إذا صدق ما تواتر عن تخصيص وزارة المالية لحركة جبريل إبراهيم أو لشخصه فهذا طعنٌ مباشر لمبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وهزيمة ماحقة لتطلعات ثورة ديسمبر في تغيير المعايير القديمة البالية التي قعدت بالوطن.. كما انه يعني بشكل مباشر تقديم معيار المحاصصة على معايير الكفاءة...! نعم للمشاركة (ولا وألف لا) عندما تكون المحاصصة الكفيفة هي المقياس الأوحد..! فعلي سبيل المثال هناك مؤهلات واعتبارات مطلوبة في هذا المنحنى من الفترة الانتقالية لتولي حقيبة المالية بعد مرحلة استطاعت فيها الحكومة المدنية (حكومة الثورة) أن تنجز خطوات واسعة في جبهة الاقتصاد مع العالم الخارجي والمؤسسات الدولية والدول ذات الاعتبار بما ترتبت عليه مرجعية للتعامل قد يضر بها تغيير وجه الوزارة التي أنجزت هذا التعامل الايجابي.. (جبريل قال عن إعلان أسماء اللصوص بواسطة لجنة إزالة التمكين انه تشهير) فلماذا تريدون أن تجعلوا على قمة إدارة الاقتصاد أشخاص قادمين من ميادين التعبئة العسكرية بعيدين عن التخصّص وعن تراكم المعرفة الحديثة بآليات الاقتصاد الدولي بما يجعل من وجودهم الفجائي في أروقة الوزارة عبئاً على التواؤم والتفاهم مع الجهات العالمية التي يكون تعاونها أكثر سلاسة مع وزراء ومسؤولين ذوي خلفية مدنية تخصصية ومعرفة تراكمية..! هذا اعتبار يجب إن يؤخذ في الحسبان من اجل المصلحة العامة وليس عن طريق المحاصصة.. فالمشاركة السياسية وإعادة تشكيل الحكومة يجب أن يأخذ بالأمثل والأحوط والأنسب والأجدر.. فبلادنا تتعامل مع عالم خارجي واقتصاد عولمي له اعتباراته..!

ومن المؤسف أن نسمع في الحوار الصحفي الذي دار مع السيد جبريل والتقارير التي تتحدث عن التشكيل الجديد وقسمة المناصب والحقائب أن هذه الوزارة آو تلك مُخصّصة للجهة الفلانية والحركة العلانية، وأن جبريل أو غير جبريل يشاور نفسه هل يتولى الوزارة أم يكتفي بمقعد مجلس السيادة...! هذا حديث أعرج لا يناسب مرحلة الثورة ومهام الانتقال ولم نشتم منه ريحة تغليب المصلحة العامة أو حياة الناس المعيشية والأمنية في المعسكرات والمدن والأقاليم والمناطق التي اكتوت بالنزاعات..وتبرير مثل هذه المطالبات بعدد الوزارات والمقاعد السيادية والبرلمانية بأنها من شروط المشاركة يشير إلي انعدام (الحساسية السياسية)..ولا يشبهه إلا تبرير جبريل إسراعه بالعزاء في الترابي أنه من باب الوفاء الشخصي أو التنظيمي استباقاً لتعازيه في مئات من الشباب الغض الذين لم تجف دماؤهم بل مئات الآلاف من الذي قتلتهم الإنقاذ..فالوفاء للوطن مقدّم على أي وفاء آخر..! وتصرفات الشخصيات السياسية محكوم بمعايير دقيقة لحمتها وسداها الوطن أولاً وفوق كل انتماء..وللحقيقة نقول أن عديداً من قيادات الحركات عند عودتها للوطن لم تكن أولوياتها ومبادراتها تصب وفق الأولويات الوطنية.. ولم تشهد تحركاتهم المناطق التي نكبتها الإنقاذ وهي الأحق بالزيارة ويستحق أهلها العزاء والمواساة (وشيل الفاتحة)..!
لقد تفجّرت ثورة ديسمبر من اجل قلب المعادلات القديمة وتبديل التسابق نحو المناصب وممارسة السياسة عبر التصريحات والتشنجات والمطالبات بالسباق نحو التضحية والإيثار وقياس سلوك السياسيين بمعيار المسؤولية الوطنية وخدمة الوطن.. والشعب لا يرفض مشاركة كل بنيه في المهام الوطنية لكنه لا يجامل في محاسبة السياسيين بمدى تبنيهم لمبادئ الثورة ومطلوبات فترة الانتقال.. نعم للمشاركة ولا للمحاصصة (العددية الحيازية المطلبية المتصلبة) على طريقة (الكوتات) التي لا تقيم وزناً للأصلح والأكفأ.. وبصراحة لم نستطع أن نفهم لماذا تخصيص وزارة المالية أو التعليم بشكل عمياني لحركة جبريل أو غيرها.. وكما تقول شخصية نمطية في الدراما السودانية: (النصيحة حاااااارة)..!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.