يكاد يكون من أكثر ما قرأت، في الآونة الأخيرة، قيمة، وحفزاً على التَّفكير الباتع، المقالة العلميَّة الرَّائعة التي وضعتها، وبعثت بها إليَّ، مشكورة، د. رقيّة مصطفى أبو شرف، الأستاذة المشاركة في الأنثروبولوجيا بفرعيَّة جامعة جورج تاون بدولة قطر، بعنوان: "ماركس .. بالبلدي: عبد الخالق محجوب ومسائل توطين السِّياسة اليساريَّة في فكر التَّحرُّر السُّوداني"، وتولت نشرها "فصليَّة جنوب الأطلنطيSouth Atlantic Quarterly – SAQ" الرَّائدة في حقل الدِّراسات الثَّقافيَّة، والتي تصدر عن دار نشر جامعة ديوك، ضمن المحور الذي خصَّصته لـ "الفكر الأفريقاني" في عددها الصَّيفي لسنة 2009م.


***
عُنيَت المقالة بالاحتفاء بعبد الخالق محجوب (1927م ـ 1971م)، وبعمله، كمنظر ماركسي عظيم الأثر، وكناشط تقدُّمي وهب حياته القصيرة لدراسة كيفيَّة إدراج الإشتراكيَّة، التي لطالما اعتبرها أنبل قضيَّة عرفتها الإنسانيَّة عبر تاريخها، ضمن حركة النِّضال في سبيل التَّحرُّر الوطني، وتكييفها بحيث توافي احتياجات المواطن العادي. ومن ثمَّ تنفذ رقيَّة إلى أن عبد الخالق ظلَّ يدعو، باستقامة، من موقعه كسكرتير سياسي للحزب الشِّيوعي السُّوداني، إلى الديموقراطيَّة بدلالة الحريَّات، واحترام حقوق الإنسان، وحراكات أوسع القطاعات الشَّعبيَّة. وبحكم نظرته النَّاقدة للإرث الاستعماري الأوربِّي، ولتقاليد القمع في الثَّقافة السُّودانيَّة، ظلَّ دائم التَّفكير في أنجـع الطـرق التي يمكـن للأفارقـة، عن طريقهـا، استخدام فكـر كارل ماركـس (1818م ـ 2018م) في بلورة ثقافة تقدميَّة ناقدة، منهجيَّاً، لكلِّ ما هو رجعي في مجتمعاتهم.

***
منهج عبد الخالق في التعاطي مع هذا السُّؤال المركزي، يضئ، بحسب رقيَّة، ثلاث قضايا ذوات أهميَّة استثنائيَّة:
القضيَّة الأولى: هي الاحتياج لمأسسة سياسات التَّغيير في اتِّجاه إعادة التَّفاوض بعناية حول العلاقة بين الدَّولة والمجتمع، كعلاقة ديناميكيَّة، من النَّاحية النَّظريَّة، وكعلاقة تقتضي، من الناحية العمليَّة، انحياز الدَّولة إلى الشَّعب، تسليماً بأولويَّة خلق اقتصاد قوي بالنِّسبة لمجتمع متحوِّل. هنا تبرز الأنثروبولوجيا السِّياسيَّة كمزوِّدٍ بإطار مرجعي مناسب لتحليل خطابات عبد الخالق حول نظم الحكم، والاقتصاد، وعدالة التَّوزيع، والتي تنطلق كلها من إعادة الهيكلة المنهجيَّة لعلاقات الإنتاج الاجتماعيَّة والسعي نحو الديموقراطيَّة.
القضيَّة الثَّانية: هي ضرورة مقاربة المعايير المحدَّدة لبلورة ثقافة تقدُّميَّة متماسكة من خلال الإدراك المتقن لفحوى العمليَّات نفسها التي يمكن أن تعاد بها صياغة المجتمع على خطوطٍ إشتراكيَّة. وفي هذا لا يكلُّ عبد الخالق ولا يملُّ من التَّذكير بأهميَّة النَّبش المستمر عن الخبرات المحليَّة "البلديَّة" المحدَّدة التي يمكن، عن طريقها، تعزيز النظريَّة الماركسيَّة اللينينيَّة حول العمل والإشتراكيَّة، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه بمحض النَّهل من المتون، والانكفاء "العقيدي" على النُّصوص. وهو، بهذا، إنما يقارب الماركسيَّة، لا كقول فصل، نهائي، ثابت، وأخير، أو كنظريَّة مطلقة في فراغ، دونما رابط يوثِّق أواصرها مع المعرفة المنتَجة محليَّاً "بلديَّاً"، بل بأكبر قدر من الاستيعاب والاحترام للثَّقافة الوطنيَّة، وللتَّجربة الماثلة، وللبيئة المحيطة. ولئن كان تمثُّل عبد الخالق الثَّوري للماركسيَّة يتمركز، بالأساس، حول موضوعة "التَّغيير" التي تتمظهر، بقوَّة، من خلال تطوُّر تنظيره عن التحرُّر، وخلق الظروف الممكنة للتحوُّل الاشتراكي، فإن قراءة متونه بتمكُّث ليست مدعاة لممارسةٍ "نَّقليَّةٍ" صمَّاء، بقدر ما هي جسر معرفةٍ "عقليَّةٍ" أوثق بنزعته الابتداعيَّة، وبجرأته في عرض رؤاه الانتقاديَّة، ومقارباته لشبكة الرَّوابط بين الثَّقافة والسِّياسة. هذا الخط التَّحليلي الذي يتمدَّد عبر كلِّ نتاجاته الفكريَّة الهائلة يقف شاهداً على أهميَّة فهم الثَّقافة كنظام للدَّلالات، وكمتن متغيِّر للمعرفة يلقي بثقله على السِّياسة.
لقد انتقد عبد الخالق، مع بعض رصفائه الأفارقة، بالذَّات، الاتِّجاه العامَّ الخاطئ، والسَّائد وسط الكثير من الماركسيين، لاستبعاد الثَّقافة، واعتماد الحتميَّة الاقتصاديَّة، كما أسهم باجتراح المزيد من الأساليب الجَّديدة في مقاربة المشكلات الأيديولوجيَّة.
القضيَّة الثالثة: هي ضرورة عدم إهمال التَّنوُّع والتَّعدُّد اللذين يسِمان تيَّارات اليسار داخل مجتمعاتنا. وهذا، بحسب استنتاج رقيَّة، هو أحد أهمِّ دروس عبد الخالق الفكريَّة والسِّياسيَّة، كقائد، وككاتب، وكدارس للإشتراكيَّة، بمنهج التَّحليل المقارن. فنشرُ الوعي الَّتقدُّميِّ، وتفكيك النَّزعات السُّلطويَّة الاستعلائيَّة، يستتبع، عنده، اعتماد رؤية قادرة على استنهاض أكبر قدر من الَّتأييد وسط النَّاس العاديِّين. ولا يكون هذا الاستنهاض ممكناً إلا بمراكمة أوسع الخبرات السِّياسيَّة لليسار في منازلة السُّلطة، بما يفضي إلى تمكين الجَّماهير المستنهَضة من قطف ثمار حراكاتها. ويطرح عبد الخالق السُّؤال، ابتداءً، من خلال بحثه عن آليَّات توليد الطاقة المحرِّكة باتِّجاه التَّغيير الاجتماعي، حول المواضع نفسها التي يجدر أن يجري فيها هذا البحث، وما إن كانت شيئاً آخر بخلاف مواضع الإلتقاء الوثيق بين مختلف القوى الدِّيموقراطيَّة الجَّديدة، سواء تمثَّلت في الطبقة العاملة، أم المزارعين، أم المثقَّفين، أم غيرهم من القوى الاجتماعيَّة ذات المصلحة الحقيقيَّة في الاستثمار في المستقبل التقدمي.

***
وبعد، ليس من أغراض كلمتنا هذه أن تتجاوز تلويحة التَّرحيب العجلى، من خلال هذه اللمحة السريعة، بمبحث د. رقيَّة المطوَّل الممتع، وتهنئتها على هذا التَّخطيط الأكاديمي الرَّاقي الذي مكَّنها من وضع يدها، عن جدارة واستحقاق، على أبرز جوانب الفرادة في إسهامات هذا المفكِّر الفذِّ، والمناضل الباسل، والقائد الجَّسور، خصوصاً وأن هذا التَّخطيط لا يمكن، لدى تتبُّعه، إلا أن يفضي، بالضَّرورة، إلى تناول ومناقشة مسائل تتَّصل، عميقاً، بالتَّطبيق الخلاق للماركسيَّة على الواقع السُّوداني، القضيَّة التي نذر لها عبد الخالق عمره، من سنخ "المدارس الاشتراكيَّة في أفريقيا"، كما برزت، مثلاً، لدى كوامي نكروما وجوليوس نايريري، وحركتي "البان آفريكانيزم Pan - Africanism والزُّنوجة Negrotude"، لدى إيميه سيزار وسنغور وغيرهما، وحركة "الأخوان المسلمون"، خصوصاً على يد سيِّد قطب، وهي المسائل التي بذل عبد الخالق في تناولها، بأكبر قدر من الموضوعيَّة والعقلانيَّة، الكثير من الفلسفة، والفكر، والدُّروس النَّقديَّة شديدة السَّداد. كما وأن من مقاصدنا، أيضاً، فتح شهيَّة القرَّاء لالتماس المزيد من عمل رقيَّة هذا في مصدره المذكور، وحفز من يأنس في نفسه الكفاءة من المترجمين لجعل نصِّه الكامل ميسوراً في العربيَّة.

ك. الجزولي
ضاحية شمبات الهجرة ـ بحري
20 أغسطس 2009م


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.