12 يناير 2021

لم أتمكن من الاطلاع على تفاصيل اتفاقية جوبا للسلام، بالرغم من تأييدي لها من حيث المبدأ، الي أن طلبت مني رابطة القانونيين والمحامين السودانيين ببريطانيا تقديم عرض عن ورقة النازحين واللاجئين والمزارعين والرحل في ورشتها بعنوان (سلام جوبا للسلام: الواقع والمالات) المنعقدة في الفترة من 23 الي 28 ديسمبر 2020، عبر الزوم لمناقشة الاتفاقية بحضور جمع غفير فاق العشرين ألفا جلهم حضر عبر الفيسبوك. كانت فرصةً التقت فيها لأوّل مرّة لمناقشة الاتفاقية ثلّةٌ كريمةً من أهل الكفاءة من أبناء السودان المتخصصين وشهدت لهم حيثيات الورشة بالمعرفة العالية والدراية العميقة والنظرة الثاقبة وهم يتفحصون بنودها ويناقشون تفاصيلها بموضوعية تامة (أي بعيدة عن التحيز على أي أساس كان) بالرغم من اننا فهمنا من بعض الاخوة أطراف الاتفاقية من الذين تكرموا بالحضور في افتتاحية الورشة بأنها "القولُ الفصلُ" وإنها في مكانة "قول لم يأتِ به السابقون ويعز على الآخرين!"

وبالرغم من ادراك الحاضرين لهذه الرسالة السالبة في بداية الورشة والتي عنت أيضاً بأن الفعالية لا تزيد عن كونها تنويرية فقط أو لعلها تذهب الي بند "تحصيل حاصل"، خاصة وأن الورشة انعقدت في وقت كان يفترض فيه أن تكون الاتفاقية قد بدأ تنفيذها قبل أكثر من شهرين علي الأقل، بحسب ما ورد بالاتفاقية (ستون يوما بعد التوقيع والذي تم في 3 أكتوبر 2020)، بالرغم من ذلك استمرت الورشة بالتزام الجميع حضورا ونقاش وبحماس ثوري لإخوة وأخوات من كل أنحاء السودان أتوا من رحم ثورة التغيير واضعين علي عاتقهم مسؤولية أخلاقية تجاه الوطن عبر تجسيد الدرجة الوسطي من ممارسة الحرية والديمقراطية ونبذاً للسكات الذي يقتل الناس، وذلك بعرض آرائهم وطرح أفكارهم لم يثبط عزيمتهم غبن الاقصاء والابعاد عن المداولات في جوبا، فأنارت نقاشاتهم الكثير من الجوانب المبهمة بالاتفاقية وخرجت التوصيات لسان حال المجتمع المدني المستقل والحر لو وُضعت في الاعتبار وأُلحقت بالاتفاقية حتماً ستجعل منها مولودا لا يختلف علي ابوته اثنان، بل يدافع عنه الجميع ويعبرون به المزالق ما ظهر منها وما بطن، في طريق تأسيس وإعادة صياغة دولة سودانية حديثة عاكسة لمكوناتها الاجتماعية والثقافية وتأسيس وطن يسع الجميع.
ورقة النازحين واللاجئين جاءت تخص كل النازحين وقليل عن اللاجئين وتتحدث عن التوطين وإعادة التوطين للمجموعتين من بعد التركيز على العودة الطوعية وبنود شاملة بشأن العدالة الانتقالية وإعادة الاستقرار للمهجرين قسرياً. ولكن لم يُوضّح مفهومي التوطين وإعادة التوطين في الاتفاقية لأن المفهوم العام للتوطين وسياقاته المألوفة يتعلق بمن لا أرض له داخل وطنه أو بمن صار خارج وطنه ويريد أن يتخذ من وطن آخر موطناً له. وفي القاموس يرد "توطين البدو" أي نقلهم من حال البداوة والتِّرحال إلى الإقامة الدَّائمة، بمعني أن تصير لهم أرض/موطن بحدود جغرافية يستقرون فيها، وقديماً دُفع بمشروع التنمية المجتمعية لتوطين البدو الرحل في السودان إلى وكالة الأمم المتحدة لتوطين البدو الرحل في عام 1962، وهنا التوطين يقصد به الاستقرار (sedentarization) بغرض التنمية الاقتصادية ولكنه لم يتلق أي دعم كما وانتقده المختصون في شأن الرحل تلته الخطة الخمسية لاستقرار الرحل (1971-1975) والذي فشل أيضًا لظروف الجفاف، ثم برزت مجدداً لتوطين الرحل في حدود ولايات دارفور مع دولة الجنوب عندما كان الدكتور تجاني سيسي رئيساً للسلطة الانتقالية في دارفور.

أما عملية إعادة التوطين فعملياً وعرفياً تزخر بها مدونات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) وتدخل ضمن اختصاصاتها ويُعني بها نقل اللاجئين من بلد لجوء إلى دولة أخرى (بلد ثالث) وافقت على قبولهم ومنحتهم إقامة دائمة. عدم توضيح معني التوطين المقصود ومفهومه يعرضه لتفسيرات قد تدفع بمن يراهم البعض غير مستحقين أن يطالبوا بالتوطين أُسوةً بالنازحين واللاجئين! بالإضافة الي أن "التوطين واعادته" للنازحين في أماكن اخري، يكتنفه الكثير من الصعوبات والتعقيدات في وطنٍ الأرض فيها غالباً ما يمتلكها المجموعات أكثر من الدولة، والمشكلة الأكبر انها تجعل من الممكن أن يفقد بعض النازحين أراضيهم إذا اختاروا طواعية أن يُعاد تسكينهم في أماكن اخري فتصير أراضيهم غير مأهولة وعرضة للتهجمات ممن يترصد مثل هذه الفرص في غياب حراسة مشددة قد لا تتوفر إمكاناتها للإدارة الأهلية مما سيعقد مشكلتي الأرض والأمن. خلاصة القول إن مسألة التوطين وإعادة التوطين يجب أن تشمل في حيثياتها كل من يعاني اشكالا حول أين يسكن ويزرع ويرعى من الأفراد والمجموعات التي تسكن دارفور حتى لا نظل في حالة مستمرة من عدم الأمن بسبب التصادم حول هذه الموارد وأن يسوق معه التنمية الزراعية والحيوانية.

المفارقة لمبدأ العدالة والمساواة التي تمظهرت بجلاء في اتفاقية سلام دارفور هو موقع النساء وغموض أنصبتهن في القسمة. والأَمَرْ هو أن اتفاقية تتكون من ثماني بروتوكولات لم تخصص واحدة منهن عن النساء، لا استحقاقاً، ولا عدلاً ولا كرامةً ولا حباً – هكذا بمثل هذا الترتيب! فبحثتُ عنهن كلمات وعبارات "نساء/امرأة" ولم أجدهن الاّ مبعثرات بين السطور، مثل المعاني الدفينة الخبيئة التي يقصد الكتّاب تركها بين السطور لتقدير القارئ اما خجلا من معانيها أو لشحذ ذهن القارئ وسبر قدرته ليضيف لما كُتِب ويسحو بتصوراته سلباً أو ايجاباً. وبالنظر بداية الي بروتوكول النازحين واللاجئين – الفصل الخامس والمكون من سبع صفحات (41-47)، ورد ذكر "النساء والأطفال" معاً لماماً، ومرة واحدة "الحوامل والامهات" أما عبارة "العنف الجنسي" و "الاغتصاب" والتي تعد من أكثر جرائم "العنف ضد المرأة" والتي مورست بكثافة مقصودة وبشاعة مشهودة اهتزت لها جبال مرّة ومانا وحريز وام كردوس وكَلّوْ وكَلوْيَات، في طول وعرض ريف دارفور، وما انفكت، فقد ذُكرت في لمحات لا تتسق مع حجمها الكارثي ووقعها علي الأفراد والمجتمع، ناهيك عن جسامة الجائحة العالمية التي استحقت أن يفرد لها يوم 25 نوفمبر من كل عام منذ عام 1981 لمكافحتها، وقادت الأمم المتحدة الي اعتماده رسميا في 17 ديسمبر 1999، ليكون اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة!

وبينما الحرب في دارفور كانت ولا تزال مستعرة بلا هوادة ضد النساء والأطفال في المقام الأول، غُيِّبت المصطلحات المتعلقة بالنساء والتي تعارفت عليها مواثيق الأمم المتحدة لحقوق الانسان عن الاتفاق أو أُظهرت على استحياء، وكان حرياً بالاتفاق تأكيد الاحتفال بال " اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة" والتشديد عليه للمشاركة الوجدانية والدعم النفسي للنساء والفتيات لما أصابهن من انتهاك الكرامة ومرارة الاذلال، ولتُراجع وتُقَيّم فيه البرامج المصممة لتقوية مقدرات النساء في التصدي والصمود، وفعالية الآلة الإقليمية في حمايتهن.
ونواصل...

د. سعاد الحاج موسي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.