ديموقراطي» في البلاد؛
ج/ والبند/1/5/2 الذي ينصُّ على أن «السَّلام لا يكون بمجرَّد إيقاف الحرب، وإنما بالعدالة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، والسّياسيَّة»؛
د/ والبند/1/5/5 الذي «يقترن فيه الاستفتاء»، كممارسة مستحقَّة لتقرير المصير، بـ «العمل على جعل الوحدة خياراً جاذباً»؛
هـ/ والبند/2/4/2 من «الجزء ب: عمليَّة الانتقال»، والذي ينصُّ على «عمل الأطراف مع مفوضيَّة التَّقويم والتَّقدير لجعل الوحدة خياراً جاذباً للجَّنوبيّين».
(5) فلو أن الانفصاليّين الجنوبيّين أخذوا تطبيق جملة هذه النصوص بحقِّها، دون انتقاء أو تبعيض، لكان منطقهم مقبولاً بشأن إلزاميَّة الاستفتاء، ولانفسح المجال للتَّحاكم العادل بينهم وبين الوحدويِّين، جنوبيِّين وشماليِّين، أمام الجَّماهير الجَّنوبيَّة، في الموعد المحدَّد للاستفتاء على أكمل وأتمِّ وجوه الممارسة الدِّيموقراطيَّة.
(6) سوى أنه لم يتمَّ الوفاء بواجب الالتزام بهذه المقدِّمات والشُّروط، لا من النَّاحية القانونيَّة ولا العمليَّة، خلال جُلِّ عمر تلك الفترة الانتقاليَّة، ولن يتمَّ، غالباً، خلال الفترة المتبقية، ممَّا يعني خرقاً صارخاً لشروط ممارسة الاستفتاء على الوجه السَّليم، الأمر الذي يترجَّح معه، بوضوح، أن تترتَّب عليه أوخم الآثار في مثل هذه الظروف؛ وهذا، بالتَّحديد، ما يريد الانفصاليُّون، جنوبيِّين وشماليِّين، أن يوصلونا إليه؛ إذ أنهم، على حين يملأون الدُّنيا ضجيجاً عن إلزاميَّة «الاستفتاء»، في حدّ ذاته، لا يعيرون أدنى اعتبار لإلزاميَّة النُّصوص الأخرى التي أوردناها، وإلرَّامية جعل «الوحدة خياراً جاذباً»!
(7) مع كلِّ تلك الحسابات، وما ترهص به، كان على الانفصاليّين الجَّنوبيّين بالذَّات، وهم يلهوجون اختطاف الاتِّفاقيَّة، وإفراغها من محتواها الاجتماعي، وتجفيفها إلى حدود الممارسة الشَّكليَّة للاستفتاء، بعد إغفال شرط الوفاء بمقدِّماته اللازمة من إنجاز للتحوُّل الدِّيموقراطي، والعدالة الاجتماعيَّة، والسَّعي لجعل الوحدة خياراً جاذباً، ألا يأمنوا، نهائيَّا، عواقب العامل «الثَّقافي/النَّفسي» الذي سلف التَّفصيل بشأنه، والذي كان من المحتمل، بل وما يزال من المحتمل مستقبلاً، أن يفاجئهم بقلب المنضدة على وجوههم أجمعين، فلا يجدر بهم أن يركنوا، تماماً، لما كان، وما زال، يبدو، في الظاهر، من ضآلة الفرص المتاحة لذلك الاحتمال، وأن يدركوا أن الاستفتاء، في ظلِّ مجمل تلك الأوضاع، عمل شبيه بقمار «الروليت الرُّوسي»، رغم أنه كان من المقرَّر أن يجري، للمفارقة، على أساس «الحقّ الدِّيموقراطي» المشروع تماماً في «تقرير المصير»! بعبارة أخرى، فإن الإقدام على تلك الممارسة، برغم غياب «التحوُّل الدِّيموقراطي»، وانتفاء شرط «الوحدة الجَّاذبة»، من شأنه أن يفتح «صندوق بنادورا» كفيلاً بأن يحوِّلها إلى ورطة وطنيَّة حقيقيَّة لا ينجو أحد منها، بما في ذلك الانفصاليُّون أنفسهم، الآن أو في المستقبل! وفي ذلك ربَّما يكمن المعنى السَّديد الذي ما برح ينبّه إليه، منذ حين، بعض الوحدويّين من قادة الحركة الشَّعبيَّة، كياسر عرمان، بقولهم إن جنوب السُّودان لن يتحوَّل، حتى في حالة وقوع الانفصال، إلى جنوب البرازيل!


(نواصل)
الهامش:
**** نور الدِّين ساتي، وليس المرحوم أحمد الطيب زين العابدين كما يعتقد الكثيرون خطأ، هو أوَّل من سكَّ وأشهر هذا المصطلح ابتداءً من محاضرته التي نظمتها، في نوفمبر 1979م، "جمعيَّة أصدقاء الكتاب" بالنَّادي الكاثوليكي بالخرطوم حول "معضلات التَّمازج الثَّقافي في السُّودان"، وقد نشرت جريدة "الصَّحافة"، آنذاك، ملخَّصاً وافياً لها، ثمَّ في مقالته بعنوان "الحوار بين المكوِّنات الثَّقافيَّة للأمَّة السُّودانيَّة"، والتي تعتبر امتداداً مستفيضاً لتلك المحاضرة، وقد نشرت على ثلاث حلقات بـ «مجلة الثقافة السُّودانيَّة»، ع/15، 16، 17 بتاريخ أغسطس وديسمبر 1980م، وفبراير 1981م، على التَّوالي، ثمَّ قدِّمت أمام المؤتمر الأوَّل للميلاد الثَّاني لاتِّحاد الكتَّاب السُّودانيين، بقاعة الشَّارقة بالخرطوم "سبتمبر 2006م"، كما أعادت نشرها مجلة الاتِّحاد «كرامة»، في عددها الأوَّل الصَّادر في سبتمبر 2007م، بعنوان «الهُويَّة والوحدة الوطنيَّة ـ رؤية سودانويَّة»، وكان قد أخضعه للمراجعة والصَّقل من خلال إسهامه في حوارنا حول قضايا الهويَّة السُّودانيَّة، بمشاركة النُّور عثمان أبكر وسرأناي كلويلجانق وأحمد الطيِّب زين العابدين وشخصي خلال عامي 1981م ـ 1982م، وقد لخَّصه الملحق الثَّقافي لصحيفة "الأيَّام"، ونشره على حلقات، خلال عامي 1985م ـ 1986م.

المصدر:
(9) م/الثقافة السُّودانيَّة، ع/15، أغسطس 1980م

+++


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.