عند التَّفكير في المدى الذي بلغه تجاذب الأطراف السُّودانيَّة لصيغة العلاقة الدُّستوريَّة بين تحالف الحريَّة والتَّغيير، من جهة، خصوصاً مكوِّناته المتمثِّلة في تجمُّع المهنيِّين وبعض الأحزاب، وبين العسكريتاريا التي شاركت، من جهة أخرى، أردنا أم لم نرد، في جعل الإطاحة بنظام البشير الإسلاموي أمراً ممكناً، من فوق انتفاضة ديسمبر 2018م المجيدة، يلحُّ على الذِّهن أن هذا التَّجاذب خلق وضـعاً ما ينفكُّ يزحـف حثيثاً نحـو شكل فريد من أشكال «ازدواجيَّة السُّلطة ـ Dvoevlastie» أو «Dual Power» التي تتمظهر، لا كأيديولوجيَّة، بل كاستراتيجيَّة يسعى كلُّ طرف، من خلالها، لاحتياز السُّلطة أجمعها، مضعفاً علاقة الآخر بها إلى حدِّ العدم، وإن بدت «ازدواجيَّة سلطتيهما» شاخصة، لبعض الوقت! وينصبُّ جهد الطرف المستهدِف للسُّلطة، بوجه مخصوص، ليس، فقط، على احتيازها بأكملها، بل وعلى محو الطرف الذي كان يمسك بها في السَّابق، نهائيَّاً، وإزالة أنظمته وهياكله كافَّة، واستبدالها بأنظمة وهياكل أخرى. ولا تتحقَّق هذه النَّتيجة إلا بقبول غالبيَّة الشَّعب لهذه الأنظمة والهياكل البديلة، وبيأس الطرف صاحب الأنظمة والهياكل السابقة، تماماً، من إمكانيَّة عودته إلى دست الحكم، أو استعادة قدرته على تحطيم أو إعاقة الأنظمة والهياكل الجديدة، وذلك بفعل تناقص عناصر القوَّة لديه، واصطفاف الجَّماهير الشَّعبيَّة الدَّاعمة للطرف البديل.

ورغم أن هذين المفهوم والمصطلح قد يُنسبان، أحياناً، على نحو أو آخر، إلى منظِّر الفوضويَّة الفرنسي بيير جوزيف برودون (1809م ـ 1865م)، إلا أن ما استقرَّ، تاريخيَّاً، هو أن فلاديمير إليتش لينين، قائد ثورة 1917م الاشتراكيَّة في روسيا، هو من سكَّ المصطلح، وساق التنظَّير للمفهوم، ربَّما لأوَّل مرَّة، عبر العتبتين الأساسيَّتين لتلك الثَّورة في شهري فبراير وأكتوبر. ولذا قد يُستخدم مصطلح "السلطة المعاكسة"، أحياناً، لتمييز دلالته عن الدَّلالة اللينينيَّة. أمَّا مؤسَّسات هذه «الازدواجيَّة» فقد تتَّخذ أشكالاً تاريخيَّة شتَّى، كمجالس العمال، أو المحليَّات التَّحرُّريَّة، أو الاتِّحادات التَّعاونيَّة، أو المناطق المستقلة الدائمة أو المؤقَّتة، أو ما إلى ذلك.

الشَّاهد أن العتبة الأولى لمفهوم ومصطلح «ازدواجيَّة السُّلطة»، في ثورة 1917م، تمثَّلت بانتصار ثورة فبراير البرجوازيَّة بمشاركة قوى مختلفة، على رأسها الحزب الثَّوري الاجتماعي، خلف قيادة أليكساندر كيرنسكي، حيث تمكَّنت من إقصاء آخر قياصرة الرُّوس، نيقولا الثَّاني وأسرته. لكن برزت، من بين تلك القوى، سـلطتان مصطرعتان: سلطة مجلس "سوفييت" عمَّال بتروغراد، مقابل حكومة كيرنسكي البرجوازيَّة. على أن لينين رأى في تلك "الازدواجيَّة"، يومهـا، ظاهرة مؤقَّتة، مآلها، لا محالة، إلى زوال، كونها، بطبيعتها، غير قابلة للتَّمدُّد أو الاستمراريَّة، فلا بُدَّ أن تنحسم، عاجلاً أو آجلاً، لصالح أحد طرفيها، مثلما رأى فيها، من ثمَّ، فرصة مواتية لمجلس السُّوفييت ليسيطر على السُّلطة، باعتبارها شكلاً تاريخيَّاً جديداً من أشكال سلطة الدَّولة، مشترطاً تطوير حزمة من التَّغييرات الاجتماعيَّة النابعة من القواعد. وبالفعل، ما كادت تنقضي بضعة أشهر بعد فبراير، حتَّى تمكَّن البلاشفة من إسقاط حكومة كيرنسكي في أكتوبر، وتأسيس سلطة اشتراكيَّة محلها، مِمَّا شكَّل البذرة التَّاريخيَّة الأولى لما أضحى يُعرف، لاحقاً، بـ «اتِّحاد الجُّمهوريَّات السُّوفييتيَّة».

ولئن كان ذلك بمثابة التَّمظهر المادِّي الأقدم للمفهوم، فربَّما كان أحدث تمظهراته، حاليَّاً، ما يتمثَّل في المجابهة المحتدمة بمختلف الوسائل، خصوصاً منذ العام 1994م، بين الحكومة المكسيكيَّة وبين جيش زاباتيستا للتَّحرُّر الوطني الذي يعادي النيوليبراليَّة، ويظاهر حركة العولمة التَّحرُّريَّة الاشتراكيَّة البديلة، ويسعى لبسط سلطته على نطاق واسع في البلاد، انطلاقاً من ولاية تشياباس بجنوب المكسيك. ويستخدم هؤلاء الاشتراكيُّون التَّحرُّريُّون هذا المصطلح لاختزال استراتيجيَّة سلميَّة تستهدف، عموماً، إنشاء مؤسَّسات ديموقراطيَّة دفاعيَّة مدنيَّة، قادرة على مجابهة الأوضاع السَّائدة، كمعارضة لها، وبديلة عنها، في مستوى البلاد بأسرها، وذلك عبر مختلف الآليَّات، من الاحتجاج السِّياسي إلى العصيان المدني، دون استبعاد اللجوء إلى «المقاومة» المسلحة إن حَزَب الأمر، وذلك لبلورة قوَّة مادِّيَّة يؤمَّل أن تعمل، دون توقُّف، كرافعة ثوريَّة للمجتمع، بحيث لا تحتاج عمليَّات التَّراكم الكمِّي فيه، وما يُفترض أن تفضي إليه من تغيُّرات كيفيَّة، إلى تواتر انقطاعات جدليَّة مطوَّلة، أو أزمات ثوريَّة مؤجَّلة!

من جهة أخرى، ولأن «التَّمرُّد» المسلح في بعض أقاليم السُّودان يمثِّل ظاهرة ملازمة لتاريخه منذ فجر الاستقلال، فإن هذه الحقيقة ربَّما أغرت باستنتاج أن هذه ليست المرَّة الأولى التي ينهض فيها احتمال أن يفضي التَّجاذب السِّياسي في هذا البلد إلى خلق ظرف ملائم لبروز شكل من أشكال «ازدواجيَّة السُّلطة». غير أن الاختلال في توازن القوى، وما ينتج عنه، غالباً، من محدوديَّة جُّغرافيَّة، وطول حصار يفرضه الجَّيش الحكومي، عادة، على حراكات هذا النَّوع من «التَّمرُّد»، وما إلى ذلك من عوامل، ليس نادراً ما تدفع ببعض أقسامه المهمَّة إلى أن تنحو صوب تجاوز تلك المشقَّات برفع شعار "تقرير المصير"، تعبيراً عن رغبة استراتيجيَّة مضمرة في "الانفصال"، كلُّ ذلك إنَّما ينأى بمثل هذا «التَّمرُّد» عن فكرة «ازدواجيَّة السُّلطة»التي تفترض اسـتراتيجيَّة الصِّـراع فيها، على العكس من ذلك، أن تتَّسم بقدر من التَّوازن، والاستمراريَّة، والشـمول للإقليم السِّـياسي كله!

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.