(بتصرُّف من كتابنا بعنوان: الآخر)

(1)
ظلت حكومات "الجَّلابة" المتعاقبة في الخرطوم أسيرة للتَّلاوين التي شكَّلت تاريخيَّاً، لدى الجَّماعة السُّودانية المستعربة المسلمة، تصوُّرها التَّقليدي لذاتها، ووعيها الزَّائف بتوطن البلاد "كلها" فى عِرْق عربي خالص، ولسان عربي خالص، وثقافة عربيَّة إسلاميَّة خالصة، قبل أن تدفع وقائع حركة التَّحرُّر في المنطقة بأقسام مهمَّة منها لاستشعار تداخل عناصر أفريقيَّة أخرى ضمن مكـوِّنات هذا الوعي، وإنْ ببطء.
مع هذا فإن المشكلة لا تكمن في التَّصوُّر الهُويوي نفسه، إذ الهُويَّة، أصلاً، محض تصوُّر perception؛ إنَّما المشكلة في ما يترتَّب على هذا التَّصوُّر. وليس من العسير، بالنِّسبة لغالبيَّة الجَّماعة المستعربة المسلمة في بلادنا، تلمُّس ملامح تصوُّرها الهُويوي السَّائد، تاريخيَّاً، ضمن المنهج الذى اتَّبعته، عام 1956م، لجنة التَّحقيق في اضطرابات أغسطس 1955م بجنوب السُّودان. لقد تمَّ تكوين تلك اللجنة بقرار من الأزهري، رئيس الوزراء ووزير الدَّاخليَّة وقتها، في الثَّامن من سبتمبر 1955م، وذلك بموجب قانون لجان التَّحقيق لسنة 1954م، برئاسة القاضي ت. س. قطران، وعضويَّة كلٍّ من خليفة محجوب، مدير عام مشاريع الاستوائيَّة، ولوليك لادو زعيم الليري، وعُهد إليها بمهمَّة التحقيق في الاضطرابات المشار إليها، ورفع تقرير عنها وعن أسبابها. لكن اللجنة، للأسف، ركَّزت، في ما لاحظ فرانسيس دينق بحق، على ما يفرِّق، لا على ما يجمع، وذلك تحت تأثير المبالغة فى تقدير نتائج "الأسلمة والتَّعريب" التَّاريخيَّة، وتضخيم ما ترتَّب عليها من فوارق بين الشَّمال والجَّنوب (فرانسيس دينق؛ مشكلة الهويَّة في السَّودان ـ أسس التَّكامل القومي، ترجمة محمَّد علي جادين، مركز الدِّراسات السُّودانيَّة، القاهرة 1999م، ص 122 ـ 123).

(2)
هكذا أضحى تقرير تلك اللجنة "مرشداً" لتعامل حكومات الجَّلابة، عسكريَّة أم مدنيَّة، مع الجَّنوب، كما أضحت الفوارق التي حرص التَّقرير على إبرازها بمثابة أهمِّ ركائز السِّياسات التي تتوجَّه بها تلك الحكومات صوب الجَّنوب، إلى حدِّ التَّيئيس، نهائيَّاً، من جدوى أيِّ "وحدة" محتملة، حيث تتلخَّص في خمسة محاور رئيسة:
أوَّلها: أن الشَّمال، عرقيَّاً، عربي، والجَّنوب زنجي، والشَّمال، دينيَّاً، مسلم، والجَّنوب وثني، والشَّمال، لغويَّاً، يتكلم العربيَّة، والجَّنوب يتكلم أكثر من ثمانين لغة.
وثانيها: أن الجَّنوبيين يعتبرون الشَّماليين، لأسباب تاريخيَّة، أعداءهم التقليديين.
وثالثها: أن السِّياسة البريطانيَّة عملت، حتَّى 1947م، على ترك الجَّنوبيين يتطوَّرون فى خطوط زنجيَّة، واستخدمت القوانين، كقانون المناطق المقفولة، وقانون الرُّخص التِّجاريَّة، لإعاقة أيِّ تقارب محتمل بينهم والشَّماليين، مثلما عمل النَّشاط التَّعليمي للإرساليَّات التَّبشيريَّة على تغذية هذه السِّياسة.
ورابعها: أن الشَّمال تطوَّر سريعاً، لعدَّة أسباب اقتصاديَّة، وسياسيَّة، وجغرافيَّة، وغيرها، بينما ظلَّ الجَّنوب على تخلفه المزري، ما أورث أهله شعوراً بأنهم ضحايا خداع، واستغلال، وهيمنة من أهل الشَّمال.
وخامسها: أن الجَّنوبيين، لكلِّ هذه العوامل، يفتقرون إلى الشُّعور بالمواطنة المشتركة مع الشَّماليين، بل يفتقرون إلى الشُّعور بالوطنيَّة السُّودانيَّة؛ وحتَّى الوعي الذى برز، عشيَّة الاستقلال، هو وعي "إقليمي"، وليس "وطنيَّاً" (لاحظ الإحالة المستعلية إلى الشَّمال في ما يتَّصل بمعايير المواطنة والوطنيَّة)!
وكالعادة لم ينس التَّقرير اتِّهام الشِّيوعيين، ضمنيَّاً، بالضُّلوع في تلك الأحداث، حيث أشار لازدياد نشاطهم خلال ديسمبر 1954م، في مركز الزَّاندي والمورو، وبين عمَّال صناعة القطن ونقاباتهم! على أنه ربَّما يكتسي أهميَّة خاصَّة توثيق التَّقرير لكون الجَّبهة المعادية للاستعمار قامت بتوزيع منشوراتها، آنذاك، بلغة الزَّاندي (التَّقرير، يوسف الخليفة أبوبكر في حريز وهيرمان بل، الخرطوم 1965 ـ ضمـن عبد الله على ابراهيم؛ الثَّقافة والدِّيموقراطيَّة في السُّودان، 2001م).
باختصار جاء ذلك التَّقرير نعياً لكلِّ مقوِّمات "الوحدة"، كنتاج للذِّهنيَّة النُّخبويَّة المستعلية بمركزويَّة الذَّات في علاقتها بالآخر، والمنطلقة من معياريَّة صراحة العرق، وصفاء اللسان، وتفوُّق الثَّقافة! وفى هذا تكمن تأثيراته المأساويَّة اللاحقة، حيث شكَّل، عمليَّاً، خلفية جُلِّ السِّياسات المتعاقبة حيال الجَّنوب، منذ الاستقلال، باستثناء بعض المعطيات التَّاريخيَّة الإيجابيَّة، كبيان 9 يونيو 1969م، وجهود وزارة شؤون الجـَّنوب تحـت قيادة جوزيف قرنق (1969م ـ 1971م)، وما انعكس من ذلك فى اتفاقيَّة أديس أبابا 1972م.

(3)
تبعاً لذلك "المرشد" توهَّمت حكومات الخرطوم المتعاقبة أن تكريس "الوحدة" لا بُدَّ أن يعنى، ميكانيكيَّاً، وبصورة تبسيطيَّة مخلة، الانطلاق على طول الخط المعاكس لترتيبات الإدارة البريطانيَّة السَّابقة، معتبرة أنَّها قد استهدفت، بالأساس، طمس الهُويَّة "العربيَّة الإسلاميَّة" للسُّودان، فأضحت خطة "الأسلمة والتَّعريب" المتلازمَين، ضربة لازب، فى المنظور الاجرائي البحت، والقائمَين في رموزيَّات القوَّة الماديَّة، وفي شطط التَّفوُّق العرقي والثَّقافي، وفي الاستهانة بحقِّ التَّميُّز الذَّاتي لثقافة الآخر، هي البديل "الوطني الحرُّ المستقل" لتلك السِّياسات الاستعماريَّة! فاقم من ذلك توهُّم الجَّماعة المستعربة المسلمة الصُّغرى في السُّودان، أو بالأحرى نخبها، بأنه يلزمها النُّهوض، على هذه التُّخوم من العالمين العربي والإسلامي، بـ "رسالة ما" وضعتها على عاتقها الجَّماعة العربيَّة المسلمة الكبرى، الكائنة فى مركز القلب من مضخَّات الثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة الرَّئيسة في المنطقة. أمَّا فحوى هذه الرِّسالة فهي "تجسير" الهوَّة التى تعوق انسياب الحضارة من الشَّمال إلى الجَّنوب، وانثيال "العروبة" و"الإسلام" صوب عالم الأفارقة الوثنيين، مِمَّا ولد لدى غالب النُّخب الشَّماليَّة المتسيِّدة ذهنيَّة "رساليَّة" مستعلية تجاه الجَّنوب، وبلور عوامل اقتصاديَّة ـ سياسيَّة ـ اجتماعيَّة تقصي أيَّ مشروع لمثاقفة متكافئة، وتستعيض عنها بمناهج الاخضاع، وآليَّات الاستتباع subordination، انطلاقاً من عصبيَّة البرجوازيَّة العربوإسلامويَّة الطفيليَّة التي تشترط إمَّا أن ينصاع الجَّنوب لهذه المناهج والآليَّات أو أن ينفصل. وفي تحليلات الحزب الشِّيوعي السُّوداني، في 31 ديسمبر 1988م، أن ثمَّة أصوات تطالب، بين أقسام من الشَّماليين، بسبب ".. الإعياء من الحرب، وفقدان الاتِّجاه، واليأس من التَّوصُّل إلى حلٍّ، وزاوية التَّعصُّب القومي العربي والإسلامي، إمَّا بأن يقبل الجَّنوب بالحلول التي تطرحها الرَّأسماليَّة وشبه الإقطاع في الشَّمال، أو ينفصل ليحترق في صراعات وحروب قبليَّة، وفوضى إداريَّة وأمنيَّة" (وثيقة المؤتمـر القومـي الدُّسـتوري، مايو 1989م، ص 16).
من جهة أخرى ولد فحوى هذه الذِّهنيَّة "الرِّساليَّة" لدى قطاعات عريضة من النُّخب الجَّنوبيَّة ردود فعل شديدة العنف والحِدَّة تجاه كلِّ ما هو عربي وإسلامي، مِمَّا يتمظهر، غالباً، في الميل الى المبالغة في تضخيم الانتماء إلى الرُّموزيَّات الثَّقافيَّة والعرقيَّة الزِّنجيَّة، والدِّيانة المسيحيَّة، واللغة الإنجليزيَّة، رغم أنف "عربي جوبا" الذي لا تَعرِف القوميَّات الجَّنوبيَّة المختلفة نفسها، بلغاتها الثَّمانين، لغة تواصل lingua franca في ما بينها غيره.
تساوت في هذا النَّظر أنظمة مختلفة في الخرطوم، بعضها يدَّعي العلمانيَّة، وبعضها يتلبَّس النَّهج الثيوقراطي، وتساوت حكومات بعضها عسكري ديكتاتوري، وبعضها مدني ديموقراطي شكلاني، وبعضها الثَّالث عسكري مدني يلعب بـ "البيضة والحجر"! كما تساوت في النظر المعاكس، وردود الأفعال، على تفاوتها، أحزاب، وتنظيمات، وحركات جنوبيَّة، في "المدينة" كما فى "الغابة" على السَّواء.

(4)
خطل هاتين النَّظرتين المتصادمتين اللتين لطالما حبستا "العروبة" و"الأفريقانيَّة" في أسر مفاهيم "عرقيَّة" ضيِّقة إنما يكمن، على اختلاف الأنظمة والحكومات الشَّماليَّة، والأحزاب والتَّنظيمات الجَّنوبيَّة، في كونهما تمتحان من الأوهام بدلاً من حقائق الواقع الموضوعي، وخطورتهما إنَّما تتمثَّل في كونهما تدعمان مناخ العدائيَّات بلا طائل، بدلاً من دعم أيِّ مشروع محتمل لوحدة مرموقة. ولعلَّ في هذا تعبيراً بكلمات أخرى على كون "العروبة" و"الأفريقانيَّة" لن تساعدانا في معالجة قضايانا، إنما "السُّودانويَّة"، وحدها، هي التي ستبلغنا مبتغانا، أو كما قال د. جون قرنق.

(5)
لسنا، على أيِّ حال، البلد الوحيد الذى تعدَّدت فيه الأعراق، وتنوَّعت، على أنه ما من بلد كما السُّودان كذَّب فيه بعض الناس على أنفسهم بزعم الانتساب إلى عرق "خالص" يستعلون به على الآخرين، فوجد الآخرون أنفسهم منخرطين فى الكذب على أنفسهم بمجابهة هذا الاستعلاء باستعلاء مساوٍ له في المقدار، ومضادٍّ له في الاتِّجاه!
ولسنا البلد الوحيد الذى احتاج فيه تعدُّد المكوِّنات هذا، وتنوُّعها، إلى حوار تاريخي هاديء، ومثاقفة تلقائيَّة رائقة، غير أنه ما من بلد كالسُّودان كابرت فيه جماعة بتفوُّقها الثَّقافي، والدِّيني، واللغوي، طالبة تنازل الآخرين لها عمَّا بأيديهم، فلم تحصل منهم على أكثر من الإيغال في أوهام الكراهيَّة المختلقة، والدَّم المفتعل!
ولسنا البلد الوحيد الذى أدَّى استلحاقه القسرى بفلك السُّوق الرَّأسماليَّة العالميَّة، وهو لمَّا يزل يرزح في مرحلة ما قبل الرَّأسماليَّة، إلى تفاوت قسمة الثَّروة، وحظوظ التَّنمية والتَّطوُّر، بين مختلف أقاليمه، مِمَّا رتَّب لمظالم مزمنة على أغلبيَّة هذه الأقاليم، سوى أنه ما من بلد كما السُّودان انطمست بصائر نخبه الحاكمة عن رؤية المخاطر التي يمكـن أن تحـيق بسلطتهـا نفسهـا، في مـا لـو تحـوَّلت هذه المظالم إلى "غبينة" تاريخيَّة!
ومع ذلك فليس من قبيل المعجزات أن تفضي بنا حقائق الصِّراع، وحركة التَّدافع، وطنيَّاً، وإقليميَّاً، وعالميَّاً، إلى مستقبل تنعم فيه بلادنا بدرجة معقولة من توازن التَّطوُّر، وتساوي الأعراق، وتعايش الأديان، وتحاور الثَّقافات، في ظلِّ وحدة وطنيَّة راسخة. وما من شك في أننا سنكون أكثر قرباً من هذا المستقبل، بقدر ما سيراكم تاريخنا من معطيات موضوعيَّة تتيح لكلِّ مفردة ضمن منظومة تنوُّعنا وتعدُّدنا أن تعي نفسها، دونما أوهام، في نسق علاقاتها بالمفردات الأخرى، وتعي مصالحها، بصورة أفضل، وواقعيَّة أكثر، في لجج هذا الصِّراع والتَدافع، ما سيجعل من التَّساكن المتوازن، ليس، فقط، بديلاً للاحتراب الماثل، بل ضرورة لا غنى عنها لوجودنا نفسه.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.