نُقِل عن كبير الفلكيين في الفاتيكان قوله لرجال الكنيسة: "تبنوا العلم ولا تتركوه ليستلب منكم ". عكس هذا القول ما يعرفه العالم الفلكي عن المقاومة التي أوجدتها أطروحات العلم في الاوساط الدينية وعن تاريخ طويل من التوتر بين الكنيسة والعلم.
أخذ الاغريق ما قاله الفيلسوف الإغريقي هير إقليدس (475 – 535 ق.م.) أن الطبيعة تحب أن تتخفى؛ وأن الله تعالى..... يعبر عن مراده من خلال تلميحات. ولكن البرت أينشتين يقول أن من حظ الانسان أن الكون قابل للفهم. بحسب الأديان والميثولوجيا القديمة -كان يمكن أن يكون شأن الإنسان في الأرض أسوأ حالا. وتقول الميثولوجيا الإغريقية أن بروميثيوس أحد الجبابرة (التيتان) الذين يقاسمون آلهة الإغريق العيش في جبال الأوليمبك أظهر شفقة على الإنسان الذي كان ضعيفا أمام جبروت الطبيعة يعيش كبقية الحيوانات. فلقد كان كبير الآلهة زيوس يريد أن تحتكر الآلهة المعرفة ولا يشاركها فيها الإنسان حتى لا يدفعه غرور المعرفة لتحديهم. ففي اعتقاده أن المعرفة المقدسة لا تنفع الإنسان وإنما مدعاة لشقائه. وقد تحدى بروميثيوس الإله زيوس وسرق منه شعلة المعرفة ومنحها للإنسان مما مكنه من معرفة فنون الحياة والحرف ومعرفة النجوم والكتابة وغير ذلك. لقد فتح له الأبواب التي تعبر منها المعرفة. وينبهنا القرآن الكريم في سورة العلق أن من لطفه تعالى أن "عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ".
في العموم شهد تاريخ الفكر الإنساني تراكما معرفيا وعمقا في تجربة اكتسابها. من بوادر النقلات الفكرية التي حدثت للإنسان ظهرت في الألفية الأولى قبل الميلاد في فترة سماها كارل جاسبرز )(1883 – 1969) في كتابه "أصل ومعنى التاريخ" 1949( بالعصر المحوري حينما تعمق تأملية الإنسان في وجوده. ولقد بدأ حينها الإنسان يراجع مناهج تفكيره وأدوات المعرفة ونظم المنطق والحجج. مرحلة مفصلية أخرى ظهرت في النصف الثاني من الألفية الثانية بعد الميلاد في عصري النهضة الأوربية والتنوير حين بدأت تحولات بعيدة المدي وعميقة الدلالات في الفكر والعلم الإنساني. في القرن السابع عشر اكتسب مشروع البحث العلمي في أوربا ديناميكية قوية بفضل التهيؤ الذهني للبحث عن قوانين تحكم الظواهر الطبيعة ليس بالرجوع للنص الأرسطي أو المقدس المنحول وإنما بواسطة البحث والتجربة واستخدام العقل. فقد تلي تقديم الدليل القاطع على مركزية الشمس توطيد نيوتن لمفهوم ميكانيكية الكون باكتشافه لقواعد الحركة وتفسيره لقانون الجاذبية. وعبر السنين حقق العلم إنجازات ضخمة بكشفه طبيعة المادة و العناصر وصلة المادة بالطاقة. ولقد فتحت معرفة التحليل الفيزيائي الكيمائي للنجوم واكتشاف خصائص الضوء نوافذا علي الكون من مكوناته الدقيقة إلي أجرامه الفضائية وبنياته الكبيرة، ونشوء الكون ونظرية الفرقعة العظمي. وساعدت معينات تكنولوجية مثل الميكروسكوب على معرفة الكائنات والأجسام غير المجهرية مما أدى لاكتشاف عوالم خفية متناهية في الصغر لم يتسنى للأقدمين معرفتها. ثم جاء علم الوراثة ومنظور داروين عن تطور الأحياء بكشوف هائلة عن الحياة وشفرات التوالد وتطور وتنوع الأحياء. وقد نُقلِت المناهج العلمية الى دراسات الانسان ومجتمعاته وتاريخ حضارات مما ادى لفهم أعمق عنها وأدق واوجد أطرا لدراسة انظمته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
كهنة بابل جمعوا معلومات ضخمة عن الفلك بالرغم من الانحراف نحو التنجيم. وعديد من رجال الدين المسيحي قد ساهموا في التقدم العلمي الذي شهدته أوربا. وكان للمسلمين الفضل في النهضة العلمية في أوربا إذ أن علماء مسلمين عدة قد ساعدوا في ارساء دعائم العلم التجريبي.
ومع ذلك فإن المؤسسة الدينية في أوربا كانت في كثير من الأحيان عائقا للكشوفات العلمية ودخلت في صراعات مع العلوم الناشئة. وامتد الصراع بين الكنيسة والعلم لمئات السنوات؛ ومعلوم أن الكنيسة حرقت عالم الفلك برونو لأنه صور الفضاء ككون متناهي الابعاد، وحاكمت جاليليو الذي قال بمركزية الشمس، وتشككت في ميكانيكية نظرية نيوتن عن قوانين الجاذبية الكونية، وهاجمت بضراوة نظرية تطور الانواع التي طرحها داروين. ورفضت هيئات دينية دراسة جسم الإنسان الذي في معتقداتها مستقل عن هيئته الفيزيائية ولذلك يتوجب دراسته بواسطة الفلسفة الإسكولائيه والثيولوجيا وليس بالتشريح. وأنكرت فئات دينية حتى التطرق لحركة الاجرام الفضائية لأنها إلهية. وقد قال رجال الدين المسيحي أن الرجال العظام الذين نقلوا الإنجيل والكتب المقدسة وألهمهم الله بمعرفة حقائق غيبية لم يتفكروا في هذا الأمر فلماذا يتحدى اللاحقون رؤية السلف عن الفضاء. بل يجب على اللاحقين الا يتشككوا فيما قاله الآباء الاوائل وأن يتناسوا ما تجاهلوه.
لقد كان ذلك صراع رؤى واختلاف حول مصادر المعرفة عن الكون والحياة. غير إن مسيحيين مستنيرين يقولون أن الإنجيل ليس بكتاب علم يقدم تفسيرات للظواهر الطبيعية وأن مجال الدين هو الجانب الروحاني وتلبية رغبة الانسان في معرفة معني الحياة والإجابة على اسئلة جوهرية عن الوجود. وقد نقل عن باسيليوس الكبير: "إن سفر التكوين لا يجيب عن جميع الأسئلة، بل توحي بما يفيد هدانا الروحي.. ولكن بكلامه عن العالم فإن سفر التكوين يوقظ فضولنا دون أن يرضيها".
و يزعم نفر من مؤرخي تاريخ الفكر الإنساني أن أزمة الإيمان الديني هو انكماش ما يعرفونه ب"إله الثغرة المعرفية" نتيجة التقدم في العلم والاكتشافات العلمية. فكلما زاد الإنسان من معرفته للطبيعة كلما سقط من اجندة البحث العلمي ما يوصف بأنه معرفة إلهية خاصة. ولا ينفي ذلك أن معرفة الله لا حدود لها وأن الانسان أوتي من العلم القليل، والقليل جدا. كما أن اطروحات العلم التي هي أحسن ما يعرفه الانسان في أي فترة زمنية وحيز مكاني معينين قابلة للنقض والتبدل. فعلماء الطبيعة والاجتماع لا يدعون اليقين. وهم يثمنون النقض في المنهج العلمي من منطلق شكوك غلاة التجريبيين ونظريات ما بعد الحداثة و دعاة التفكيكية؛ ويعرفون أن ما يجهلونه لا حدود له في عالم الفيروسات كما في الكون العريض. ولكنه من الواضح عيانا بيانا أن نظريات الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والرقميات قد أتت ثمارها باكتشافات تكنولوجية مبهرة؛ وجعلت الانسان يُسير المركبات في الفضاء، ويسهل الاتصال العالمي، ويوفر علاجات ناجعة.
من المؤسف أن التوجس لا زال قائما بين العلم ونفر من دعاة الدين. مثلا هناك في الولايات المتحدة منظمة تسمى جمعية الارض المسطحة. وهناك عداء قوي للداروينية (نظرية داروين) وسط جماعات دينية. وبعض الدول ترفض تدريس اطروحات نظرية تطور الانواع كتفسير محتمل للحياة. وترفض مجموعات أخرى استخدام الاكتشافات العلمية في الطب والتحصين ونقل الدم والهندسة الوراثية؛ ويوجد من رجال الدين من لا يريد حتى أن يفهم (لا أن يتبنى) حجج نظرية الفرقعة العظمى التي تحاول تقديم تفسيرا للحظات التالية لبداية الكون والتطورات التي حدثت بعد حتى أفضت للواقع الحالي.
ولكن الفاتيكان يحاول منذ عشرات السنين أن يصلح بينه وبين العلم. يظهر ذلك جليا في الاقرار بمركزية الشمس بدلا عن مركزية الارض وفي تبرئة جاليليو. في عام 1992 قام البابا جون بول الثاني بالاعتراف بأن حرمان جاليليو الذي قامت به الكنيسة في القرن السابع عشر كان سوء فهم وتقدير. وقد قال أن العبرة من حادثة جاليليو أنه لابد من فتح قنوات الحوار بين الثيولوجيا والعلم الطبيعي. ويقوم الفاتيكان من خلال أكاديمياته بتنظيم مؤتمرات لمناقشة النظريات العلمية ذات المدلول على المفاهيم الدينية.
ليس من الحكمة أن يرفض رجال الدين كل ما جاء به العلم. ولقد أدركت مؤسسة الازهر المصرية في عهد الرئيس المصري عبد الناصر ضرورة أن يلم طلاب العلوم الدينية بعلوم الطبيعة. ويبدو أن جامعات سودانية ذات اتجاهات دينية تحذو حذو الازهر. ولكن كثيرا من مؤسسات تقود المجتمع في المسائل الدينية أو تدعو للإسلام السياسي لا تعطي العلم حقه، ولا تدرك تبعات ان تبعد البلاد عن الانفتاح على الاكتشافات العلمية. فأطروحات هذه الجماعات لا تَذكر العلم ولا تحث عليه بل وتحارب لغات العلم كاللغة الانجليزية، وتحجر تدريس النظريات العلمية، ولا تحترم الارث الفكري الانساني كأنما أن تطور الفكر العالمي متوقف عند نقطة زمنية مضت.
وقد كتب البروفسير محمد عبد السلام الباكستاني الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1990 "قد سألت علماء الدين عن سبب عدم استغلالهم لخطبة الجمعة لاستنفار همم المسلمين وحثهم على التوجه نحو العلم والتكنلوجيا، وقد أجابني معظمهم بأنه تنقصهم الدراية الكافية بالعلم الحديث".
في تقديري عدم دراية الدعاة بالعلم الحديث سببه أنهم لا يضمرون له التقدير المطلوب بل يتوجسون خيفة منه - خيفة على مكانتهم الاجتماعية. مثلا، لا يحثون على العلم والانفاق على التعليم، واولياتهم التركيز على كتب السلف، واجترار الفخر بإنجازات المسلمين، ويرفضون التواصيل العلمي، ويرفضون تعلم اللغات الاجنبية. ففي عهد الإنقاذ المبكر قام وزير بمعاقبة الحكومة الانجليزية بالتقليل من عدد سنين الدراسة باللغة الانجليزية!
أن دفع الامه للاهتمام بالعلوم مهمة أخلاقية لأن العلم هو الوسيلة لمحاربة المرض والفقر والجوع والحفاظ على كوكب الارض ولزيادة معرفة الانسان بالكون والحياة. ولقد بدى ذلك جليا في تحدي وباء فيروس "الكورونا". فالحاجة ماسة للاهتمام بتدريس العلوم، ودعم هيئات البحوث، وتعلم اللغات الاجنبية، والانفتاح على الانترنت. أي بمعنى آخر تخصيص الموارد والوقت والوسائل لمعرفة قوانين الطبيعة. فكتاب الطبيعة يزيد من الإيمان ولا ينتقصه؛ أما الانكباب على الكتب الصفراء لن ينتج إلا تخلف الركب والاستمرار في مستنقع الفقر والجهل.
كلما أنظر إلى برامج الطبيعة في التلفاز أحس بأن الكشوفات العلمية تدلل على روعة نظام الكون مما يقرب للإيمان. وقد نقل عن العالم الفرنسي لويس باستور أنه قال "قليل من العلم يبعد عن الله ولكن كثير من العلم يعيد الانسان إلى الله"
إن كثيرا من المواضيع التي يتناولها العلم مهمة للوعي الانساني. وليس من مفر لدعاة الدين إلا أن يهتموا بالاكتشافات العلمية ومتابعتها ومجاراتها كلما اقتنعوا بها. وواجب ولاة الدين حث الامة والنشء على الاهتمام بالعلم الطبيعي، ويكون ذلك بفتح العقول للمعرفة أي كان مصدرها، وتشجيع حرية البحث والفكر، ومؤازرة الهيئات العلمية. ثم من المحبذ الاستفادة من أدوات التكنولوجيا في الشعائر مثلا استخدام الفلك في التقويم القمري وفي العلاج وتطوير الطب. وأبجديات المعرفة أن تعرف ما تنتقد، ومن الصفوية أن تفرض بالترهيب على الآخرين ما يجب أن يعرف وما لا يجب أن يعرف.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.